لاحقة قسطموني
— 89 —
باسمه سبحانه
إلى إخواني أصحابِ رسائل النور ووُرَّاثِها وهم "خواصُّ" طلابِ النور..
وإلى أركانِ رسائل النور وأُسسِها وهم "خواصُّ الخواصِّ"..
أُبيِّن لكم ما يلي بمناسبةِ حادثةٍ وقعتْ في هذه الأيام:
إن رسائل النور تَفي بالحاجات المتعلقة بالحقائق الإسلامية، فلا تَدَع حاجةً إلى مؤلَّفاتٍ أخرى، ولقد تَبيَّن بالتجارِب الكثيرة القاطعة أن أقصرَ وأيسرَ طريقٍ لإنقاذ الإيمان وتقويتِه وجعلِه إيمانًا تحقيقيًّا موجودٌ في رسائل النور؛ نعم، فهي تختصر هذا الطريق وتُوصِل إلى الإيمان الحقيقي في خمسةَ عشر أسبوعًا بدلًا من خمسَ عشْرةَ سنة.
وإن أخاكم الفقيرَ هذا كان قبل عشرين سنةً كثيرَ المطالعة، حتى كان في بعض الأحيان يطالع في اليوم الواحد مجلدًا كاملًا مع الفهم، وإني منذُ نحوِ عشرين سنةً أصبحتُ يكفيني القرآنُ ورسائلُ النور الواردةُ منه، فلم أحتجْ منذئذٍ إلى كتاب، ولم أقْتَنِ شيئًا من المؤلَّفات.
ومع أن رسائل النور تتناول حقائقَ كثيرةً متنوعة، فإني لم أجد في تأليفها طَوالَ عشرين سنةً حاجةً للرجوع إلى كتاب، فلا جَرَمَ أن تكونوا أغنى مني عن مثل هذه الحاجة عشرين درجةً.
ثم إني قَنِعتُ بكم وما زلت، فلَسْتُ ألتفت إلى غيركم ولا أنشغل بسواكم، فيَلزم أن تَقنَعوا أنتم كذلك برسائل النور، بل هذا هو الألزم في هذا الزمان.
ثم إن لبعض العلماء المعاصرين في مؤلَّفاتهم الجديدة مسلكٌ ومَشربٌ مختلفٌ، وهو متساهلٌ مع البدع مُسايرٌ لها، ولهذا، فكما تجاهد رسائل النور في الحفاظ على الحقائق الإيمانية في مواجهة الزندقة، تجاهد أيضًا في الحفاظِ على الحرف والخط القرآنِيِّ في مواجهة البدع، فهذا أيضًا من وظائفها؛ ولقد حصل لأحد خواصِّ طلاب
— 90 —
النور أن اقتنى مؤلَّفاتٍ يستعملها بعضُ المشايخ في محاربة الحروف القرآنية والخطِّ القرآنِيَّ محاربةً عنيفةً خلف سِتارِ علوم الدين.. نعم، اقتناها لهوًى لا يُعرَف سِرُّه، مع أنه هو نفسُه يُعلِّم الحرفَ والخطَّ القرآنِيَّ فعليًّا!! وقد شعرتُ یی حين كنت في الجبل یی بتوترٍ شديدٍ إزاء هؤلاء الطلبة الخواصِّ من غير أن يكون لي علمٌ بما صنعوا، ثم نَبَّهتهم فتنبَّهوا ولله الحمد، ونجَوا من ذلك تمامًا بإذن الله.
إخواني.. إن مسلكنا دفاعٌ لا اعتداء، وبناءٌ لا تخريب، ونحن محكومون ولسنا حاكمين، والذين يعتدون علينا لا يُحَدُّون.. نعم، في مسالكهم حقائقُ مهمةٌ كثيرةٌ هي بضاعتُنا في الوقت نفسِه، لكنهم لا يحتاجون إلينا في نشر هذه الحقائق، إذْ لديهم آلافُ الناس يَقرؤون هذه الأشياء وينشرونها، غير أنه بمسارعتنا لمعاونتهم تتضرر وظيفتُنا الجليلةُ الملقاةُ على عاتقنا، وتَضيع أُسسٌ وحقائقُ عاليةٌ تَخُصُّ طوائفَ يجب الحفاظ عليها.
