— 75 —
نظرتُ في هذه الأيام إلى توافقات "التفسير" و"الكلمة العاشرة"، فقلت لنفسي: هذه التفاصيل الزائدة إسراف، وإن المسائل المهمة كثيرة، فلا ينبغي إضاعة الوقت؛ فوَرَدَ على الفور إخطارٌ يقول: إن وراء هذا التوافق مسألةً في غاية الأهمية، ثم ما دام قد ظَهَرَ في التوافق عنايةٌ خاصةٌ برسائل النور والتفاتٌ رحمانِيٌّ تُجاهها، فلا إسراف في مقابلةِ هذا التوافق بمشاعر الشكر والامتنان، والسرور المُفعَمِ بالشُّكران، مهما بولِغَ فيها. وسأبيِّن مُجمَل هذا الإخطار بجهتَين:
الأُولى: وجودُ جَلوةِ قصدٍ وإرادةٍ في كلِّ شيءٍ، مهما كان جزئيًّا، وانتفاءُ التصادف بحقيقته.
نعم، إن أوسعَ مجالٍ لشَتاتِ الكثرة، وأكثرَ ما يمكن أن يُحالَ على التصادف، هو أوضاعُ الحروف في الكلمات، لا سيما في الكتابة، فما دام يوجد تَناسُبٌ ونظامٌ في أوضاع الحروف التي لا مناسَبة بينها ولا يد للاختيار البشري فيها، فلا بد أن وراءَها إرادةً غيبيةً تمنحها هذه الأوضاع.
وكما أنه لا شيء خارجَ دائرةِ علمِ الله وقدرته سبحانه، فكذلك لا شيء خارج دائرة إرادته ومشيئته، فما من جزئيٍّ ولا شَتاتٍ إلا وهو مراعًى بتناسُبٍ ما، ومنظَّمٌ بتنظيمٍ ما؛ ولقد شوهِد یی في ضمنِ هذا التنظيم، وفي ضمنِ جَلوةِ الإرادة العامة یی شوهِد لرسائل النور توجُّهٌ والتفاتٌ خصوصيٌّ في صورةِ عنايةٍ خاصةٍ كأنه نوعُ امتيازٍ لها؛ ولقد أَمعنتُ النظر في توافقات "تفسير إشارات الإعجاز" لأشاهد هذه المسألة الدقيقة، فتبيَّنتُ ذلك السرَّ وشعرتُ به بيقينٍ قاطع.
الثانية: لو أن شخصًا جليلَ القدر، عظيمَ البركة والطُّهر، أراد أن يُحسِن إلى شخصٍ في غاية الحاجة والفقر، فأعدَّ له هديةً كريمةً لَفَّها بورقٍ زاهٍ جميل، وجعلها في صندوقٍ جميل، وقدَّمها إليه محمَّلةً من معاني اللطف والعناية ما يفوق حُسبانَه، فكيف يكون شأنُ هذا المسكين الفقير إزاء ذلك المحسن الكبير؟ لا ريب أنْ سيشكره شكرًا يفوق هديتَه أضعافًا مضاعفة، إذِ الالتفاتُ الذي أبداه في هديته يَفوق قيمةَ الهدية نفسِها أضعافًا مضاعفة، فمهما بالَغَ الفقيرُ وأسرف في الشكر فليس مَلومًا ولا مؤاخَذًا؛ بل لا غرابةَ ولا إسرافَ لو تَبَرَّك بالورق الذي لَفَّ به ذلك المبارَكُ هديتَه، أو بالصندوق الذي وضعها فيه.
— 76 —
والأمر كذلك بعينه في رسائل النور، فإن التفات الإرادةِ العامةِ والعنايةِ الخاصةِ قد أُحسِن به في وجهِ رسائلِ النور بظرف التوافُق، فلا عَجَبَ أن تكون التفصيلات والتصويرات المتعلقةُ بالتوافق نوعًا من الشكرِ الفعلي، ورشحاتِ سرورٍ وامتنانٍ جَيَّاشةً، فلا مؤاخذة في ذلك.. أجل، فلو عَبَّر شخصٌ جليلٌ عن التفاتِه بعطيةٍ من أربعين درهمًا، فقوبل على ذلك بأربعين ألف شكرٍ، ما كان ذلك إسرافًا.
المسألة الثانية:
أني بعد انقضاء الأشهر الحُرُم كنتُ أرى في نفسي وفي مَن حولي من طلاب رسائل النور إرهاقًا وفتورًا في العزيمة، ولم أكن أعرف لذلك سببًا واضحًا، لكنْ تَبيَّن ليَ اليومَ أن السببَ الظنيَّ الذي ذكرتُه لكم يومَها كان حقيقةً، وبيانُ ذلك أنه كما أن الجوَّ الماديَّ إن كان سيئًا كان له تأثيرٌ سيِّئ، فكذلك الجو المعنويُّ إذا فسد أَورثَ كلَّ شخصٍ اضطرابًا، كلٌّ بحسب استعداده.
