لاحقة قسطموني
— 46 —

كلمةٌ لی"أحمد نظيف"

أستاذي الجليل..
إن رسائل النور القدسية التي جادت بها العنايةُ الربانيةُ والرحمةُ الإلٰهيةُ على الفقر والعجز في شخصيتكم السامية، تُزيح ما رانَ على قلوبنا من غِشاوة، وتُنفِذُ إليها أنوارَ إعجازِ القرآنِ ساطعةً كالشمس؛ وتَخدُم المؤمنين الضعفاء الذين انقطعتْ بهم سُبُل النجاة وأشرفوا على الضلالة، فتُبْرِزُ لهم الحقائقَ الدينيةَ والإيمانية، لتُخرِجَهم إلى برِّ السلامة، وتَسلُكَ بهم سبيلَ الخلاص والهداية؛ فحقيقٌ بها أن تُسمَّى مرشِدًا، وأن توصف بأنها الإمام الذي يحتاجُه هذا الزمان.
وبناءً على هذا، فإنكم بكونكم تَرجُمانًا للقرآن ودَلَّالًا له، وبوصفكم مؤلِّفَ رسائل النور وخادمَها الأول، وبخدمتكم المعنوية التي أديتموها كجنديٍّ عاجزٍ فقير، رُقِّيتم إلى رتبة المشيرية العالية، ونِلتم أهليةَ الفيض والمدد، بحيث إن ذا الجلال سبحانه، وهو العالِم المطلق، والحاكمُ المطلق، والقادرُ المطلق، أقامكم في هذه الوظيفة القدسية العالية، وكلَّفكم بها دلَّالًا رفيعَ القدر عاليَ القيمة جزيلَ الفيض والفضل، وهذا من فضل ربي؛ وله الحمد سبحانه على عظيمِ لطفه وكرمِه وإرشادِه وهدايتِه لنا نحن العاجزين العصاة المذنبين، إذْ أكرَمَنا بكم يا أستاذَنا دليلًا ومرشدًا ووسيلةً، فما أعظمها من نعمةٍ أبديةٍ نَعجِز عن أداء شكرِها!
نعم يا أستاذي.. وأما تلك الكلمة الحقيقية والتسمية الشريفة المباركة، فأَعلمُ أنه لا يناسب إيرادُها في موضعٍ غيرِ رسالة أخينا العزيز وشريكِنا ورفيقِنا المهم في الخدمة القرآنية "خسرو الصغير محمد فيضي"، وليس من حدي إطلاق هذا الاسم الشريف المبارك على رسائل النور ظاهرًا، بل ما زلتُ حَذِرًا من استعماله، لأنه إذا لم يأذن أستاذي بهذا اللقب أو يسمح به فليس له قيمة.
إلا أنه بناءً على الإلهام الذي تلقيتُه من رسائل النور، فإن ما ذُكر في مكتوب "فيضي" المقدَّمِ عندنا، إنما تولد من محضِ حُسْن النية وشدة الارتباط والوفاء والإخلاص.
— 47 —
ولقد أسِفتُ كثيرًا لما سببتُ لكم من عناءٍ جراء خطأ الإظهار هذا، فأرجو منكم العفو، وكان عتابُكم لي نعمةً نبَّهتْني وهِمةً أَرشَدَتْني، فألتمس بكمال الخلوص جِوارًا من الصفعات المعنوية لرسائل النور.
أستاذي العزيزَ الموقَّر..
منذ أن نال اللطفُ الإلٰهيُّ خادمَكم هذا، وجاد عليه الحقُّ سبحانه بكرمه وإحسانه، فأقامه في هذه الخدمة القدسية انتسابًا، ذاق حلاوةَ رسائل النور، ورأى الكثيرَ والكثيرَ من كراماتها وبركاتها المادية والمعنوية، أجل، رآها عينَ اليقين، وإنه إذْ يرجو منكم أن تَهَبوا عيوبَه ونواقصَه إلى حُسْنِ نِيَّته وخُلوصِ قلبه، يَعرِض بين يديكم بعضَ الكرامات الكثيرة لرسائل النور المباركة.
فمن ذلك أن عهدي بتَرجُمان رسائل النور ومؤلِّفِها وصاحبِها قديمٌ يعود إلى سنة (١٣٢٤) أو (١٣٢٥) رومية، حيث ظهرتْ مؤلَّفاتُه في إسطنبول باسمه الذي اشتَهَر به، أي "بديع الزمان"، ومنذ ذلك الحين وقع اسمُه المبارك في قلبي موقِعًا، فكنتُ أتتبع ما يُنشَر عنه في الصحف وأنا ابنُ سبعة عشر، فتًى في غِمار الجهل والصِّبا.
وتوطنتْ له في قلبي محبةٌ ومنزلة، حتى كان عام (١٣٢٦)، حيث خرج الأستاذ "بديع الزمان سعيدٌ الكردي" كما عُرِف وقتَها في رحلةٍ إلى منطقة البحر الأسود، وزار خلالها "إينه بولو" يرافقه اثنان من تلامذته، فلما أراد مغادرتَها خرج يشيِّعه إلى الميناء ثُلَّةٌ من أهل العلم، في مقدمتهم العالِم "حاجي ضياء"، فمرُّوا في طريقهم بالسوق حيث صادفتُ هذا الرجل المبارك، فوقفتُ أسلِّم عليه بأعمق مشاعر المحبة، فردَّ عليَّ السلام مبتسمًا بمُحيَّاه النورانِيِّ ونظراتِه الثاقبة، وكنتُ مَظهَر عنايته ونظره المعنوي؛ وقد مضى اليومَ على هذه الحادثة ثلاثون سنة، وذِكراها ماثلةٌ في خاطري، ومحبتي له وارتباطي به في ازدياد.
ثم إني قبل قُرابة سِتِّ سنواتٍ قرأتُ في صحيفةٍ خبَرَ توقيفِ أهلِ الدنيا له توجُّسًا من علاقةِ أهلِ "إسبارطة" الوثيقة به، وخوفًا من تعليمه إياهم الدينَ والإيمان، فأسِفتُ
— 48 —
لذلك كلَّ الأسف، ولم يؤلمني في ثلاثين سنةً خبَرٌ كهذا الخبر، لكني لم أستطع معرفة ما آل إليه أمرُه بعد ذلك.