وعلى سبيل المثال، فإنه بذريعة المستجدات الزمانية، وبالتستُّر بستار الرُّخصة الشرعية، أُلِّفتْ كتبٌ تُمهِّد السبيل لنوعٍ من "الوهابيِة" و"المَلاميِة"؛ وإن إحدى الوظائف الأصلية لرسائل النور: الحفِاظُ على الأسس الدقيقة الهامة الجارية في الحقيقة الإسلامية، كأساس الولاية، وأساسِ التقوى، وأساسِ العزيمة، وأُسسِ السُّنة السَّنِية، فرسائل النور تضطلع بوظيفة الحفاظ على هذه الأسس وإن لم يكن بصورةٍ تَشمل الجميع؛ فلا تُترك هذه الأسس بدعوى الضرورة أو بفتوى المستجدات.
٭ ٭ ٭
— 91 —
باسمه سبحانه
نظرتُ في الرسالة المسمَّاة "المناظرات" بعد أربعٍ وثلاثين سنةً على تأليفها، فوجدتُ فيها وفي أمثالها من مؤلَّفات "سعيدٍ القديم" أخطاءً وهفوات، إذْ أَلَّفها في حالةٍ روحيةٍ ناشئةٍ عن الثورة وما رافقها من أجواءٍ محيطةٍ وتأثيراتٍ خارجيةٍ في تلك الحقبة؛ وإنني نادمٌ على تلك الأخطاء والزَّلَّات، وأستغفر الله منها بكل قوتي، وأضرع إلى رحمته راجيًا العفوَ عن هذه الخطايا التي وَقعتْ بحُسْنِ نية، فقد وَقعتْ بنيةِ إزالةِ اليأسِ الذي كان مخيِّمًا على أهل الإيمان.
إن ثمة أساسَين مُهمَّين يُهَيمنان على مؤلَّفاتِ "سعيدٍ القديم"، ولهذين الأساسَين حقيقة، لكنْ كما تحتاج كشفياتُ أهل الولاية إلى التأويلات، وكما تحتاج الرؤيا الصادقةُ إلى التأويل، فكذلك ما شعر به "سعيدٌ القديم" من حسٍّ سابقٍ على الوقوع، كان يَلزمه تعبيرٌ أدقُّ، لكنه بَيَّن هاتين الحقيقتَين بغير تأويلٍ ولا تعبير، فشابَ ذلك شيءٌ من الخلل ومخالفةِ الواقع.
أما الأساس الأول: فهو أنه بإزاء اليأس الذي خيَّم على أهل الإيمان، كان "سعيدٌ القديم" يُبشِّر بظهورِ نورٍ في المستقبل؛ ذلك أنه كان قد شَعَر بمعنى رسائلِ النورِ التي ستُقوِّي وتُنقِذ إيمانَ كثيرٍ من أهل الإيمان في زمنٍ عصيبٍ قادم، شَعَرَ بذلك بِحِسٍّ مُسبقٍ، لكنه سعى إلى تطبيقِ ما شَعَر به من غير تعبيرٍ ولا تأويل، فنَظَر بهذا المنظار إلى ميادين السياسة في ثورةِ الحرية، ظانًّا أن الأمر سيكون في مجال السياسة والقوة والكمية؛ فكان شعورُه وإحساسُه صادقًا، لكنَّ تعبيرَه عنه لم يكن مصيبًا تمامًا.
الأساس الثاني: أن "سعيدًا القديم" شَعَر، كما شَعَر بعضُ دهاة السياسيِّين ونوابغ الأدباء، أن ثمةَ استبدادًا رهيبًا يَلوح في الأفُق، فراحوا يتصدَّون له؛ ولقد كان هذا الحِسُّ المُسبق بحاجةٍ إلى التعبير والتأويل، إلا أنهم وجدوا أمامهم استبدادًا رسميًّا اسميًّا ضعيفًا، فراحوا يهاجمونه بغير تَبَيُّن؛ والحال أن الاستبداد الذي أفزعهم
— 92 —
وأثار مخاوفهم لم يكن قد أتى بعد، ولم يكن ذلك الاستبدادُ الرسميُّ إلا ظِلَّه الباهت، وقد هاجموه ظانِّين أنه هو الأصل؛ فكان المَقصَد صحيحًا، وكان الهدف خطأً.
