— 82 —
مسألةٌ وَرَدَتْ على الخاطر فجأةً
وهي أن ثمة رواياتٍ تفيد أن ذنوب المرء وخطاياه في آخر الزمان تبلُغ مقدارًا هائلًا مروِّعًا؛ وكنتُ فيما مضى أُفكِّر: هل يمكن لشخصٍ عاديٍّ أن يرتكب ذنوبًا بقدرِ ذنوبِ آلافِ الأشخاص؟ وأيَّةُ ذنوبٍ یی سوى التي نعرفها في آخر الزمان یی يرتدُّ أثرُها على مجموعِ هيئةِ الكائنات، وتتسبب في قيام الساعة وخرابِ العوالم فوق رؤوس مرتكبيها؟
وها نحن اليوم نرى أسبابها العديدة في هذا الزمان؛ فمِن ذلك ما تَبيَّن بالمذياع یی الذي هو أحدُ وجوهها العديدة یی أن الرجل الواحد يتكلَّم فيه بالكلمة الواحدة، فيرتكب بها مليونَ كبيرةٍ في لحظة، ويُقحِم بها ملايين المستمعين في الذنب والمعصية!!
نعم، إن عنصر الأثير الذي هو لسانٌ من ألسنةِ الجو، يَنطِق بمئاتِ آلافِ الكلماتِ دفعةً واحدة، ليس إلا نعمةً إلٰهيةً جليلةً على نوع البشر، تستلزم مَلْء ذراتِ الجوِّ بالحمد والشكر والثناء، غير أن فجورَ البشرية الناجمَ عن الضلالة يستعمل هذه النعمة العظيمة بعكس الشكر، فلا جرَم أن تتلقى البشرية صفعةً على ذلك.
— 83 —
أجل، إن هذه المدنية الدَّنيَّة المتوحشة لم تُحسِن استعمال الإحساناتِ الإلٰهيةِ المسماةِ بی"خوارق المدنية"، ولم تؤدِّ شكرها، بل كَفَرتِ النعمةَ بصرفها إلى التدمير والتخريب، فتلقَّتْ صفعةً مدوِّيةً سَلَبتْها سعادةَ الحياة كليًّا، وأرْدَتِ الناسَ الذين يُظَنُّ أنهم في ذروة الرقيِّ والتحضُّر، أرْدَتهم إلى حضيضِ دركاتِ الوحشية والبداوة بل أَحَطَّ، فأذاقتهم عذابَ جهنم قبل دخول جهنم.
أجل، إن كون المذياعِ نعمةً كُليةً يقتضي شكرًا كُلِّيًّا، وهذا الشكر الكليُّ يتحقق بأن يكون المذياع بمثابةِ مُقرئٍ سماويٍّ كُليٍّ له مئاتُ آلافِ الألسنة، يتلو القرآنَ في الكائنات على مَرِّ الأوقات، ليُبلِّغ مخاطَبيه یی جميعًا معًا یی الكلامَ الأزليَّ لخالق الأرض والسماوات؛ فبذلك يؤدَّى الشكرُ الكليُّ على هذه النعمة، وبذلك يديم الله هذه النعمة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
سَرَّتْنا كثيرًا رسائلُكم الواردة من "أتابك"، أعني مِن صاحب "مصنع النور" وإمامِ الجماعة المباركة؛ ولا شك أن نجاح خمسين أُميًّا في أربع قرًى في نَسْخ رسائل النور خلال أربعةِ أشهرٍ إنما هو كرامةٌ للصدق والوفاء الذي يتحلى به "العَلِيُّون" و"المصطفَون"؛ ولقد قَوَّى هذا آمالَ طلاب رسائل النور في هذه النواحي، وزاد في رغبتهم وجِدِّهم، بارك الله بكم وبأولئك الكُتَّاب الأميين وزادكم من فضله.
كنتُ قد سألتُ باهتمامٍ عن درجةِ خدمةِ "مَصنعَي النور والوَرْد" لرسائل النور، فجاءت رسالة "خسرو" تُخبِر بما فاق أملي وتوقعاتي، إذْ تحدثَتْ عن ألفِ قلمٍ يَخدُم رسائل النور، وجاءت رسالتُكم خصوصًا تتحدث عن نشاطِ خمسين قلمًا من الأُميين وحدَهم في بضع قرًى، فسرَّتْنا هذه البشارة سرورَ مَن حَظي بكنزٍ باقٍ لا يَنفَد؛ جزاكم الله خيرًا، ورضي عنكم دائمًا أبدًا، آمين؛ ووفقكم في الخدمة الإيمانية والقرآنية، آمين.
— 84 —
التوافق والتطابق بين الحافظ "عليٍّ الكبير" وبين "نظيف" ليس منحصرًا في جهةٍ أو جهتين، بل بينهما تَوافُقٌ بجهاتٍ كثيرة.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن جهودكم وفعاليتكم التي تفوق آمالي تجعلني مسرورًا شاكرًا ما حَييت.