وكنتُ قد واظبتُ منذ عشرِ سنين على التضرع والدعاء بباب الحضرة الإلٰهية في وقتِ كلِّ صلاة سائلًا المولى سبحانه قائلًا: يا رب.. أَنعِم عليَّ بمرشدٍ كامل؛ إلى أن حصل لي أمرٌ في عام (١٣٥٧) للهجرة، أي في العام (١٩٣٨) ميلادي، حيث كنتُ جالسًا في مقهًى بی"إينه بولو"، إذْ سمعتُ أحدَهم یی وكان مخمورًا یی يتحدث عن شخصٍ بثناءٍ بالغ، ويُخبِر أنه منفيٌّ في "قَسْطَموني"، فأثار انتباهي، فتقصَّيتُ الخبر وتَحقَّقتُ منه، فتبيَّن لي وأنا في حالةٍ من الدهشة أنه "سعيدٌ الكردي" الذي ثَوَى في قلبي منذ ثلاثين سنة، وصرت على مرِّ الأيام أشعر بلهيبِ الشوق يضطرم في قلبي، فقررتُ أنه لا بد من زيارته وتقبيل يديه المباركتَين مهما كانت المخاطر والعقبات، فلما قَدِمتُ لزيارته وجدتُ أنه يُعرَف بی"بديع الزمان سعيد النُّوْرسِي" مؤلِّفِ رسائل النور وصاحِبِها، فعانقتُه بمنتهى الحب والإخلاص، وقلت: إن مرشدي ودليلي وأستاذي الجليل الأوحد هو رسائل النور، وهذا من فضل ربي، إذْ أنعم عليَّ بإحسانٍ وهدايةٍ وعنايةٍ لا تُقدَّر بقدَر، فله الحمد والشكر بعدد حروف القرآن الحكيم.
(حاشية): نعم، فكما أن بعض أهل الولاية يُكشَف لهم یی كرامةً بالحِسِّ قبل الوقوع یی عمَّن سيكونون طلابَهم قبل مجيئهم إلى الدنيا؛ فإن ثمة ثلةً من طلبةِ رسائل النور ذوي الشأن، شعروا منذ زمنٍ بعيدٍ یی بحِسٍّ قبل الوقوع یی أنهم سيَخدُمون نورًا في المستقبل بصورةٍ لها علاقةٌ بی"سعيد"، وها هو "نظيف" أحدُ هؤلاء.
وإني لَأعترف أني منذ أن انتسبتُ إلى رسائل النور، وجدتُ التغيُّرات الإيجابية الكبيرة، والبركاتِ الجَمَّة الكثيرة، سواءٌ في أعمالي وتجارتي وأرباحي المادية والدنيوية، أو في شؤوني الشخصية والخصوصية، وجدتُ من ذلك ما لم أجده قبلَ انتسابي إلى رسائل النور؛ وإني مِن بَعدِها أعيش بحمد الله في صحةٍ وعافيةٍ وسعادة، وتمضي حياتُنا في يُسرٍ وهَناءٍ وفرحٍ وسرورٍ لا تعرفه حياةُ أكبَرِ تاجرٍ أو أسعدِ ثري؛ كما أعترف وأؤكد أني مَدينٌ لألطافِ رسائل النور وكراماتِها القدسية.
— 49 —
ولقد حصل طَوالَ مدةِ هذه الحرب التي دارتْ رحاها بين الألمان والإنكليز، أنْ لَفَّق عددٌ لا يحصى من الزنادقة والمنافقين اتهاماتٍ وأكاذيبَ بحقي، روَّجوها بين أبناء مدينتي، وادَّعَوا فيها أن "نظيفًا" معارضٌ سياسي يؤيد مشروع الاتحاد الإسلامي ويدعو إليه، ووصفوني بأني "ألمانِيُّ الهوى" إهانةً وتحقيرًا، وباستثناءِ ثُلةٍ من أصحابي المقرَّبين، فقد انطلتْ هذه الأكاذيب على كثيرين، سواءٌ كانوا من أهل العلم والفكر النيِّر، أو كانوا من الملحدين الجَهَلة، حتى وصَلَتْ إلى شخصياتٍ كبيرةٍ في الحكومة، ونَشَطَتْ جواسيسُ الشياطين ومُخبِروها، وكانت الغايةُ من وراء ذلك كلِّه تحريضَ الناس علي، ليَنفِروا من الخدمة القدسية التي أقوم بها.. والحالُ أني شخصٌ قد عَرَف عُلُوَّ الحقائق الإيمانية والقرآنية ونزاهتَها، بل رآها يقينًا أسمى من الكون بأسره، أجل، عَرَفتُ ذلك وتَيَقَّنتُه بإرشادِ رسائل النور ولله الحمد، وحُقَّ لمن عَرَفها أن يترفَّع عن اتخاذها أداةً لتياراتٍ دنيوية، بل لستُ أرضى أن أستبدل بها مُلْكَ الدنيا بأسرِها لو أوتيتُه.. فأنا لستُ سوى خادمٍ لرسائل النور، هَمُّه الحقيقةُ والإيمان والقرآن؛ وإني بالرغم من هذه الهجمات المتواصلة عليَّ منذ سنين، فقد شاهدتُ أثرَين من آثار العناية:
أحدُهما: أننا وُفِّقنا في نشر رسائل النور توفيقًا فوق المأمول، من غير أن يصيب هذه الخدمةَ أيُّ ضرر.
والآخَر: أنه كلما كانت رسائل النور على وشك تلقي هجومٍ شديد، كنا نتلقى من أستاذنا أمرًا بالاحتياط والحذر.
وأذكر هنا كرامةً من كرامات رسائل النور الجَليَّة، وقعتْ في العاشر أو الحادي عشر من شهر رمضان المبارك، من عام ألفٍ وثلاثِمئةٍ وتسعةٍ وخمسين للهجرة، حيث كان أخونا "خطيب محمد رحمه الله" يَنسخ "رسالة الشيوخ"، ثم لم يستطع إكمالها لمرضه، فكان آخرُ ما كَتب كلمةَ التوحيد: لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وطلب من أخينا "فيضي محمد" الذي جاء يَعوده إكمالَ النَّسْخ، ثم وَدَّع الدنيا مغادرًا إلى حياته الأبدية، فكانت هذه الكلمة الطيبة الخاتَمَ الذي خَتَم به صحيفةَ حياته، ودخل بها قبرَه.