فهكذا، لقد أحسَّ "سعيدٌ القديم" بهذا الاستبداد الحالي الرهيب قَبل وقوعه، وله في بعض مؤلفاته بياناتٌ تهاجمه؛ وكان يرى في المَشروطية المشروعة وسيلةَ نجاةٍ من هذا الاستبداد الفظيع المروِّع، فكان يسعى جاهدًا مؤمِّلًا أنْ تَدفعَ الحريةُ الشرعيةُ هذه المصيبةَ المروعةَ من خلال الشورى في دائرة أحكام القرآن.
نعم، ولقد عَرَض الزمانُ أنموذجًا لهذا الاستبداد الذي ظهر فيما بعد.. عَرَضه في دولةٍ تتخذ لنفسها لقبَ "حامية الحرية"، كَبَّلتْ بثلاثِمئةٍ من موظفيها المستبدِّين شعبَ الهند ذي الثلاثِمئةِ مليون كما لو أنهم ثلاثُمئةِ شخص، وأَخَذَتْهم باستبدادٍ صارمٍ منذ ثلاثِمئةِ سنةٍ فهم لا يستطيعون أن يحركوا ساكنًا، وسَمَّتْ قانون الاستبدادِ والظلمِ الفادحِ الغَشومِ الذي يؤاخِذ الآلافَ بجنايةِ فرد: انضباطًا وعدالة، فخَدعتِ العالَم وقدَّمتْه للنيران.
وفي رسالة "المناظرات" ملاحظاتٌ وحَواشٍ قصيرةٌ وَرَدَتْ بصورةِ طُرَفٍ ولطائف، هي من قبيلِ ملاطفةِ بعض الطلبة الظرفاء وقتَ ذلك التأليف القديم، فقد كانوا مع "سعيدٍ القديم" في تلك الجبال، وكان يُبيِّن لهم الأمور في صورة الدرس.
أما حقيقةُ المدرسة الزهراء التي وردت في ختام رسالة "المناظرات"، والتي تُعَدُّ أساسَ هذه الرسالةِ وروحَها، فإنما كانت مَهدًا وتمهيدًا لرسائل النور التي ستَظهر في المستقبل، فكان يُساق إليها بغير علمه ولا اختياره، وكان يبحث بحسٍّ مسبقٍ عن هذه الحقيقة النورانية في صورتها المادية التي أخذتْ تظهر فيما بعد، إذ مَنَحَ السلطان "رشادٌ" مبلغَ تسعَ عشْرَ ألفِ ليرةٍ ذهبيةٍ لإنشاء المدرسة الزهراء في "وان"، ووُضِع لها حجرُ الأساس، لكنَّ اندلاع الحرب العالمية الأولى حالَ دون إنجاز المشروع فأُجِّل.
ثم ذهبتُ بعد نحو سِتِّ سنواتٍ إلى أنقرة، وسعَيتُ من جديدٍ لإنجاز تلك الحقيقة، فوافق مئةٌ وثلاثةٌ وستون نائبًا من أصل مئتين على تخصيصِ مبلغِ مئةٍ
— 93 —
وخمسين ألفَ ليرةٍ لإنشاء مدرستِنا هذه، ووقَّعوا على ذلك، لكنْ أُغلِقتِ المدارس مع الأسف الشديد، ولم أتوافق مع القوم، فأُرجِئ إنجازُ تلك الحقيقة من جديد.
لكنَّ أرحمَ الراحمين جلَّ شأنه أَسَّس الهُويةَ المعنويةَ لهذه المدرسة في ولاية "إسبارطة"، وأخرج رسائلَ النور إلى حيز الوجود، فله سبحانه الحمدُ بلا حدٍّ، وسوف يوفَّق طلابُ رسائل النور في المستقبل لتأسيس الصورة المادية لهذه الحقيقة العالية إن شاء الله.