تسألون في رسالتكم الأخيرة: أيُّما أَولى بالتقديم في هذا الزمان.. نَسْخُ رسائل النور، أم حِفظُ القرآن؟
والجواب بديهي، لأن أعظم مقامٍ في هذا الوجود وفي كلِّ عصرٍ إنما هو للقرآن، ولأن كلَّ حرفٍ منه يُضاعَف أجرُه من عشرِ حسناتٍ إلى آلافِ الحسنات، فلا ريب أن حِفظَه وقراءتَه مُقدَّمان ومُرَجَّحان على كل خدمة.
لكنْ لما كانت رسائلُ النور براهينَ وحُجَجًا للحقائق الإيمانية التي جاء بها القرآن العظيم الشأن، كان من الألزم الاشتغالُ بها مع حفظ القرآن، إذْ هي واسطةٌ لحفظه، ووسيلةٌ لقراءته، وتفسيرٌ وإيضاحٌ لحقائقه.
أُسلِّم على كلِّ أخٍ من إخواننا في دوائر "مَصنعَي النور والوَرْد"، و"هيئة المباركين"، وجماعة "حاجي حافظ"، ومَن هم في مقامات "سليمان الصِّدِّيق" و"حقي"، وأمثال "لطفي"، وأخُصُّ بالذكر الخمسين أُميًّا من طلاب رسائل النور، وندعو لهم جميعًا، ونطلب منكم الدعاء.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 85 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أستاذي الحبيبَ العزيز، حضرةَ سيدي مآبَ الفضيلة..
لقد كان مِن فيضِ رسائل النور التي أنا مَدينٌّ لها ما حَيِيْت، وخادمٌ لها ما بَقِيْت، أني صرتُ مظهرًا لألطافٍ ربانيةٍ كثيرةٍ مع أني لست أهلًا، فأغدو تفيضُ عيناي بدموع الفرح، وأجدني عاجزًا عن أداء الشكر بأي صورة.
إن "نظيفًا" الذي كان بالأمس يَكرهه الجميع، قد أصبح اليوم شخصًا وطنيًّا لامعًا، أو رجلًا يُوالي الحقيقة وينتسب إليها، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
إن قلبي يَجيش منذ سنين بالشوق إلى "هيئة المباركين" و"مصنع النور" و"مصنع الورد"، وإني على جهلي وعجزي وقصوري أسمع الأصداء النورانية التي تنبعث من تلك المصانع والأيدي المباركة، فأولئك المجاهدون المضحون الأبطال الأوفياء، يمثِّلون بمقياسٍ صغيرٍ اليوم الشخصيةَ المعنويةَ لساداتنا الصَّحْب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، ولقد نلتُ تكرمةً من أَخَوَين عزيزَين مرموقَين في تلك الجماعة المباركة، هما المبارك "صبري" والعزيز "الحافظ علي"، إذ أسدَيا إلي مودةً كريمةً ورابطةً قلبية، وحصل توافُقٌ بالغ الأهمية عندي، إذ نَظَرا بعين القبول والعناية لشخصي العادي الذي قضى عمره بالذنوب والمعاصي، وضَمُّوا خدمتي الجزئية البسيطة إلى خدمتهم القدسية الجليلة في هيئتهم السامية.
فأتقدم بالشكر على اللطف الرباني الجليل الذي جادت به الألطاف السبحانية اللامتناهية من رب العزة جل جلاله، بالكرامة القدسية لرسائل النور، كآثارٍ فعليةٍ لخدمتنا الجزئية المتواضعة المشوبة بالخطأ والتقصير، والتي ليست سوى قطرةٍ من بحر الخدمة القدسية لإخواننا الأفاضل هؤلاء.
— 86 —
ومع أن العبدَ الفقير لا يرى نفسَه أهلًا، إلا أنه اليوم غدا مَظهرًا لعنايةٍ كريمةٍ من رجلَين في "هيئة المباركين" التي تُمثِّل ظِلًّا لجلوةٍ صغيرةٍ للشخصية المعنوية لساداتنا أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، وهم الذين من المحال بلوغ شأوهم أو مُداناة مرتبتهم السامية.
فبِدلالة رسائل النور التي بلَّغتِ العبدَ الفقيرَ هذا المَظهر القدسي، أرفع خالصَ الحمد والثناء بعدد حروف رسائل النور، وبعدد الموجودات، إلى القدير المطلق الخالق ذي الجلال؛ وأتوجه بالتقدير والشكر والامتنان إلى كل فردٍ من أفراد هيئة المباركين الأفاضل الصفوة، وإلى سائر إخواني.
طالبُكم وخادمُكم
أحمد نظيف
٭ ٭ ٭