— 50 —
وفضلًا عن أن هذه الحادثة كرامةٌ ساطعة، فإنها كذلك بشارةٌ باهرةٌ تُصدِّق البشاراتِ الواردةَ في "الإشارات القرآنية"، في إشارةِ الآية السادسة والعشرين: فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ، من أن طلاب رسائل النور يَدخلون القبر بالإيمان؛ وأرجو يا أستاذي العزيز یی إن رأيتم الأمر مناسبًا یی أن تُدرَج هذه البشارة حاشيةً في "الإشارات القرآنية" لتكون بشارةً لجميع إخواننا تَعرِض بعينِ اليقين الدرجةَ العُلْويةَ لرسائل النور، والمكافأةَ الكريمةَ التي يُكافأ بها خَدَمُ رسائل النور.
من طلاب رسائل النور
أحمد نظيف چلبي
٭ ٭ ٭
كلمةٌ من طالب النور الفعَّال "أحمد نظيف چلبي" فيها بعضُ استنباطاته
وقد ارتُؤِيَ إدراجُها في "المكتوب السابع والعشرين"، وفي "الشعاع الأول"، في إشارةِ الآية الثانية والثلاثين؛ وهذا نصُّها:
استمعتُ من أحد الحفاظ إلى الآياتِ التاليةِ من سورة الأحزاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ٭ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ٭ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ٭ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ٭ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ٭ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا
صدق الله العظيم.
فشعرتُ أن في هذه الآيات إيماءً ورمزًا، بل إشارةً، إلى رسائل النور.
أجل، إذْ ما دامت هذه الآياتُ وأمثالُها من الآياتِ الناظرةِ إلى وظيفة الرسالة والدعوة متوجهةً إلى كل عصر، ولها في كل عصرٍ أفرادٌ ومَصاديق..
— 51 —
وما دامت الصفاتُ التي وُصِف بها الرسول الأكرم (ص) في هذه الآيات جاريةً في كل زمانٍ، حاكمةً في كلِّ عصر؛ وكانت بمعناها الرمزيِّ تَشمَل كلَّ مَن يؤدي الوظيفة المذكورة، سواءٌ كانوا أشخاصًا، أو مؤلَّفاتٍ كرسائل النور، إذْ إن دخولهم في مشمولات الآيات من شأن الإعجاز المعنوي للقرآن، بل من مقتضاه ولازمِه..
وما دامت رسائلُ النور فردًا من أفراد معنى هذه الآيات، وكانت تؤدي الوظيفةَ التي أشارتْ إليها أداءً فَذًّا في هذا العصر العجيب..
فإنه يمكننا القول بناءً على أماراتٍ عديدةٍ وقرائنَ خَفِيَّة: إن هذه الآيات تَنظُر بمعناها الإشاريِّ إلى رسائل النور كما هي حال الآيات الإحدى والثلاثين المذكورة في "الشعاع الأول"؛ وفيما يلي بيانُ ذلك:
إن جملة: لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تقول بمعناها الإشاري: إنها تَنظر إلى عصرنا، وتومئ إلى لَمعةٍ قرآنيةٍ هي مَظهرٌ لِاسمَي النور والرحيم، إذْ هي من حيث اسمُها: نور، ومن حيث معناها: رحمة، ظهرتْ لتخرجكم يا أهل الإيمان من أحلكِ ظلمةٍ خيَّمتْ عليكم، ومن أفدح ظلمٍ غاشمٍ امتد حتى العام (١٣٧٠ هی)، لتخرجكم من هذا الظُّلم والظُّلمة إلى أنوار القرآن والإيمان.
وفضلًا عن مطابقتها هذا المعنى، فإن لها أمارةً وقرينةً، هي جملةُ: إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا، فإن مقامَها الجِفْرِيَّ يساوي یی بحُسبان الشَّدة والتنوين یی تسعَمئةٍ وسبعةً وأربعين، وهو ما يطابق المقامَ الجِفْرِيَّ لاسم رسالة النور.
أما جملة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، فإنها بدون حُسبان الشَّدَّات، وبالوقف على التنوين في آخرها وحُسبانِه ألِفًا، تُظهِر بمقامها الجِفْرِيِّ تاريخَ العام ألفٍ وثلاثِمئةٍ وثلاثةٍ وعشرين، وهو العام الذي شَهِد بدايةَ التصدُّع بانقلابٍ مروِّعٍ في مركز الخلافة، وبهذا فالجملةُ تُبشِّر أهل الإيمان الذين أصابهم من ذلك أسًى ويأس، وتشير إلى شاهدٍ حقيقيٍّ يَشهَد لحَقَّانية الإسلام وقوَّته، ويدعو إليه مِن موقع وِراثة النبوة.
— 52 —
أما جملة: وَنَذِيرًا ٭ وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ ، فإنها بحُسبان التنوين تُظهِر بمقامها الجِفْرِيِّ تاريخَ العام ألفٍ ومئتين وستةٍ وخمسين، وهي بذلك تَنظر إلى ما جرى قبل قرنٍ من الزمان، حيث ظهرت المقدِّمات التي أفضتْ إلى خسوف شمس الإسلام في هذا العصر؛ ثم إن عبارة وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ التي تساوي مئةً وواحدًا وتسعين تتوافق وتتطابق تمامًا مع المقام الجِفْرِيِّ لكلمة "بديع الزمان" التي هي اسمٌ حقيقيٌّ لرسائل النور، وبذلك تومئ إلى أن رسائل النور هي "داعٍ إلى الله" في قلب ذلك الخسوف.
(حاشية-١): بالإضافة إلى أن بَين عبارة وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وبين كلمة "بديع الزمان" تَوافُقًا تامًّا في المقام الجِفريِّ وتطابقًا تامًّا في المعنى، إذِ الأخيرة اسمٌ من أسماء رسائل النور؛ فإن كلمة وَدَاعِيًا تُوافِق اسمَ "سعيد" تَرجُمان رسائل النور بفارق ثلاثةٍ فقط، فإن العين والياء والدال متكررةٌ فيهما، أما مجموع التنوين والألف والواو فيساوي سبعةً وخمسين، فبَينه وبين السين فارقُ ثلاثةٍ فقط؛ كَتَبه "تحسين" المعروف بی"عبد الرحمن الصغير"، من طلاب رسائل النور.