أما التزامُ "سعيدٍ القديم" جانبَ حكومةِ الاتحاد والترقي، وتقديرُه العالي المنحازُ لها وللجيش على نحوٍ خاص، برغمِ شدةِ مخالفتِه لجمعية الاتحاد والترقي، فلأنه شَعَر بحِسٍّ مُسبقٍ أن في هذه الجماعة العسكرية والجمعية الوطنية قُرابةَ مِليونِ شهيدٍ في مرتبة الأولياء موجودين فيها وجودَ الزُّبْد في اللبن، وأنهم سيتمخَّضون عنها بعد ستِّ سنين أو سبع، فوجد نفسَه مواليًا لها طَوالَ أربع سنين بغير اختياره وخلافًا لمشربه، ثم وقعت الحرب العالمية الأولى فمَخَضَتِ الزُّبْدَ المبارَك عن اللبن، ولم يَبْقَ من اللبن سوى المَخيض، فخالف "سعيدٌ الجديد" "سعيدًا القديم"، وعاد إلى جهاده المعنويِّ من جديد.
٭ ٭ ٭
— 94 —
لما كانت الأحاديثُ الصحيحةُ حول نزولِ عيسى عليه السلام وقتْلِه الدجالَ في آخر الزمان لم تُفهَم معانيها الحقيقية، فقد نظر فريقٌ من العلماء الظاهريين إلى ظاهرِ هذه الروايات والأحاديث، فمنهم مَن وقع في الشبهات، ومنهم مَن أنكر صِحَّتَها، ومنهم مَن يفسرها بمعنًى قريبٍ من الخرافة يُشبِه انتظارَ صورةٍ مستحيلة، فيُضرُّ بعوامِّ المسلمين.
ويَعمِد الملاحدة إلى أمثال هذه الأحاديث التي تبدو في الظاهر بعيدةً عن العقل، فيتخذونها ذريعةً للهجوم على الحقائق الإسلامية والحَطِّ من شأنها.
أما رسائل النور، فقد بَيَّنتْ بفيضِ القرآن التأويلاتِ الحقيقيةَ لأمثال هذه الأحاديث المتشابهة، وها نحن نبين مثالًا واحدًا لذلك فنقول:
ثمة روايةٌ مُفادها أنه في زمان قتالِ عيسى عليه السلام الدجالَ وقَتْلِه إياه، يكون الدجال أكبَرَ جسمًا من سيدنا عيسى عليه السلام، بحيث يَقفز سيدُنا عيسى نحوَ عشرةِ أذرعٍ ليَبلغ بسيفه ركبةَ الدجال؛ وهذا يستلزم أن يكون الدجال أطولَ قامةً من سيدنا عيسى بعشرة أضعاف، بل ربما بعشرين ضعفًا.
إن ظاهر عبارة هذه الرواية ينافي سرَّ التكليف وسرَّ الامتحان من جهة، ولا يوافق عادةَ الله الجاريةَ في نوع البشر من جهةٍ أخرى؛ والحال أنه قد ظهر لهذا الحديث في هذا الزمان معنًى من معانيه المتعددة، هو عينُ الحقيقة، ومحضُ الحق، وموافقٌ تمامَ الموافقة، ليُسكِتَ الزنادقة الظانِّين أمثالَ هذه الأحاديث والروايات مُحالًا وخرافةً حاشاها، وليُوقِظَ العلماء الظاهريين الذين يعتقدون أن ذلك الظاهر هو عينُ الحقيقة، وينتظرون تَحقُّقَ الحديث رغم مشاهدتهم بعضَ حقائقه عِيانًا.
والمعنى كما يلي: ثمة حكومةٌ تعمل للحفاظ على الدين العيسوي وعاداته المستمرة؛ وحكومةٌ أخرى تؤيد الإلحاد والبلشفية وتنشرهما علنًا وبشكلٍ رسميٍّ خدمةً لمنفعتها الخبيثة المظلِمة؛ وحكومةٌ ثالثةٌ جَبَّارةٌ مَكَّارة، تُشجِّع انتشار الإلحاد في آسيا وبلاد المسلمين خدمةً لمنفعتها الخسيسة؛ فلو تَمثَّل الشخصُ المعنويُّ للحكومة
— 95 —
الأولى التي تحارب الحكومتَين الأُخرَيَين، وتَجسَّمَ شخصٌ معنويٌّ لجميع الموالين لتيار الإلحاد، لظَهَر لهذا الحديث في هذا الزمان معنًى من معانيه المتعدِّدة يطابق الواقع بثلاث جهات؛ فإنْ ربِحَتِ الحكومةُ الحربَ یی وهي الآن غالبةٌ یی ارتقى هذا المعنى الإشاريُّ إلى درجة المعنى الصريح، وإنْ لم تربحها تمامَ الربح فهو معنًى إشاريٌّ موافِق.