وإنَّ تَنَوُّرَ عمومِ أهل الإيمان في الشهور الثلاثة والأشهر الحُرُم، وعُلُوَّ هِمَّهتم فيها، وتوجُّهَهم فيها إلى مَكاسِب الآخرة وتجارتها، يُصفِّي الجوَّ المعنويَّ لعالَم الإسلام وينقِّيه ويُجمِّله، ويَصُدُّ ما يعرِض له من عوارض وعواصِف رهيبة، وبذلك يستفيد كلُّ شخصٍ من هذه الأجواء وفي ظلِّها كلٌّ بحسب درجته.
ولكنْ ما إن تنقضي هذه الشهور المباركة حتى يبدو وكأن سوقَ التجارة الأُخروية ومَعرِضَها قد تبدَّل، وشُرِعَ بافتتاح مَعرِض الدنيا، فيعتري معظمَ الهِمم شيءٌ من التحوُّل، وتتصاعد البخاراتُ المزخرَفةُ المسمِّمةُ للأجواء فتُفسِد ذلك الجوَّ المعنوي، فيتضرر الجميعُ كلٌّ بحسب درجته.
وإن سبيل النجاة من هذا الضرر هو النظر بمنظار رسائل النور، والتحرُّك بمزيدِ جِدٍّ وعزمٍ في الوظيفة القدسية مهما تَزايدتِ المشاكل والأعباء، لأن فتورَ الآخرين وتخاذُلَهم مَدعاةٌ لأهل الهمة لزيادة الاجتهاد والعزيمة، فإنهم يرون أنفسَهم مكلَّفين بسدِّ نقص المقصِّرين، وهذا هو ما ينبغي لهم.
٭ ٭ ٭
— 77 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ توافُقات الكلماتِ وحروفاتِها في كتاب الكائنات
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الكرام..
لَم تُحدِّثوني عن أوضاع "مَصنعَي النور والوَرْد"، ولم تخبروني بأحوالهما في هذا الزمان العجيب، مع أنهما أكثر ما يَعنيني في هذه الدنيا!! على أية حال، لقد أرسلنا إليكم هذه المرة لطيفةً من اللطائف التوافُقية التي هي من نوعِ فاكهةِ الحقائق، وهي مما يُحفِّز طلابَ رسائل النور ويُشجِّعهم، وقد أُرسِلتْ بسبب "فيضي" وبطلبه.
(حاشية): هذا التوسُّع والإفراط في الاشتغال بی"التوافُق" ليس عبثًا ولا اشتغالًا بما لا يَلزم، إذْ يقوم به "سعيد" في جهاده وتَصدِّيه للجنايات المروِّعة التي ارتكبها الملاحدة الذين بدَّلوا الحروف القرآنية وغيَّروها وحرَّفوها بالترجمة.
ومُفادُها أني ذاتَ يومٍ لم يكن لديَّ اشتغالٌ بالتصحيح، فورد على خاطري الخطأُ والسهو الذي وقع مني بخصوص تَوافُق "التاء" في "إشارات الإعجاز"، فطلبتُ كفَّارةً للذنوب، فذكرتُ أن حرف "الألف" في أول لفظ الجلالة قد أظهر أوضاعًا ذاتَ كرامةٍ سواءٌ في "إشارات الإعجاز" الذي هو نواةٌ أصليةٌ لرسائل النور وفهرسٌ يُلَخِّصُها، أو في سائر الرسائل كذلك، فتساءلتُ: ما الوضعيةُ التي يُظهِرها أيضًا حرفا "اللام" و"الهاء" من لفظ الجلالة؟ فأحصَيتُ أوائلَ الأسطر ونهاياتِها في جميعِ صفحاتِ "إشارات الإعجاز" من أوله إلى آخره، فوجدتُ وَضْعَ "اللام" و"الهاء" ذا كرامةٍ كی"الألِف"، فعسى هذا أن يكون یی إن شاء الله یی كفارةً صغيرةً لنقائصي وأخطائي الواقعةِ من السهو في التوافق.
وقد كتبنا إليكم في الرسالة السابقة أنَّا وجدنا إشارةً وإلماحةً وأمارةً على أن مجموعَ سائرِ الحروف في "إشارات الإعجاز" لها وضعٌ عجيبٌ مهمٌّ على نحوٍ
— 78 —
مختلف، غير أن مشاهدة هذا السِّرِّ الواسع بتمامه تحتاج إلى زمانٍ كثير، ولا تسمح الوظائفُ الجليلةُ الحاليةُ بالاشتغال به.
إخواني الأعزاء.. إن مثل هذه التَّفَكُّهات العلمية تُرَوِّح عن العقل والقلب، وتُدخِل عليهما البهجة في ظرفِ الشدة والضيق في هذا الزمان العصيب، فلا تعدُّوها إسرافًا؛ وإن حُسْنَ النية كيمياءُ عجيبةٌ تُحوِّل الزجاجَ إلى ألماسٍ وتُحيل الترابَ تِبْرًا، فعسى بحُسْنِ النية أن تصبحَ هذه التفكُّهات مفتاحًا لمستودعِ غذاءٍ حقيقي، وتَفتحَ لمن ضَعُفوا في الخدمة طريقًا إلى القُوْت والقوة بإذن الله.