أما جملة: بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا،
(حاشية-٢): المقام الجِفريُّ لجملة: بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا يساوي ألفًا وثلاثَمئةٍ وثلاثين، وهذا يوافق تاريخَ ظهورِ تفسيرِ "إشارات الإعجاز" الذي هو فاتحة رسائل النور؛ فإن حُسِبت الياء الملفوظة بعد هاء الصلة في كلمة بِإِذْنِهِ كان المقام ألفًا وثلاثَمئةٍ وأربعين، وهو ما يطابق تاريخَ ظهور رسائل النور؛ وإن حُسِب التنوين الأول نونًا لعدم الوقف عليه فالمقام ألفٌ وثلاثُمئةٍ وثمانون، وهو بذلك رمزٌ قرآنيٌّ إلى أن رسائل النور ستكون بهذا التاريخ سراجَ نورٍ يضيء الأرضَ إن شاء الله؛ "تحسين".
فإن عبارة: وَسِرَاجًا مُنِيرًا تَنظر إلى اسمٍ من أخصِّ أسماء رسائل النور، وهو "سراج النور"، فهي تنظر إليه بتوافقٍ لفظًا ومعنًى وجِفْرًا، فالميم والياء في كلمة مُنِيرًا تقابلان النونَ المشددةَ في كلمة "النُّور"؛ نعم، يمكننا القول بدون تردد: إن تسمية الإمام عليٍّ رسائلَ النور في كرامته الغيبية بی"سراج النور" مُلهَمةٌ من هذه الجملة من الآية.
وأما جملة: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فتُظهِر بمقامها الجِفْرِيِّ یی بحُسبان الشَّدات یی تاريخَ ألفٍ وثلاثِمئةٍ وتسعةٍ وخمسين، وهي بذلك تُخبر بمعناها الرمزي عن إحسانٍ عظيمٍ ينال أهلَ الإيمان في السَّنة المذكورة، ونحن ننظر فلا نرى إحسانًا
— 53 —
في هذا الزمان أعظمَ من إنقاذ الإيمان، ونرى رسائلَ النور في مقدمة مَن يُنقذ الإيمان بساطعِ البرهان، فهي إذًا "فضلٌ كبيرٌ" بالنسبة إلى هذا الزمان.
ومما يقوي هذه الإشارةَ كلمةُ: فَضْلًا بعدَها، فإن مقامها الجِفريَّ تسعُمئةٍ وستون، وهو يوافق المقامَ الجِفريَّ لجملة "رسالة نوريه" التي هي الصيغة التوصيفية لجملة "رسائل النور"، فإنه يوافقه بفارق اثنين، وبذلك يشير إليها رمزًا وإيماءً.
فاللهم احفظ رسائلَ النور، ومؤلِّفَها أستاذَنا سعيدًا النُّورسِيّ، وطلابَها ومنتسبيها.. احفظهم يا ربِّ بحفظك الأمين، واجعلهم في حصنك الحصين، آمين.
اللهم ثبِّتهم على الإيمان وخدمة القرآن دائمًا، آمين.
اللهم أحسِن إليهم بالعون والتوفيق والتأييد في خدمتهم القدسية هذه، آمين.
اللهم اجعلهم مَظهَرَ السِّرِّ الأعظم للقرآن المعجزِ البيانِ العظيمِ الشأن؛ ومَظهَر السِّرِّ القدسي لمعرفةِ الله ومحبةِ الله ومحبةِ رسول الله؛ ومَظهَر السِّرِّ العظيم لی "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛" ومَظهَرَ رضوانِ الله ولطفِه وإحسانِه ورؤيةِ جماله.. آمين يا ربَّ العالمين.
وصَلِّ اللهم على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وأهلِ بيته أجمعين الطيبين الطاهرين آمين بحرمة سيد المرسلين والحمد لله رب العالمين
كتبه العبد العاجز الفقير المُذنب
طالبُكم وخادمُكم من "إينه بولو"
أحمد نظيف چلبي
٭ ٭ ٭
— 54 —
باسمه سبحانه .. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
حضرةَ أستاذي العزيزَ المبجَّل، الشفيقَ المضحِّي الموقَّر..
تسلَّمتُ رسالتكم القَيِّمة التي تَفوق قيمتُها نفائسَ المجوهرات، بل لا تكافئها زينةُ هذه الحياةِ الدنيا الفانيةِ بأسرِها.. تسلَّمتُها من البريد مساءَ الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك، قبل الإفطار بعشر دقائق، فزادتْني فرحًا على فرح، أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، الحمد لله، هذا من فضل ربي.
لقد كنتُ أترقَّب بخشيةٍ وصولَ لومٍ وعتابٍ من أستاذي العزيز على ما وقع مني من انشغالٍ بالفضول والسَّفْساف، ومن إقدامي على تلقي بعضِ الهدايا من الأخ "زكريا" لتقديمها إليكم بغير إذنٍ منكم، فلما تسلَّمتُ رسالتَكم من موظفِ البريد فتحتُها على الفور، فوقعت عيناي على خطكم الكريم الجميل المحبَّب الذي بدا كأنه يقول لي مبتسمًا: لا تخف؛ فلم أستطع قراءتها لشدة سروري، فهُرِعتُ إلى البيت لأقرأها أثناء الإفطار.
أستاذي الحبيبَ الشفيق..
وَرَدَتْ على خاطري بشاراتُ "محيي الدين بن عربي"، وتَذكَّرتُ الشفقةَ الأبويةَ التي أَخبر عنها، فشاهدتُها متحققةً في شخصكم الكريم، فأسأل الله تعالى أن يجزيَكم خير الجزاء، وأن يستعملَنا في خدمتكم وخدمة القرآن بثباتٍ على الدوام، وأن يجعلنا مَظهرًا لدعواتكم المباركة وإشاراتكم القدسية القيمة؛ آمين، بحرمةِ سيدِ المرسلين.
أستاذي الشفيق..
