لاحقة قسطموني
— 103 —

مهمة

محاورةٌ أُخطِرتْ لتعديل إفراطِ بعض إخواني من طلاب رسائل النور
في حُسْنِ ظنهم بي بما يفوق حدي
أَسرُد محاورةً جَرَتْ بيني وبين أخي الأكبر المُلَّا "عبد الله رحمه الله" قبل نحوِ خمسين سنة:
كان أخي رحمه الله أحدَ خواصِّ مريدي الولي العظيم "الشيخ ضياء الدين" قُدِّس سِّره؛ ولما كان أهلُ الطريقة لا يَرون بأسًا إنْ حصل إفراطٌ في حب مرشدهم
— 104 —
وحُسْنِ الظن به، بل يَرون ذلك أمرًا مقبولًا، فقد قال لي أخي مرةً: إن الشيخ ضياء الدين يَعلم جميع العلوم، وله اطلاعٌ على كل شيءٍ في الكون كالقطب الأعظم.
ثم راح يُبين لي مقاماتِه الخارقةَ بُغيةَ أن يربطني به؛ فقلتُ له: أنت تبالغ، فإني لو قابلتُه لاستطعتُ أن أُلزِمه الحجةَ في مسائل كثيرة؛ ثم إنك لا تحبه حبًّا حقيقيًّا كما أُحبه، فأنت تحب ضياء الدين الذي تتخيله في صورة قطبٍ أعظم يعلم ما في الكون من العلوم، أي إنك مرتبطٌ به بهذا الوصف، وتحبه لأجل هذا الوصف، فلو رُفِع حجاب الغيب وبانتْ حقيقتُه لزالت محبَّتك له أو تضاءلت إلى ربعِ ما كانت عليه.
أما أنا فأحب هذا الرجل المبارك حبًّا جمًّا كما تحبُّه، وأُقدِّره جدًّا كما تقدِّره، لكنَّ ذلك لأنه مرشدٌ خالصٌ عظيمُ القدْر والأثر لأهل الإيمان في دائرة السُّنة السَّنِيَّة ومسلكِ الحقيقة؛ وإني لأجلِ خدمته هذه أفديه بروحي أيًّا كان مقامُه الشخصي؛ ولو رُفِع الحجاب وبانَ لي مقامُه الحقيقيُّ ما تراجعتُ عن ارتباطي به، ولا تخلَّيتُ عنه، ولا نقَصَتْ محبتي له، بل لارتبطتُ به بمزيدِ احترامٍ وتقدير.. إذًا، فأنا أحبُّ ضياء الدين الحقيقي، وأنت تحب ضياء الدين الخيالي. (حاشية): لأنك تطلب على محبتك له ثمنًا باهظًا، إذْ تتصور أن يقابلك بثمنٍ يزيد مئةَ ضعفٍ عما أعطيتَ، والحالُ أن أعظم محبةٍ تظل ثمنًا زهيدًا لمقامه الحقيقي.
فقَبِل أخي نقطةَ نظري وقدَّرها، إذْ كان منصِفًا وعالمًا مدقِّقًا.
فيا طلاب رسائل النور الأعزاء.. ويا إخواني الموفَّقين الذين يَفوقونني تضحيةً وبَذلًا.. لعل زيادةَ حُسْنِ ظنِّكم بشخصي لا تَضُرُّكم، لكن أمثالَكم ممن يَنشدون الحقيقة يَنظرون إلى الوظيفة والخدمة لا إلى الشخص، فانظروا أنتم أيضًا بهذا المنظار، وإلا فلو رُفِع السَّتر، لتَبَدَّتْ ماهيتي مُجلَّلةً بالنواقص والعيوب من أعلاها إلى أدناها، فكانت مَدعاةً للإعراض عني.
فلا ترتبطوا بما تتصورونه في شخصيتي من مقاماتٍ تَفوق حَدِّي، كيلا تَنفِروا من مؤاخاتي أو تقعوا منها في خَيبةٍ وندم، فإنما أنا أخٌ لكم، وليس من حَدِّي أن أكون
— 105 —
مرشدًا، كلَّا، ولستُ أستاذًا، وإنما أنا زميلُ درسٍ، وإنني بإزاءِ عيوبي ونواقصي لَمحتاجٌ إلى إمدادكم ودعواتكم المُشفِقة، فأنا مَن يستحقُّ الإمداد منكم، فلا تنتظروه مني.
وإني بفضل الله وكرمه، قد اشتركتُ معكم في خدمةٍ عظيمةٍ تتبوأ أسمى درجات القدسية والأهمية والقيمة، وتعود بالنفع على كلِّ فردٍ من أفراد أهل الإيمان، وكان اشتراكُنا فيها وَفق قاعدة تقسيم المساعي والأعمال، وتَحَصَّلَ مِن تَسانُدنا شخصٌ معنويٌّ جليل، فيكفينا فائقُ قيمتِه وأهميتِه، ورفيعُ إرشادِه وأُستاذيتِه.
وما دامت الخدمةُ الإيمانيةُ أهمَّ وظيفةٍ وأعلى من كل شيءٍ في هذا الزمان، وما دامت النوعيةُ أهمَّ من الكمية، وما دامت عوالم السياسة المؤقَّتة المتحوِّلة عديمةَ الأهميةِ إزاءَ الخدمة الإيمانية الثابتة الدائمة الأبدية، ولا تَصلُح أن تكون مقياسًا ولا حتى مدارًا، فعلينا إذًا أن نَقنَعَ بالمقاماتِ ذاتِ الفيض التي تمنحنا إياها رسائلُ النور في نقطةِ خدمتها وفي دائرة تعليماتها؛ وعلينا أن نبالغ في الثبات والوفاء، ونُفْرِط في الإخلاص والارتباط، بدلًا من المبالغةِ في حُسْنِ الظنِّ الزائدِ عن الحد، والإفراطِ في إيلاء المقامات العالية؛ فذلكم هو ما يجب علينا الترقي فيه.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