الجهة الأولى: وهي أنه لو تَجسَّمتْ جماعةُ الرُّوحانيين العيسويين المتمسكين بالدين العيسويِّ الحقيقي، وتجسَّمتْ قُبالتَها الجماعةُ التي انطلقتْ تنشر الإلحاد وتروِّج له، ما بلغت الأولى إزاءَ الثانية أكثرَ مما يَبلُغه طفلٌ يقف قُبالةَ شخصٍ بطول مئذنة.
الجهة الثانية: وهي أن ثمة حكومةً يَنوف تَعدادُ شعبِها على مئةِ مليون، أعلنتْ رسميًّا أنها باعتمادها على الله ستقضي على الإلحاد، وستحمي الإسلام والمسلمين، ودخلتْ في مواجهةٍ ظافرةٍ وَجَّهتْ فيها ضربةً قاتلةً للبلاشفة، ولدولةٍ تَحكم قرابةَ أربعَمئةِ مليون، ولحليفتَيها: الصين وأمريكا اللتين تَعُدَّان قرابةَ أربعَمئةِ مِليونٍ كذلك، وتقِفان ظهيرًا وحليفًا للبلاشفة؛ فلو تجسَّم الشخص المعنويُّ لجماعة المحاربين في الحكومة الأولى، وتجسَّم قُبالتَهم الشخصُ المعنويُّ للملاحدة ومَن يوالونهم، لكانت نسبةُ ما بين الفريقين كنسبة شخصٍ صغيرٍ مقابلَ شخصٍ بحجم مئذنة؛ وقد جاء في روايةٍ أن الدجال يُسيطر على الدنيا، ومعنى ذلك أن الأكثرية تنحاز إلى صفِّه، وهذا هو الواقع الآن.
الجهة الثالثة: وهي أن ثمة دولةً لا تبلغ مساحتُها ربعَ مساحةِ أوروبا التي هي أصغر القارات الأربع، (حاشية): لم تُعتَیبَر أستراليا. دخلتْ حكومتُها في حربٍ مظفَّرةٍ على معظم آسيا وأفريقيا وأمريكا وأستراليا، واستندتْ إلى الدين متحالفةً مع دولةٍ تدعي الوكالة عن سيدنا عيسى عليه السلام، فتصدَّتْ للتيارات الإلحادية المستبدة وحاربتْها بالمِظلات السماوية؛ فلو تمثَّل الأشخاصُ المعنويون لكلٍّ مِن هذه الحكومة ومَن تحاربهم في صورة إنسان، ومُثِّلوا في تصاويرَ ورسوماتٍ صُحفيَّةٍ معبِّرةٍ كما تفعل الصحف منذ القديم، وكانت
— 96 —
الرسومات من قَبيلِ عَرضِ قوةِ الدول ودرجاتِ الحكومات في جريدةِ وجهِ الأرض وصحيفةِ هذا العصر، لَظَهر لهذا الحديث معنًى تامٌّ ومطابقٌ من جملةِ المعاني العديدة لحوادث آخر الزمان التي بَيَّنها الحديثُ الشريف بإخبارٍ غيبيٍّ معجِز.
حتى إن من المعنى الإشاري لحديث نزولِ شخصِ سيدنا عيسى عليه السلام من السماوات، هو أن طائفةً تُمثِّل سيدَنا عيسى عليه السلام وتتحرك باسمه، تُجري إنزالًا خلف خطوط الأعداء بالطائرات والمِظلات بشكلٍ لم يَقع ولم يُشاهَد مثلُه من قبل، فتَنزِل عليهم كأنها بلاءٌ سماوي؛ وهذا يُظهِر مثالًا ماديًّا لنزوله عليه السلام.
