لاحقة قسطموني
— 80 —

كلمةٌ للحافظ "علي" حول ما استنبطه من الآية الثالثة والثلاثين المشيرةِ إلى رسائل النور

باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حضرةَ أستاذي العزيز..
في أثناء صلاة المغرب البارحة، وبينما كنتُ في الرَّكعة الثانية أقرأ بعد الفاتحة الآيةَ الكريمةَ العظيمة:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ،
إذْ لاحتْ منها لِنافذة الروح إشارةٌ إلى رسائل النور ومؤلِّفها، ولم أكن فكَّرتُ فيها من قبل، ولا كان في قلبي أو عقلي شيءٌ بخصوصها ولا سببٌ لتحرِّيها؛ فلما فرغتُ من الصلاة تفكَّرتُ في الآية، فوجدتُ فيها مناسَبةً معنويةً قويةً حقًّا، وهي كما يلي:
كما أن القرآنَ العظيمَ الشأن يأتي في مقدمة مُثبتي الوحدانية الإلٰهية في هذا الوجود، إذْ يَعرِضها للجن والإنس والروحانيات عرضًا جليًّا قاطعًا؛ فكذلك رسائلُ النور التي تأتي في هذا الزمان، في المرتبة الثانية أو الثالثة بعد القرآن، فإنها تَعرِض الوحدانيةَ لأنظار الإنس والجان، وتُجلِّيها لهم بصورةٍ واضحةٍ باهرةٍ ماثلةٍ للعِيان، وتُثبِتها بمنتهى التوازُن والاتِّزان، بحُججٍ صادقةٍ مُصدَّقةٍ لا تَطُولُها يدُ النُّكران، وهي في ذلك تُخاطب شتى الطبقات من أدنى العوام إلى أخص الخواص، سواءٌ كانوا من أهل علوم الشريعة أو من أهل علوم الطبيعة، أو كانوا حكامًا أو محكومين، بل تخاطب حتى الجنديَّ في ثُكْنته، والحكيمَ في حِكمته، وهي في هذا الخطاب تُعلِّم وتُربِّي، وهذا أمرٌ مشهودٌ عندنا بلا ريب؛ ولهذا فقد أَورثتْنا هذه الآيةُ الكريمةُ القناعةَ القاطعةَ بأن رسائل النور موضوعٌ من مواضيعها، ومِصداقٌ من مصاديقها.
ثم بعدَ كلمةِ التوحيد الثانية في الآية نفسِها، يَصِف الحقُّ سبحانه ذاتَه بِاسمَين من أسمائه: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وفي هذا إشارةٌ بالدرجة الثانية إلى الشخص المعنويِّ
— 81 —
لرسائل النور، إذْ هي مَظهَرٌ لهذين الاسمَين؛ أجل، أما الإشارةُ فكيفيةٌ لائقةٌ بشأن القرآن العظيمِ الشأن، وأما ظهور هذين الاسمَين في رسائل النور فصادقٌ ومُصدَّقٌ في تَرجُمانها الصابرِ المتحمِّلِ الذي يواجِه مصائبَ أدهى من الموت وأَمَرّ، حفاظًا على عزة العلم رغم الفقر وقلةِ ذات اليد، خلافًا لما هو معهودٌ في أنحاء الدنيا؛ وصادقٌ ومُصدَّقٌ كذلك في رسائل النور التي تَكشِف بحكمةٍ عن مغزى الأفعال والتصرفات في الأرض والسماوات.
وثمة أَمارةٌ تؤيد هذه المناسَبةَ المعنويةَ القوية، وهو أن المقام الجِفْريَّ لكلمة: وَأُولُو الْعِلْمِ يساوي مئتين وأربعَ عشر، وهو ما يتوافق توافُقًا تامًّا مع مقام اسمِ رسائل النور: "بديع الزمان"، إذْ يساوي كذلك مئتَين وأربعة عشر، ويتوافق أيضًا یی بفارقِ واحدٍ یی مع مقام الاسم الحقيقي والدائم لمؤلِّفها: "مُلَّا سعيد"، إذْ يساوي مئتين وخمسة عشر؛ فلا ريب أن هذه الكلمة القدسية مثلما هي ناظرةٌ إلى كلِّ عصر، فإن ما ذُكِر أمارةٌ على أن رسائل النور فردٌ من أفرادِ مَحَطِّ نظرها في هذا العصر.
وكذلك جملة: وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ، فإن مقامها یی بدون حُسبان الهمزة والواوِ الثانية غيرِ المقروءتَين یی يساوي ستَّمئةٍ وواحدًا، ومقامَ "رسائل النور" يساوي خمسَمئةٍ وتسعةً وتسعين، فبينهما تَوافُقٌ بفارقِ اثنين.
أما المقام الجِفْرِيُّ والأبجديُّ لجملة التوحيد القدسية: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، فيساوي ألفًا وثلاثَمئةٍ وستين، (حاشية): لا تُحسَب أَلِفا الوصل غيرُ المقروءتَين. وهو ما يتوافق ويتطابق تمامًا مع تاريخنا الآن، ومع هذه السَّنة من هذا الزمان الغريب، زمانِ الكفران والإلحاد والغَلَيان، في هذا العصر العجيب، عصرِ التمرد والعصيان والطغيان!!
ولا ريب أن هذا التوافق أمارةٌ قويةٌ تقول: إن التوحيد العظيم، والشهادة الواسعة العامة، اللذَين تَحَدَّثتْ عنهما هذه الآية، لهما مصاديقُ وأفرادٌ مُهِمةٌ مَحَطُّ نظرٍ ستوجد
— 82 —
في هذا الوقت من هذا العصر، إذْ هو محتاجٌ إلى هذه الشهادة أكثرَ من أيِّ زمانٍ آخَر؛ وثمة الكثير من الأمارات والإشارات والبِشارات بأن رسائل النور التي تُثبِت اليوم شهادةَ التوحيد بأبلغ صورة، هي فردٌ من أفراد هذه الآية، وأنها محلُّ نظرٍ خصوصي.
الله أعلم بالصواب ٭ والعلم عند الله
﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾
من طلاب رسائل النور
الحافظ علي
٭ ٭ ٭