لقد حاز تلميذُكم هذا أيَّما شرفٍ حين صار مَظهَرًا لحُسْن قَبولكم في خدمة
— 55 —
القرآن ونشرِ رسائل النور، والتحق بخدمتكم على ضَعفِه وعَجزِه وفَقرِه وقُصورِ باعِه وقلةِ إمكاناته، فانقلبتْ حياتُه فرحًا وسرورًا لا أستطيع تعريفَه.
ولا أدري بأيِّ صورةٍ أُزجي الحمدَ والشكرَ لله الحقِّ سبحانه، الفياضِ المطلَق، مالكِ كلِّ شيء، والحاكمِ على كلِّ شيء، والقديرِ على كلِّ شيء، الذي يجيب مَن دعاه رغم عصيانه، ويؤتيه سُؤْلَه بالغًا ما بلغ، فقد أحسن إلى عبدٍ خَطَّاءٍ مذنبٍ مثلي، فلبَّى شوقيَ المضطرمَ منذ ثلاثين سنة، وأجاب مناجاتي وضراعتي طَوالَ عشر سنين، فأنعم عليَّ بكم يا أستاذي العزيز، وجعلني مَظهَر كلِّ هذه الأفضال المعنوية والقدسية الجليلة.. فعسى باتصالِ سببي بكم أن يتقبل سبحانه خدمتي المتواضعة، ويتقبل ما أُزجيه له من حمدٍ وشكر.
وإنني برغم استذكاري الدائم لما جاء في "المكتوب الثاني" واجتهادي في امتثالِ أمركم فيه، إلا أني أجدني مَسوقًا بيدٍ غيبيةٍ تحملني على مخالفته، مخالِفًا بذلك قاعدتكم المطَّردة طَوالَ حياتكم بعدم قبول الهدايا بغير مكافأة، على أني أؤكد لكم أن نيتي خالصة، وأن التزامي جادٌّ وارتباطي متين.
وإننا على يقينٍ من أن وجود شخصٍ فاضلٍ نقيٍّ يَخدُم الحقائق الإيمانية، ويدعو أهلَ الضلالة وأهلَ البدعة إلى طريق الحق، ويجتهد في هدايةِ وإرشادِ أمثالنا من الخطَّائين المقصِّرين المذنبين، متجرِّدًا من كلِّ رياء، غيرَ متشوِّفٍ إلى منفعةٍ ماديةٍ، وليس له من وراء ذلك غايةٌ سوى مرضاة الله، ولا نهجٌ سوى كتاب الله.. إنَّ وجود هذا الشخص القدسيِّ ما هو إلا أمانةٌ أَولانا الله تعالى إياها، ووديعةٌ استودعها الله تعالى بلدَنا.
وكما أن ضيفنا العزيز هذا يسعى دائبًا في إعانتنا معنويًّا نحن المقصِّرين الخطَّائين، ويجتهد ليلَ نهارٍ في إرشادنا وتبليغنا مغفرةَ الله ورضوانَه، فنحن بالمقابل نشعر بأننا مكلَّفون بوظيفةِ خدمةِ هذا الضيف العزيز، والمسارعةِ إلى تلبية حاجاته المادية حبًّا وكرامةً لوجهِ الله لا غير؛ فضلًا عن أن القرآن الحكيم، ونبيَّنا الكريم، يأمُرانِنا قائلَين: وَتَعَاوَنُوا
— 56 —
أرجو المعذرة أستاذي المحترم الحبيب، فأنا أعلم أنكم لا تقبلون الهدايا، ولكنها معاونةٌ كالزكاة والصدقة اضطررتُ للحديث عنها بإلحاحٍ من إخواننا، فضلًا عن أني رأيتُها لازمةً لتلبية حاجاتٍ ضروريةٍ كإيجارِ المنزل وتأمينِ الفحم والحطب.
والحقيقةُ أني دائمًا ما أوصي إخواني وأذكِّرهم بقاعدةِ أستاذنا في عدم التركيز على المنفعة المادية، لأن الدِّين لا يجوز أن يكون أداةً للدنيا، ولا يَقبل أن يكون وسيلةً لاستجلاب المنافع المادية، حتى إني أقلِّد أستاذي العزيز في عدم الدخول تحت مِنَّةِ أحدٍ فيما يتعلق بنشر رسائل النور.
فيا أستاذي الموقَّر الشفيق.. نحن إنما نريد تقديمَ عونٍ ماديٍّ لكم لا بوصفِكم أستاذنا، بل بوصفِكم ضيفًا عزيزًا غريبًا حَلَّ بنا، فأردنا معاونتَه طلبًا لمرضاة الله تعالى لا غير، ونسأله سبحانه أن يتقبل ذلك من غير أن يصيبكم منه أيُّ ضررٍ معنوي.
أستاذي العزيز.. أبعثُ إليكم بتهنئةٍ عساها تقوم مقامَ زيارتكم في هذا العيد، أبعثُها باسمي وباسم جميع إخواني، وباسم عموم طلاب رسائل النور وخَدَمِ القرآن الكريم، فنهنِّئكم بشهر رمضان الكريم، وبليلة القدر المباركة، وبعيد الفطر السعيد؛ ونسأله سبحانه أن يعيد علينا وعليكم هذا الشهرَ الكريمَ مراتٍ ومراتٍ وأنتم في أحسن حالٍ وأهنأ بال.
نُقبِّل يدَيكم المباركتَين، ونطلب منكم الدعاء، راجين إرشاداتكم القدسية.
كتبه طالبُكم وخادمُكم المُذنب
المحتاجُ إلى دعواتكم القدسية على الدوام
أحمد نظيف
٭ ٭ ٭
— 57 —
كلمةٌ كتبها "حلمي" و"أمين الشايجي" و"تحسين"
ارتُؤي إدراجُها بين كلمات "المكتوب السابع والعشرين"
مع ازديادِ حساسية المُخبرين تُجاه المراسلات في هذه الأيام، أَظهرتِ العنايةُ الربانيةُ والحمايةُ الإلٰهيةُ إكرامَها بنوعِ حساسيةٍ بالمقابل، ومن أبسط الأمثلة على ذلك إكرامٌ إلٰهيٌّ بخصوص معيشةِ طلاب رسائل النور، جرى في تَوافُقٍ لطيفٍ يثير العَجَب، وهو بلا شكٍّ كرامةٌ من كرامات خدمة رسائل النور.
