لاحقة قسطموني
— 101 —

(مُهمَّة، لكنها خصوصيةٌ بدرجةٍ ما)

إخواني الأعزاء..
إن ما استنبطتُه بالجِفْر في الرسالة الخصوصيةِ المسمَّاة: "سِرُّ إنا أعطينا"، هو كالبشارةِ الغيبيةِ القائلةِ في رسالة "المناظرات": "سيَظهر نور، وسنراه".. كان حقيقةً إلهاميةً مُحِقَّة، لكنْ وقع خللٌ في تطبيقها على الواقع بفكري، فكان هذا الخلل يَشغَل بالي.
فأما البشارة النورية التي تَحدَّثَتْ عنها رسائلُ "مناظرات" و"سُنوحات"، فقد حُلَّتْ وتحقَّقتْ تمامًا برسائل النور التي ظهرتْ في دائرةٍ نوريةٍ ساميةٍ بدلَ الدائرة السياسية الواسعة، وبذلك زال الخلل.
وأما الاستنباطُ الجِفْرِيُّ في رسالةِ "سِرّ إنا أعطينا"، والقائلُ: "إن الذين حاربوا الإسلامَ ستَنزل بهم قارعةٌ مروِّعةٌ لا تُنسى إلى يوم القيامة، خلال اثنتي عشرة سنةً أو ثلاث عشرة سنة"؛ فكان على عكسِ سرِّ البشارة النورية، إذْ كان تَحقُّقَه في دائرةٍ واسعةٍ
— 102 —
جدًّا، لكن فكري لم يستطع الإحاطة بها، فطَبَّق الاستنباط في دائرةٍ ضيقةٍ وحكومةٍ محدودة، فغيَّر صورةَ الحقيقة.
والحال أن الشخص الذي أَسَّسَ هذا النظامِ الحاكمِ وتَرأَّسَه قد غادر الدنيا وتلقى ضربتَه في نفسِ التاريخ الذي بيَّنَه هذا الاستنباط.. ولقد كان هذا الشخص نفسُه عُقدةً مهمةً في تيارٍ فظيعٍ مجهولٍ مُستتَرٍ يُهيمن باستبداده على أكثرِ المعمورة ومعظمِ البشر، وكان محورًا من مَحاور هذا التيار ورأسًا عاتيًا من رؤوسه، وقبل أن تنتهي السَّنة التي مات فيها بدأت الصفعاتُ السماويةُ المروِّعة والمصائبُ العاصفةُ الشديدةُ تَنزِل بقياداتِ التيار وأتباعِه، فهم اليوم يُقاسُون العذاب وسيُقاسونه إلى يوم القيامة، وقد لقَوا عقابَ جرائمهم بحقِّ الإسلام والأديان السماوية، ولا يزالون يَلْقَونه في أوسع نطاق.
ومن جهةٍ ثالثةٍ أيضًا، فإنهم لما لَوَّثوا الدنيا بنجاسة المدنيَّة الدَّنيَّة، نزلتْ بهذه المدنيَّة صفعةٌ سماويةٌ مدوِّيةٌ هَوَتْ بها إلى أحلك وأحَطِّ دَرَكات الوحشية، وكان ذلك في نفس التاريخ الذي بَيَّنه الاستنباطُ أيضًا.
فالحاصل أنه في "سِرّ إنَّا أعطينا" طُبِّقتْ دائرةٌ جِدُّ واسعةٍ في دائرةٍ ضيقة؛ وأن بشارة النور كانت في دائرةٍ ضيقةٍ معنويةٍ سامية، لكنها صُوِّرتْ في دائرةٍ واسعةٍ مادية؛ فأشكرُ الله تعالى جزيلَ الشكر أنْ أَصلحَ خطأيَّ هذَين بإخطارٍ معنويٍّ قوي، فجعلهما مَظهرًا لقوله سبحانه: يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ، فالحمد لله بعدد ذرات الكائنات.
إخواني الأعزاء.. حَذارِ.. لا تُفشوا ذلك السِّرَّ الخصوصيَّ بسبب هذه الفقرة، ولا تطلبوا تلك الرسالة، وإنما يمكنكم أن تُطْلِعوا الخواصَّ فحسب على هذه الفقرة إن لم تَرَوا في ذلك ضررًا.
٭ ٭ ٭
— 103 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
قبل أن تصل رسالتُكم الأخيرةُ هذه، كان جوابُها قد أُمْلي بإخطارٍ وبكرامة، وهذا يدل على أن الوفاء الفائق الذي يتحلى به أصحابُ الرسالة قد بلغ درجة الكرامة.
إخواني.. لو كان لي نصيبُ واحدٍ بالألف من الفكر الراقي والتقدير العالي الذي تتحدث عنه رسائلُكم، لشكرتُ الله عليه بلا حدّ؛ وإنما ثمة شخصٌ رفيعُ المقام لا نعرفه، يُحَسُّ بتأثيره وقيادته في الشخصية المعنوية لرسائل النور وبين طلابها الكثيرين، فيُتصوَّر في شخصٍ مسكينٍ مثلي بعيدٍ عنه كلَّ البعد.
إن الأهمية الزائدة التي تولونني إياها بغير حقي لا تضرُّكم إن شاء الله، لكنها قد تَضُرُّ بحُسْن انتشار رسائل النور.
نعم، إنكم تشعرون بحقيقة، وإن إخلاصكم ووفاءكم الفائقَين يَرَيان حقًّا إن شاء الله، لكن قد يقع خداعٌ في الصورة.. نحن مكلَّفون بالخدمة، أما النتائج والتوفيق فتَعود إلى الله تعالى.
٭ ٭ ٭