— 106 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن الهديتَين القدسيتَين السماويتَين اللتَين بَعث بهما بطلُ رسائل النور "خسرو"، وإهداءَهما لنا ولمَن حولَنا في هذه الشهور المباركة على نحوٍ يَعرِض للأنظار إعجازَهما المعنويَّ عرضًا ذا كرامة، لَخدمةٌ مُعجِزةٌ من وجهةِ نظرِ رسائل النور.. فعسى لقلمِ "مصنعِ الوَرْد" هذا أن يُحوِّل هذه النواحي أيضًا إلى روضةِ وَرْدٍ إن شاء الله، ونسأله سبحانه أن يُثيب صاحبَ هذا القلمِ بكلِّ حرفٍ قرآنِيٍّ كَتَبَه ثلاثين ألفِ ثوابٍ ورحمةٍ وحسنةٍ كما في ليلة القدر.. آمين، آمين، آمين.
إخواني الأعزاء.. أرسلتم إليَّ قبل أسبوعٍ رسالةً نابعةً من وفائكم الفائق وعلوِّ هِمَّتكم، وأَوليتموني فيها یی بصدقكم ووفائكم یی حُسْنَ ظنٍّ يفوق حدي كثيرًا، وكان جوابي يَجرَح حُسْنَ ظنِّكم بي بدرجةٍ ما، فكتبتُ هذه الكلمةَ قبل يومين تتمةً لجوابي تُبيِّن حكمتَه:
توجد في هذا العصر قُوًى مسيطرةٌ سيطرةً تَفُوق التصور، لدرجةِ أنها تستحوذ على كلِّ شيءٍ وتحوِّله لصالحها؛ وبناءً على هذا فإنه لو جاء في هذا الزمانِ السيدُ الحقيقيُّ المُنتظَر قدومُه، فإني أُقدِّر أنه سيُنَحِّي شؤونَ عالَمِ السياسة جانبًا، وسيُغيِّر هدفَه، لئلا تَستغلَّ تلك القُوى جهودَه وتستوليَ عليها.
ثم إن هناك ثلاث قضايا، هي: "الحياة" و"الشريعة" و"الإيمان"، فأهمُّها وأعظمُها في نظر الحقيقة قضيةُ "الإيمان"، إلا أنه لما كانت قضيَّتا "الحياة" و"الشريعة" في نظر العموم، ومن حيث ما تُمليه ضروراتُ أحوالِ العالَم اليومَ، أهمَّ القضايا، وكان تغييرُ أوضاع القضايا الثلاث دفعةً واحدةً على جميعِ وجهِ البسيطةِ أمرًا يخالف سنةَ الله الجارية في البشر، فإنه لو وُجِد ذلك السيدُ في هذا الزمان، لاتَّخذ تلك القضيةَ العظمى أساسًا دون القضيَّتَين الأُخريين، لكيلا تَفقِد خدمةُ الإيمان صفاءَها ونقاءَها في نظر العموم، وليتحقَّق في أذهان العوام الذين يَسهُل خِداعهم أن تلك الخدمة ليست أداةً لأيِّ مقصَدٍ آخر.
— 107 —
ثم إنه تحت وطأة الظلم الشديد المدمِّر المستمرِّ منذ عشرين سنةً فَسَدت الأخلاق أيَّما فساد، وضاع الوفاء والمتانة، حتى لم يَعُد يوجد في العشَرة أو العشرين من الناس شخصٌ واحدٌ يُعتَمد عليه، وهذه الحالة العجيبة تستلزم التحلِّيَ بأعلى درجاتِ الثبات والمتانة والوفاء والحَميِّة الإسلامية، وإلا بقيت الجهود المبذولة عقيمةً، بل تعود بالضرر.
إذًا، إنَّ أخلصَ خدمةٍ وأسلَمها وأهمَّها وأحظاها بالتوفيق ليست سوى هذه الخدمة القدسية التي يعمل تلاميذُ رسائل النور في دائرتها.
على كلِّ حال، يكفي هذا القدر من المسألة الآن.
نُسلِّم على عمومِ إخواننا فردًا فردًا، وندعو لهم في هذه الأيام المباركة، ونطلب دعواتِهم المقبولةَ في الأيام والليالي المباركة القادمة.