حرف الهاء، وهو آخر حرفٍ في لفظ الجلالة، وَرَدَ خمسًا وثمانين مرةً بقدر ورود الألف أولِ حروف لفظ الجلالة، وهو ما يوافق عددَ جملة: "الله واحد" بفارقِ واحدٍ ذي مغزى، فهو يقول بلسان التوافُق: "الله واحد".
يتوافق ورودُ "الهاء" مفردةً بالعموم وبالتقريب خمسًا وثمانين مرةً، إذْ قد تفصل بينها صحيفةٌ في بعض الأحيان؛ أما ورود هاءَين فيتوافق بالأكثرية المطلقة اثنين وأربعين مرة؛ ووردتْ ثلاثُ هاءاتٍ خمسًا وعشرين مرةً، وقع التوافق في أكثرها.
أما حرف "الباء"، ثاني حروف الهجاء، وأولُ حروف القرآن والبسملة، فتَوافَقَ مفردًا خمسًا وثمانين مرةً كذلك، فهو يقول: "الله واحد"؛ أما ورود باءَين فتَوافَقَ ثلاثًا وأربعين مرة، وهو ما يُوافق نظيرَه في "الهاء" أيضًا بفارقِ واحد؛ وتوافقتْ ثلاثُ باءاتٍ سبعًا وعشرين مرة، وهو ما يوافق نظيرَه في الهاء أيضًا بفارقِ اثنين.
وتَوافَقتْ خمسُ تاءاتٍ ثلاثًا وعشرين مرة، وهو ما يوافق عددَ الثلاث هاءاتٍ بفارقِ اثنين؛ وتوافقتْ ستُّ تاءاتٍ خمسَ عشْرة مرة، وهو نفسُ تَوافُق أربع واوات؛ وقد تَوافقتْ ستُّ واواتٍ ستًّا وعشرين أو سبعًا وعشرين مرة؛ أما تَوافُق خمسِ واواتٍ فوقع خمسًا وعشرين مرة، وهو ما يوافق مقدارَ توافق الستِّ واواتٍ بفارقِ واحدٍ أو اثنين.
أما تَوافُق ستِّ ألِفاتٍ فوقع ثماني مرات، وكذلك تَوافُق خمسِ ألِفاتٍ فقد وقع ثماني مراتٍ كذلك، فبينهما توافقٌ تام.
— 79 —
والحاصل أن ورود خمس هاءاتٍ مع ورود الاسم المقدَّس "هو" ستَّ مراتٍ أظهر أوضاعًا ذاتَ كرامة.
أما "اللام" الحرفُ الأوسطُ في لفظ الجلالة، فوَرَد مفردًا خمسًا وسبعين مرةً بنحو ورود حرفِها الأول"الألِف"، وكان متوافقًا في العموم تقريبًا، وهو ما يوافق عددَ جملة "هو الله" بفارقِ ثلاثة، فهو يقول بلسان التوافق: "هو الله".
أما ورود لامَين فكان خمسًا وستين مرةً تَوافقتْ بأكثريةٍ مطلقة، وهو ما يساوي عدد كلمة "الله" بلا فارقٍ أو بفارقِ اثنين، فهو يقول: "الله" ويذكره بلسان التوافق.
وأما ورود ثلاثِ لاماتٍ فكان ثلاثًا وثلاثين مرةً تَوافَق أكثرُها، وهو ما يتوافق مع ذلك العدد المبارك، ويتوافق مع المقام الجِفريِّ للَّام بفارقِ ثلاثةٍ، كما يتوافق مع عدد جملة "واحدٌ أحد" بفارقِ واحدٍ، فهو يقول جازمًا بلسان التوافُق: "واحدٌ أحد".
وأما ورود أربع لاماتٍ متوافقةً فكان ثماني عشرة مرة، وهو ما يوافق عددَ كلمةِ: "واحد" بفارقِ واحدٍ ذي مغزى، إذْ تُساوي تسعةَ عشَر، فهو يقول: "واحد" ويُعلِن التوحيد؛ وإن مجموع هذا العدد الرباعي مع العدد الثنائي يقول بلسان التوافق: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ، بفارقِ اثنين فقط.
هذا وإن النِّسَبَ العدديةَ المنتظمة، والمناسباتِ التوافقيةَ ذاتَ المغزى، كوقوع مرات التوافق: خمسًا وثمانين، وخمسًا وسبعين، وخمسًا وستين، وكوقوع التوافق في المفرد خمسًا وثمانين، ونزولِه في الثنائي إلى نصفه، أي أربعين، وفي الثلاثي إلى نصفه أي عشرين، (حاشية): وَرَدتْ كلمةُ "حمزة" في الحاشية الثانية بآخِر الصفحة الثانية والثمانين، وآخِرُ هذه الكلمة: تاء. وكالتوافُق الجاري بين هذه التوافقات، وكتعبيرها عن لمعات لفظ الجلالة وكلمة التوحيد.. كلُّ ذلك أورثَنا قناعةً بأنه ليس مصادفةً، بل هو تنظيمٌ وتوفيقٌ علامةً على القبول.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