نعم، فالتوافُق منبعٌ لسلسلةِ كراماتٍ لرسائل النور، وإن وقوع ستة توافقات من جنس واحد في هذه الواقعة التي سنذكرها، جعلَنا ننفي احتمال التصادف من أصله؛ وإليكم البيان:
بعد غيابٍ عن الأستاذ لبضعةِ أيام، ذهبنا لزيارته بصحبة أخينا "أمين"، فصَلَّينا معه العصرَ جماعةً، ثم لما هَمَمْنا بالانصراف أمَرَنا بالبقاء قائلًا: سأقدِّم لكم الطعام، فلكم هنا مُخصَّصات، ثم أعاد القولَ: إنَّ الله سيُخلِف عليّ.. فإن لم تأكلوا أصابتني تسعة أضرار.
فحاولنا الاعتذار فقال مجدَّدًا: كُلوا رزقَكم فإنه يأتيني؛ فلم نشأ أن نخالفَ أمرَه، وأخذْنا نأكل مما قَدَّم إلينا، وكان زُبْدًا وحلوى يَقطين إلى جانب الخبز، وبينما نحن نأكل إذْ جاء شخصٌ في وقتٍ وهيئةٍ غيرِ متوقَّعَين، وفتح الباب حاملًا في إحدى يديه خبزًا طازجًا وزُبدًا بمقدار ما أكلنا، وفي يده الأخرى حلوى يَقطينٍ بمقدار ما قُدِّم إلينا!! فكان مشهدًا عجيبًا رأينا فيه بأمِّ أعيننا البركةَ الربانيةَ في رزق طلاب رسائل النور على نحوٍ لا مجال فيه للمصادفة.
ثم قال أستاذنا: الإحسان يكون بعشَرةِ أمثاله، لكن هذا الإكرام وقع مماثِلًا تمامَ المماثلة من غير زيادة، وهذا يعني أنه قد غَلبتْ جهةُ التعيين، والتعيين لا يكون إلا بميزان.
— 58 —
فلما حَلَّ المساء شاهدنا بأعيننا كيف أَظهرَتِ الصَّدَقةُ حكمَها أيضًا، إذْ جيء بخبزٍ وزُبْدٍ وقرعٍ وباذنجانٍ مُخلَّلٍ تَعدِل في مقدارِها عشَرةَ أضعاف تلك، جاءت على خلاف المتوقع أجرةً معنويةً على مطالعةِ بعضهم "الشعاعَ الثاني" مدةَ أسبوع.
وكما يتلقَّى طلابُ رسائل النور مكافآتٍ عاجلةً على حُسْن خدمتهم، يتلقى المقصِّرون في الخدمة لطماتِ تأديبٍ كما حصل في "إسبارطة"، وقد شاهدنا بأعيننا أمثلةً كثيرةً على هذا هنا، نكتفي ببيانِ بعضٍ يسيرٍ منها.
فأُولاها: أنني یی أي "تحسين" یی تكاسلتُ يومًا عن الخدمة النُّورية التي كُلِّفتُ بها، فلم أُؤدِّها لانشغالي بدُكَّاني الجديد الذي افتتحتُه، فتلقَّيتُ في اليوم نفسه لطمةً، ذلك أني بينما كنت في الدكان، إذْ أتاني أحدُهم فسلَّمني مئة ليرةٍ على سبيل الأمانة لتبديلها، فذهبتُ إلى مديرية المالية لتبديلها خدمةً لصاحبها حسبةً لوجه الله، وبينما كان الموظف يَعُدُّ الليرات إذ وجد فيها ليرةً مزيَّفة، فتعرضتُ من جراء ذلك لتحقيقٍ واستجواب، وجرى تفتيش بيتي، وأُحِلتُ على المحكمة!!
لكنْ لما كانت هذه الحادثةُ لطمةَ تربيةٍ وشفقة، فإن رسائل النور أظهرتْ كرامتَها، إذْ نجوتُ من هذه الورطة بغير تَبِعاتٍ ولا أضرار.
الثانية: أنه كان ثمة شخصٌ خَدَمَ الأستاذَ ورسائلَ النور قرابةَ خمسِ سنين، وأقرأَ الرسائلَ لكثيرين، وكان لها مُواليًا ونصيرًا بشدة، ثم حصل ذات يومٍ أن أتى وبيده صحيفةٌ دينيةٌ، وراح يُظهِر ما يَدُلُّ على أنه يوالي تيارًا يخالف مسلكَ رسائل النور، فاستاء الأستاذُ من ذلك استياءً شديدًا، ثم ما لبث الرجلُ أيامًا قليلةً حتى تلقَّى لطمةً شديدةً وشَفيقةً في آنٍ معًا، فقد أخبره الطبيب بأن عليه إجراءَ عمليةٍ جراحيةٍ سريعًا، وإلا فموتُه أكيد؛ فأجرى العملية مُكرَهًا، وسارعتِ الشَّفَقةُ لنجدته، فخرج منها سالمًا.
الثالثة: أنه كان هنا موظفٌ رسميٌّ يقرأ رسائل النور برغبةٍ ولهفة، وكان يسعى للقاء الأستاذ وتَلَقِّي الدرس تامًّا على يديه، ثم ما لبث أن ساوَرَتْه المخاوفُ من ضابطٍ في الشرطة، فترك قراءةَ الرسائل ولقاءَ الأستاذ، وبينما كان مسافرًا إلى مدينةٍ أخرى إذْ
— 59 —
كُسِرتْ رجله بغير سببٍ ظاهر، وعانى من آلامها شهرًا، ثم أدركتْه الشَّفَقة، فأقبل على قراءة الرسائل من جديد.
الرابعة: أنه كان شخصٌ مرموقٌ واظَبَ على قراءة الرسائل ونَسْخِها بكل تقدير، ثم انحرف عن جادة الثبات فجأةً، فتلقى لطمةً قاسية، إذْ توفيت زوجتُه العزيزةُ على قلبه، وانتقل طفلاه إلى جهةٍ أخرى، فأصبح في حالةٍ يُرثى لها.
الخامسة: أنه كان ثمة شخصٌ خَدَمَ الأستاذ أربعَ سنين يَجلِب له حاجياته من السوق، ثم تخلى فجأةً عن عهده والتزامه وغيَّر مسلكه، فتلقى لطمةً أليمةً ما يزال يعاني منها منذ سنة.