الحقُّ أن "اللوامع" التي أهداها "طاهري" قَيِّمةٌ جدًّا، وستُنيلُه الثواب الجزيل في هذه النواحي إن شاء الله.. إنه "لُطفيٌّ" تام، وفقه الله.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنِّئكم بليلة البراءة وشهرِ رمضانَ الذي اقترب، ونسأل الله تعالى أن يجعل ليلةَ القدر خيرًا لنا ولكم من ألفِ شهر، وأن تُسجَّل في صحائف أعمالنا خيرًا من ألف شهر؛ وقد نوينا أن ندعو بالدعاء التالي حتى حلول العيد : "اللهم اجعل ليلةَ قدْرِنا في هذا الرمضان خيرًا من ألف شهرٍ لنا ولطلبة رسائل النور الصادقين".
إن إرسالكم مصحفَين مُعجِزَين إلينا في هذه الشهور المباركة سيكون مَدارَ بركةٍ وثوابٍ وحسناتٍ وفتوحاتٍ بإذن الله، فنرجو من الرحمة الإلٰهية أن تجعل كلَّ يومٍ من أيام رمضانَ هذا بمثابة ليلةِ قدرٍ لنا.
وقد رتَّبْنا من الآن أن يقرأ خواصُّ طلاب النور هنا في هذين المصحفَين في شهر رمضان المبارك، بأن يَقرأ كلُّ واحدٍ منهم جزءًا من القرآن معكم، فيتحصَّل من ذلك قراءةُ
— 108 —
خَتمةٍ قرآنيةٍ في كل يومٍ من رمضان، تُتلى في مجلسٍ معنويٍّ واسعٍ على غِرار مجلس الخَتم النقشبندي لكن بمقياسٍ كبيرٍ جدًّا، إذْ ينبسط المجلس في دائرةٍ تحيط بی"إسبارطة" و"قَسْطَموني"، تتبوؤون أنتم مركزَها، ويَحضُرها جميعُ طلاب رسائل النور معنًى متحلقين حولكم؛ فنسأل الله تعالى أن يوفقنا برحمته لأداء هذه الخَتمة القدسية بهذه النية والتصور.
ثانيًا: الخدمات الفائقة التي يؤديها الطلبة الأبطال في قرية "حاجي حافظ": "صاوة" غَدَتْ لما حولَها من الأماكن وسيلةً للتحفيز والترغيب، ومَبعثًا للهمة والنشاط، ونموذجًا لحُسْن الامتثال، وغَدَتْ لما حولَنا من النواحي مثالًا يُحتذى في السعي الجادِّ الدؤوب، وأورثتْ يقظةً مُهمةً ورغبةً عالية؛ أما رسائل البطل "خسرو" التي تتحدث عنهم فقد أصبحت أشبه برُقًى مباركةٍ تتداولها الأيدي، وتحوي شفاءً لمن ابتُلي بمرض التهاون والكسل.
ثالثًا: أدرجْنا في "المَلاحق" رسائلَكم القَيِّمةَ المرسلةَ إلى هنا، غير أنَّا طوَينا كلماتٍ، وعدَّلنا جُمَلًا نابعةً من فَرْطِ حُسْن الظن، فلا يكن في صدركم حرجٌ من ذلك.
رابعًا: كثيرًا ما خطرتْ ببالي قريةُ "أتابك" الواقعةُ بين "إسلام كوي" و"قُولَه أونو"، والتي خرَّجتْ طلابًا أمثال الصِّدِّيق "صبري" و"لطفي"، وكثيرًا ما تساءلتُ بحزن: لماذا تخلَّفتْ هذه القرية وخَبَا نورُها؟ فلله الحمدُ والشكرُ بلا حدٍّ أنْ مَنَّ علينا بی"طاهر" و"عبد الله چاويش" فبدَّدا همومي وحَظِيتُ منهما بسُلوانٍ كبير، حتى إني طالعتُ مؤخَّرًا الهديةَ التي بعث بها "طاهر"، وهي "اللَّمَعات" و"الشعاع السابع" مجلَّدةً معًا في مجلَّدٍ واحد، فرأيتُ في "طاهرٍ" هذا "خُسروًا" و"لُطفيًّا" و"عاصمًا"، جزاه الله وإياكم خيرًا، ورضي عنه وعنكم دائمًا أبدًا؛ وستؤدي نسختُه هذه عملًا كثيرًا هنا إن شاء الله.
جَمَعْنا آياتٍ تَنوف على خمسِمئةِ آية، هي منابعُ الرسائلِ النوريةِ وأساساتُها، وسمَّيناها "الحزب الأكبر الأعظم" للقرآن العظيمِ الشأن المعجِزِ البيان، لكن لم نوفَّق في إرسالها إليكم في رمضان هذا، فسنرسلها إليكم في وقتٍ لاحقٍ إن شاء الله.
نُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا وندعو لهم؛ ونطلب دعواتهم في هذه الأيام والليالي المباركة.
٭ ٭ ٭
— 109 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن كلمة الضمان التي قالها الغوث الأعظم، أعني: «فإنك محروسٌ بعَين العناية» قد ظَهرتْ مطابِقةً تمامًا لطلابِ رسائل النور، وما زالتْ كذلك حتى يومنا هذا.
أما مفارقةُ إخواننا أمثالِ "خسرو" و"رشدي" و"رأفت"، خصوصًا "خسرو" ذلك الركنِ المتين، فصحيحٌ أنه يبدو في الظاهر أليمَ الوَقْع جسيمَ الضرر، إلا أننا نؤمِّل في الرحمة الإلٰهية أن يَؤولَ إلى خيرٍ جزيلٍ إن شاء الله.
وأذكر بهذا الخصوص مصيبةَ سَجننا، فإنها كانت عذابًا من حيث الظاهر، لكنها من حيث الحقيقةُ قد حُوِّلتْ إلى عنايةٍ كبيرةٍ ورحمةٍ جليلةٍ بحقِّ خدمتنا؛ ونحمد الله أنه قد بدأ يظهر الكثير من أمثال "خسرو" في تلك النواحي بجهودكم؛ ولعل "خسرو" قد أُعطي استراحةً بعد عملٍ دَؤوبٍ دام زمنًا طويلًا؛ فلئن توقَّف قلمُه القيِّم، فإنا نؤمِّل في العناية الإلٰهية أن تُديم خدمتَه القدسيةَ بلسانه المبارك وأحواله الخالصة، على غِرار ما جرى لی"فيضي" و"صلاح الدين" في خدمتهما العسكرية التي غدتْ خدمةً مباركة.
إخواني.. أُبيِّن بمناسبة هذه الحادثة إخبارًا غيبيًّا أَخبرتْ به رسائلُ النور، وقد ظَهَر مطابِقًا تمامَ المطابقة؛ فقبل نحو سبع سنين أَخبرتْ بوقوع حربٍ عالميةٍ ثانية، وباشتراكنا یی أي اشتراك الطلبة یی فيها، وبانخراط كثيرٍ من طلبة رسائل النور في أمورٍ تتصل بالسلك العسكري وبهذه الحرب العالمية الثانية، كی"خسرو" و"خُلوصي" و"رشدي" و"رأفت".
أَخبَرَتْ بهذا "اللَّمعةُ الثامنة والعشرون"، وهي الكرامةُ العَلَوية الثانية، إذْ وَرَد في الأمارة الثانية منها قولُه: «فقاتل ولا تَخْشَ» في مبحث: «فيا حاملَ الاسم» ، فإذا جُمِع هذان كان المجموع ألفًا وتسعَمئةٍ وأربعين ونيِّفًا، وبهذا فإنها تشير یی والله أعلم یی إلى
— 110 —
اشتراكنا في حربٍ عالميةٍ في هذا التاريخ، لكنه ليس اشتراكًا كما كان مع حليفنا السابق، بل هو اشتراكٌ يؤيِّد خصمَه؛ وقد تَطابَق هذا التاريخ مع هذا الوقت، حيث يشترك في الحرب أركانُ رسائل النور المعتبَرون.
نسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا.. كما يسلِّم عليكم "حلمي" و"فيضي" و"نظيف" و"أمين" مع وافر التقدير.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حاصلِ ضربِ عاشراتِ دقائقِ ليلة القدر في حروفِ القرآن
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: أهنئكم من صميم قلبي وروحي بشهر رمضان المبارك، وأرجو من أرحم الراحمين سبحانه أن يتقبل دعواتِكم المرفوعةَ في هذا الشهر الكريم.
ثانيًا: إن لشهر رمضان المبارك في هذه السنة أهميةً بالغةً وقِيمةً عظيمةً للعالم الإسلامي ولطلاب رسائل النور، وذلك بالنظر إلى ما تقتضيه الرحمة الإلٰهية، وما يقتضيه الدستورُ الأساسيُّ الجاري بين طلاب النور: دستورُ الاشتراك في الأعمال الأخروية، حيث إن ما يَغنمه أحدُهم يُسجَّل مثلُه في صحيفةِ أعمالِ كلِّ أخٍ من إخوانه، وبهذا فإن مكاسبَ الداخلين إلى دائرة رسائل النور بصدقٍ وإخلاصٍ عظيمةٌ كُلِّية، إذ ينال كلُّ واحدٍ منهم آلافَ الحِصص تُسجَّل في صحيفةِ أعماله بإذن الله من غير تَجزُّؤٍ ولا انقسام، فهُم في اشتراكهم هذا أشبهُ بمن يُسرِجُ مصباحًا فينعكس نورُه في آلاف المرايا من غير انقسام، بخلاف الاشتراك في الأموال الدنيوية.