نعم، إن النزول السماويَّ لسيدنا عيسى عليه السلام قطعيٌّ بإفادة هذا الحديث الشريف، إلا أنه كما يفيد بمعناه الإشاريِّ حقائقَ أخرى، فإنه يشير إلى هذه الحقيقة على نحوٍ مُعجِز.
حين شرعنا بالكتابة حول هذه المسألة بإلحاحٍ من "أمين" و"فيضي: خسرو الصغير"، كانت النيةُ كتابةَ بضعةِ أسطرٍ بقصد حفظ إيمان الضعفاء من الشبهات، لكنها أُمليَتْ مطوَّلةً بغير اختياري، ولم نَدرِ حكمةَ ذلك، فأبقيناها كما هي لعلَّ فيها حكمة، ونرجو المسامحة إذْ لم نجد وقتًا لتصحيحِ هذه الكلمة وتدقيقِها فبقيتْ مشوَّشة.
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حروفات القرآن
إخواني الأعزاءَ وأصحابي الأوفياء..
مَرحى لكم وسَعدًا.. فإن سعيكم الجادَّ وجهدَكم الحثيثَ يثير الهمَّة والحماس هنا وفي أماكن أخرى كثيرة؛ وحمدًا لله بلا حدٍّ أن فتوحات رسائل النور في ازديادٍ مطرد، وأن أهل الإيمان يشعرون بجراحاتهم فيجدون أدويتَهم في رسائل النور.
— 97 —
تأمَّلنا في إشارةِ الآيتَين اللتين ذكرهما الحافظ "علي" في رسالته، فسُرِرنا كثيرًا كما سُرَّ صاحب "مصنع النور"، غير أنه لما كانت الآياتُ الثلاث والثلاثون المُخبِراتُ عن رسائل النور بإشاراتٍ غيبيةٍ قد خُتِمتْ بآيةِ: شَهِدَ اللَّهُ، لم يُفتَح الباب لذِكر إشاراتِ هاتين الآيتَين في صورةٍ مستقلة، ولم يُعرَف إلى الآن أيَّةُ آيةٍ من الآيات الثلاث والثلاثين ستكون هذه الإشارات تتمةً لها؛ وإنما فُهِم أن فقرة: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ٭ كِرَامٍ بَرَرَةٍ تَنظر بمعناها الإشاريِّ إلى ناشري رسائل النور وكُتَّابها؛ وأن فقرة: يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ٭ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ تَنظر بمعناها الإشاريِّ إلى أجزاءِ رسائل النور وصُحُفها وكُتُبها؛ لكنْ فَهِمْنا إجمالًا بالحساب الجِفْرِيِّ أنها ستُظهِر هذه الوضعيةَ الباهرة من بعدِ ألفٍ وثلاثِمئةٍ وستين ونَيِّف.
كان "مصنع الوَرْد" يريد إهداءَنا روضَ وَرْدٍ محمديٍّ متلألئ، ونحن ننتظره من صميمِ أرواحنا.
إن طلاب رسائل النور الذين حازوا كمالَ الإيمان في دائرة السُّنة السَّنيَّة في هذا الزمان، قد بلغوا حالةً تَلفِت أنظار الأولياء والمرشدين ولله الحمد، ولهذا فالمرشدون الحقيقيون الموجودون في كل زمانٍ يَطلبون تلاميذَ رسائل النور على كلِّ حالٍ في هذا الزمان، فإنْ نالوا واحدًا منهم أَوْلَوه قيمةَ عشرين مُريدًا.
ولما كان في خدمةِ رسائلِ النور مشقةٌ ومجاهدةٌ وكُلفة، وكان في الولاية یی بالمقابل یی أذواقٌ وترشُّحاتٌ جذابة، فإني بيَّنتُ لی"فيضي" حقيقةً بهذا الخصوص، وأُرسلها إليكم مرفقةً لعل فيها فائدةً لتلك الناحية أيضًا.
أُسلِّم على عموم إخواني فردًا فردًا.
٭ ٭ ٭