السادسة: حادثةٌ جرتْ لشيخ، ولعله لا يسامحنا بذكرها، ولا يمكننا اللقاء به، فلن نذكرها.
وثمةَ الكثير من أمثال هذه الحوادث التي لم تُبقِ لدينا شبهةً في أنها لطماتٌ وقعتْ جزاءً على التقصير بحقِّ رسائل النور.
طلاب رسائل النور المصدِّقون على هذا: «حلمي» ، "أمين"، "تحسين"
وأنا أصدِّق على ذلك: سعيد
٭ ٭ ٭
نَذكر فيما يلي إحدى كراماتِ سهولةِ انتشارِ رسائل النور، شاهدناها عِيانًا لحظةَ كتابتنا هذه الرسالة، متزامنةً مع كرامة الطعام؛ وهي أنا كنا أرسلنا إلى أحد إخواننا الأفاضل في مدينةٍ أخرى حقيبةً فيها بضعُ رسائلِ نورٍ مهمة، إضافةً إلى شعاعِ "الإشارات القرآنية"، مرفقةً بمكتوبٍ منا، لكنْ حصل أن ضاعت الحقيبةُ من السائق، فإذا بها بعد خمسةِ أيامٍ من فقدانها تَصِلنا بواسطة أيدٍ أمينةٍ من غير أن تقع بأيدي المخبرين أو الجواسيس، فتبيَّنا من ذلك يقينًا أننا في ظل عنايةٍ تحمينا.
— 60 —
ومن لطيفِ الحماية والعناية الربانية برسائل النور أيضًا ما جرى مؤخَّرًا في ظرفٍ حالكٍ ووقتٍ عصيب، حين أحاطت بمنزل الأستاذ هواجسُ المخبرين وأنظارُ الجواسيس، فوقع في منزل الأستاذ وقتئذٍ حدثٌ غريب، إذْ سحبتْ فأرةٌ جَوربَه إلى مكانٍ ما، فبحثنا عنه فلم نجده، ثم رأينا جُحر الفأرة فكان أصغرَ من أن يدخل فيه الجَورب!!
ثم وجدنا بعد يومين أن هذا الحيوان قد أخذ الجَورَب فوضعه بجانب أوراقٍ ورسائل خصوصيةٍ مَخْفيةٍ مَنسيَّة، عِلمًا بأننا بحثنا في ذلك المكان مرتين فلم نعثر على شيء، وأنَّ أخْذ الجَورَب إلى ذلك المكان لا يمكن إلا بالصعود على مدخنة المدفأة بطريقةٍ في غاية الحيلة والذكاء!!
ولما كان هذا الأمر لا يَحتمل المصادفة بحال، فقد قال الأستاذ: ينبغي علينا رفعُ هذه الرسائل من هذا المكان؛ فنظرنا في محتواها فوجدناها لا تتصل بالسياسة من قريبٍ ولا من بعيد، لكنها بالنسبة إلى الجواسيس وسيلةٌ مهمةٌ لتهويل الأمور والتحريض علينا، فرفعناها ورفعنا كلَّ ما من شأنه أن يكون ذريعةً للمشاكل.
واستشعر الجواسيس من اضطرابنا أننا نحضِّر لأمر، فرتبوا لمداهمة المنزل في اليوم التالي، وبينما كان "أمين" يدخل المنزل وبيده كيس إذ تَبِعه رئيس المخفر خلسةً، فلما تبين له أن ليس في الكيس سوى اللبن غيَّر من حاله وموقفه.
والحاصل أنه في مقابل كل هؤلاء الأعداء والجواسيس الذين يحاربون انتشار رسائل النور، ظهرت فأرةٌ صغيرةٌ ألقتْ بمخططاتهم أدراج الرياح.
نعم حلمي، نعم تحسين، نعم أمين، نعم توفيق، نعم سعيد
كان "محمد فيضي" حينها في الخدمة العسكرية، وإلا لكان أحقَّ من يوقِّع.
٭ ٭ ٭
— 61 —
قطعةٌ من رسالةٍ لأحمد نظيف
إن فطرتَنا وجِبِلَّتَنا لَتأبى التهاونَ في أمر هذه الخدمة أو التواني في أدائها، بل هي دَينٌ ماديٌّ ومعنويٌّ لازمٌ لنا؛ وكيف نتهاون في هذا ونحن قاصرون عن أداء واحدٍ بالألف من الوظائف التي تقتضيها إنسانيتُنا التي فَطَرَنا عليها الخالق الرحيم جل شأنه؟
وإني إذْ أرجو أن تنظروا إليَّ بعين الإعذار أقول: إن أستاذَنا الجليل، وضيفَنا القدسيَّ الغريبَ العزيز، صاحبَ الهمة والعزيمة والتضحية، الصبورَ على الشدائد، المتحملَ للمكاره، قد أسدى إلينا معروفًا لا يُقدَّر قدرُه، إذْ نَوَّرَ قلوبنا نحن العصاة المذنبين بأنوار الإيمان، فلئن عَجَزنا حقًّا عن مكافأة هذا الإحسان معنويًّا، فلنَجِدْ لأنفسنا سُلوانًا بما نقدر عليه ماديًّا، وهو مهما بَلَغ قليلٌ ضئيل.
سامحوني أستاذي.. فأيُّ مسلمٍ يَسمع نداءاتِ دَلَّال القرآن ثم يَسُدُّ أذنَيه؟! حاشا ثم حاشا!! فإن شعاع أنواركم قد بَهَر عيوننا، فوَصَلَ قلوبَنا یی بكلِّ صفاءٍ یی بالله، وبالقرآن، وبالرسول المجتبى (ص)، وبوُرَّاثه الأكابر سادةِ الدارَين؛ فما أعظم هذه الصِّلة التي جادتِ العنايةُ الإلٰهيةُ علينا بها، وما أقدسها من رابطةٍ قلبيةٍ لو اجتمع عليها الماديون والملحدون والضالون بأجمعهم، بل الكفرة بكل قُواهم، ما استطاعوا حلَّها ولا فَصْمَها، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
لا أرضى أن تتكلِّفوا كتابةَ رسالةٍ جوابيةٍ في أي وقتٍ إلا أن تَرَوا ذلك لازمًا، فإني أَعُدُّ كلَّ ما يَشْغَل أستاذيَ العزيزَ أو يمنعُه من أداء وظيفته القدسية خطأً كبيرًا وسوءَ أدب.
