لاحقة قسطموني
— 86 —

حقيقةٌ تهدي مَن زاغوا عن الأسس الإسلامية

إلى مسالك البدعة والضلالة بداعي الشَّفَقة
لما كانت الشَّفَقةُ الإنسانيةُ جَلوةً من الرحمة الربانية، لم يكن لها أن تتجاوز درجةَ هذه الرحمة، أو تتعدى مرتبةَ شَفَقةِ مَن أُرسِل رحمةً للعالمين (ص)، فإنْ تجاوزتْ أو تَعَدَّتْ لم تَعُدْ رحمةً ولا شَفَقةً بحال، بل تكون مرضًا روحيًّا وسُقمًا قلبيًّا يفضي إلى الضلالة والإلحاد.
فمثلًا: إنَّ تَحَرُّجَ شَفَقةِ المرء من بعض الأُمور، كالعذابِ والجهاد وإحراق الكفار والمنافقين في جهنم، وجنوحَه إلى تأويلها، إنما هو إنكارٌ وتكذيبٌ لقسمٍ عظيمٍ من القرآن والأديان السماوية، فضلًا عن أنه ظلمٌ عظيمٌ وقسوةٌ بالغة؛ إذِ الإشفاقُ والحُنُوُّ على الوحوش التي تُمزِّق الحيواناتِ البريئةَ هو قسوةٌ شديدةٌ ووحشيةٌ وانعدامُ ضميرٍ بحقِّ هذه الحيوانات المسكينة؛ وكذلك الأمرُ تجاه من يدمِّرون الحياةَ الأبديةَ
— 87 —
لآلاف المسلمين، ويدفعون المئاتِ من أهل الإيمان إلى الآثام المروِّعة وسوءِ العاقبة، فلا جَرَمَ أن التعاطفَ معهم، والإشفاقَ عليهم، والدعاءَ لهم بالنجاة من العقاب رحمةً بهم، ليس إلا وحشيةً شنيعةً وقسوةً مروِّعةً بحقِّ مظلوميهم من أهل الإيمان.
ولقد أثبتتْ رسائلُ النور بشكلٍ قطعيٍّ أن الكفر والضلالة إهانةٌ كبرى للكائنات، وظلمٌ عظيمٌ للموجودات، وسببٌ لرفعِ الرحمات ونزولِ الآفات؛ حتى لقد جاءت رواياتٌ صحيحةٌ بأن الأسماك في جوفِ البحار تشتكي من الظَّلَمة إذْ تَسبَّبوا بسَلْب راحتها؛ وعلى هذا، فالذي يُشفِقُ ويتألم لعذاب الكافرين والمنافقين في الآخرة، يضع الشَّفَقة والرأفةَ في غير موضعها، ويمنعُها أهلَها الأبرياءَ الذين لا يُحصَون عددًا، بل يَظلمهم ظلمًا لا حدَّ له.
لكنْ ثمة أمرٌ آخَر، وهو أن البلايا حين تَنزل بمستحقِّيها، فالأبرياء أيضًا يَكتوون بنارها، ولا يَملِك المرءُ ألَّا يتألم لهم، إلا أن هناك رحمةً خَفيَّةً للمظلومين المتضررين من عقاب الظالمين؛ ولقد كنتُ في زمنٍ ما من الحرب العالمية الأولى أتألم كثيرًا للقتل والمَظالم التي يرتكبها الأعداء بحقِّ أهل الإسلام، لا سيما بحقِّ الأطفال وعوائلهم، فكنتُ، لفَرْطِ الشفقة والرِّقة في فطرتي، أقاسي عذابًا فوق طاقتي، فوَرَدَ على قلبي فجأةً واردٌ يقول:
إن هؤلاء الأبرياء قد قُتِلوا شهداءَ فأصبحوا أولياء، وبُدِّلتْ حياتُهم الفانيةُ إلى حياةٍ باقية، وأصبحتْ أموالُهم الضائعةُ بمثابةِ صدقةٍ يُبَدَّلون بها مالًا باقيًا؛ وإن هؤلاء المظلومين، حتى وإن كانوا كفارًا، لهم بحسَبهم مكافآتٌ عظيمةٌ من خزينة الرحمة الإلٰهية في الآخرة، مقابلَ ما قاسَوا في الدنيا من بلايا، بحيث لو رُفِع حجابُ الغيب لَتَبدَّتْ رحمةٌ عظيمةٌ مُدَّخرةٌ لهم تجعلهم يَلهجون بالحمد والشكر لربِّهم سبحانه.
عَلِمتُ هذا وتَيقَّنتُه بصورةٍ قاطعة، ونجوتُ من الأسى والألم الشديدِ الناجمِ عن فرطِ الشَّفَقة.
٭ ٭ ٭
— 88 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أُرسلُ إليكم الآن قطعتَين:
أما الأولى، فقد سبق أن أَرسلْتُ إليكم قسمًا منها، وقد أُكمِلَتِ الآن بإخطارٍ معنويٍّ وحَصَل إعلامٌ بأهميتها؛ وفيها فائدةٌ لمن يطالعون المؤلَّفاتِ القديمةَ لی"سعيدٍ القديم" ذاتَ الصِّلة بالسياسة، غير أن هذه القطعة خصوصيةٌ بعضَ الشيء، وينبغي إدراجُها في "المَلاحق".
وأما القطعة الثانية، فكُتِبتْ بناءً على إخطارٍ معنوي، وهي تنبيهٌ وإيقاظٌ لأخٍ لنا اقتنى مؤلَّفاتٍ صدرتْ حديثًا تَضُرُّ بخدمة رسائل النور من حيث لا يَعلَم، وفي هذا تنبيهٌ لسائر طلاب رسائل النور بعدم الإخلال بوظائفهم؛ وهذه القطعةُ أيضًا تُدرَج في "المَلاحق".
وصلتْني رسالةٌ هامةٌ بتوقيع "خُلوصي الثالث" سَرَّتْني كثيرًا، وهي تتَحدَّث عن وارثٍ من وُرَّاث "لطفي الصغير"، يتمسك برسائل النور ويؤدي لها خدمةً قيِّمة، فمَن هذا الشخص الفاضل؟ أُسلِّم عليه وأدعو له وأهنئه كثيرًا.
كما أُسلِّم على عموم إخواني فردًا فردًا، وفي مقدمتهم أصحابُ "مَصنعَي النور والوَرْد" و"المبارَكون"، أسأل الله تعالى أن يكتب التوفيق والدوام لهذه المصانع التي تنوِّر هذه البلاد وتُطيِّبها بروائح الجنة، آمين، فنحن، بأنوارهم الساطعة الباهرة، ونسائمهم الزكية العاطرة، نتنسَّم هنا عبيرَ عالَم البقاء.
٭ ٭ ٭