— 111 —
وبهذا المعنى فإننا نؤمِّل عظيمَ الأمل في سَعَةِ الرحمة الإلٰهية، أنْ إذا فاز أحدُ طلابِ رسائلِ النورِ الصادقين بحقيقةِ ليلة القدر، وبالمرتبة العليا لشهر رمضان، أن يكون عمومُ الطلاب الحقيقيين الصادقين شركاءَ له في الفوز، يَغنمون مثلَ ما غَنِم.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين الأبطال..
أولًا: إن الدعوات التي يدعو بها كلُّ أخٍ من خواصِّ إخواننا في شهر رمضان المبارك هذا، إنما يدعوها بأربعين ألفِ لسانٍ معنويّ، هي ألسنةُ إخوانه بسِرِّ دستورِ الاشتراك في الأعمال الأخروية، فكلُّ واحدٍ منهم بمثابةِ مَلَكٍ له أربعون ألفِ لسان، فنرجو من أرحم الراحمين بعددِ هذه الألسنة أن تكون هذه الدعوات مقبولةً لدى الرحمة الإلٰهية، ونهنِّئكم برمضانكم الكريم الذي له هذه الماهية.
ثانيًا: رسائلكم الأخيرة تثير المشاعر وتبعث السرور وتحمل البشائر، فحَرِيٌّ بها أن يُجاب عليها بكتاب، لكن الوقت لا يسمح، فلا يكن في صدركم حرجٌ من جوابي المختصر.
أولُ هذه الرسائل رسالةٌ من "صاوة" مهدِ الأبطال، بعث بها الطالب المرموق "أحمد"، فقد رأيتُ في رسالته مسألةً أبكتْني من الفرح.. فأحمدُ الله تعالى وأشكره جزيلَ الشكر أنَّ الأمهات المباركات والسيدات الفاضلات في هذه القرية قد عَرَفْن قيمةَ رسائل النور تمامًا، وبذلْنَ التضحيات في سبيل انتشارها.. إن تضحيات هذه الأخوات، أَخواتِ الآخرة الخالصاتِ الكريماتِ قد أبكتْني، بل أبكتْنا فرحًا وسرورًا؛ ذلك أنه لما كانت الشَّفَقة أهمَّ أساسٍ في مسلك رسائل النور، وكانت النساء مَعدِنَ الشَّفَقة وموطنَها، فإني كنت أنتظر منذ أمدٍ بعيدٍ أن تُفهَم ماهيةُ رسائل النور في عالَم النساء.
وأحمد الله كذلك أن النساء في منطقتنا وما حولَها يَقُمْن بعملٍ جادٍّ يفوق عملَ الرجال همةً ونشاطًا، فيُثبتْن بذلك أنهن أخواتُ السيدات المباركات في "صاوة"؛ وهذا
— 112 —
جميعُه فألُ خيرٍ في هذا الزمان، يُبشِّر بفتوحاتٍ وازدهاراتٍ لرسائل النور بين النساء مَعدِنِ الشَّفَقة.
وعلى غِرار هذا تضحياتُ رعاةُ "صاوة" الشجعان، فإنَّ نَقْلَهم رسائلَ النور في مَزاوِدهم لاستنساخها لَأمرٌ يثير الهِمَم ويترك بالغ الأثر في هذه النواحي هنا؛ ونرغب في معرفة أسماء هؤلاء السيدات والرعاة كي يدخلوا في عِداد الطلبة الخواص بأسمائهم الشخصية.
أما الرؤيا ذاتُ الحقيقة التي رآها الكاتب "عثمان"، فالحقُّ أنها رؤيا مبارَكةٌ مبشِّرةُ تشير إلى حقيقةٍ عظيمة، فإن قراءة الحوريةِ النازلةِ من السماء كتابَ "المَلاحق" كأنه خُطبة، إشارةٌ جميلةٌ إلى قَبول رسائل النور، شأنها في ذلك شأنُ رؤيا "رشدي" التي رأى فيها سيدَنا أبا بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه يَعرِض یی في خُطبته على المنبر یی "الكلمةَ التاسعة والعشرين" بأمرٍ من رسول الله (ص).
٭ ٭ ٭