أحمد نظيف چلبي
٭ ٭ ٭
— 62 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
مُعْظمُ ما ذُكر في آخر "الكلمة التاسعة عشرة" من حِكَم التَّكرار في القرآن جارٍ كذلك في رسائل النور، لا سيما الحكمة الثانية، فإنها جاريةٌ فيها بتمامها؛ وفحواها أن كلَّ إنسانٍ محتاجٌ إلى القرآن في كل وقت، لكنْ ليس بمقدورِ كلِّ أحدٍ قراءةُ جميع القرآن في كل وقت، وإنما يمكنه قراءةُ سورةٍ منه في الغالب، ولهذا أُدرِجتْ أهمُّ المقاصد القرآنية في معظم السور الطويلة، فكانت كلُّ سورةٍ بمثابةِ قرآنٍ مُصغَّر، ولهذا كُرِّرتْ بعضُ المقاصد، كالحشرِ والتوحيدِ وقصةِ موسى عليه السلام، لكيلا يُحْرَم منها أحد.
ولأجل هذه الحكمة الجليلة تَكررَ في عددٍ من رسائل النور بعضُ الحقائق الإيمانية الدقيقة وتكررت حُججُها القويةُ الدامغة، وقد وقع ذلك بغير علمي ولا اختياري ولا رضاي، وكثيرًا ما كنتُ أعجب للأمر وأتساءل: لماذا أُنسيتُها؟ ولماذا تَكررتْ كتابتُها؟ ثم عَلمتُ بصورةٍ قاطعةٍ أن كل شخصٍ في هذا الزمان محتاجٌ إلى رسائل النور، لكنْ ليس بمقدوره الحصولُ عليها كلِّها، وحتى إنْ حَصَل عليها كلَّها فليس بمقدوره قراءتُها بتمامها، وإنما يمكنه الحصولُ على رسالةٍ جامعةٍ تكون بمثابةِ رسائلِ نورٍ مصغَّرة، فيقرأ منها المسائلَ التي يحتاجها في أكثر الأوقات، ثم يكرر مطالعتَها كلما تَجدَّد وقتُ الحاجة، شأنُه في ذلك شأنُ القوت والغذاء.
نقطةٌ ثانية: يَحْسُن إلحاقُ المقاطعِ العربيةِ في "رسالة المناجاة"، بالرسالة العربية الوجيزة المسماة "الوِرْد الأكبر" لتُقرَءا معًا، وقد ألحقناها في نسختنا.
النقطة الثالثة: إخواني الأعزاء.. كثيرًا ما خطر بقلبي تساؤلٌ يقول: لماذا أَولى الإمام عليٌّ رضي الله عنه رسائلَ النور مزيدَ أهمية، لا سيما "رسالة الآية الكبرى"؟
— 63 —
فكنتُ أَرقُب معرفةَ سِرِّ ذلك إلى أن أُخطِر وتَبيَّن ولله الحمد، وسأشير إليه إشارةً مختصرة فيما يلي:
إن إحدى الخصائص التي تمتاز بها رسائلُ النور هي أنها تَعرِض أقصى وأعظمَ نقطةِ استنادٍ للإيمان، فتُبيِّنها بيانًا قويًّا ساطعًا، وهذه الخاصِّية تتجلى بشكلٍ باهرٍ بديعٍ في "رسالة الآية الكبرى"، إذِ المواجهةُ بين الكفر والإيمان في هذا العصر العجيب تمتد إلى أبعدِ نقطةِ استنادٍ وتعتمد عليها.
ونضرب لهذا مثلًا بجيشَين تلاقتْ قواتُهما في ساحةِ حربٍ كبرى في صحراء، وكان جيش العدو قد وَظَّف أعظمَ ما لديه من أدواتِ التخريب والتدمير، واستخدم كلَّ الوسائل في دعم جيشه ورفعِ قوته المعنوية، وفي إضعاف القوة المعنوية لجيش أهل الإيمان وتحطيمِ التساند بين أفراده، بل كان حيثما وَجَد في جيشِ أهلِ الإيمان نِقاطَ قوةٍ وظَّفها لصالحه فبدَّد قُواهم الاحتياطية، وكان يتصدى لكلَّ جنديٍّ من جنود المسلمين بجماعةٍ متساندةٍ تتحلى بروح الجماعة والتنظيم، فتعمل على تدمير قوته المعنوية كليًّا!!
وبينما الأمور تجري على هذا النحو إذْ ظهر شخصٌ كالخَضِر فقال لجيش أهل الإيمان: لا تيأس.. فإن لديك نقطةَ استنادٍ راسخةً لا تتزعزع، وجيوشًا مَهيبةً لا تُهزَم، وقُوى احتياطٍ لا تَنفَد، بحيث تَعجِز الدنيا بأسرها عن مجابهتك ولو اجتمَعَتْ؛ وإن أحد أسباب هزيمتك الآن هو أنك ترسل جنودَك فُرادى في مواجهةِ جماعةٍ وشخصٍ معنوي، فاجمع نِقاطَ استنادِ كلِّ جنديٍّ من جنودك، فاجعلها بمثابةِ شخصٍ معنويٍّ وجماعةٍ منظَّمةٍ تُمِدُّهم بقوةٍ معنويةٍ قوية.
فعلى غِرار هذا تمامًا يَعمل أهل الضلالة الذين يهاجمون أهلَ الإيمان في هذا العصر، عصرِ الجماعة، فقد أصبحوا بسرِّ الجماعة والتنظيم شخصًا معنويًّا وروحًا خبيثًا، أخذ يُفسِد الوجدانَ العامَّ والقلبَ الكُلِّيَّ في العالَم الإسلامي، ويُمزِّق السِّتر الإسلاميَّ الرصينَ الذي يحمي اعتقادات العوامِّ المقلِّدين، وأخذ يُضرِم النارَ في المشاعرِ المتوارَثةِ خَلَفًا عن سَلَفٍ والتي تَحفظ الحياة الإيمانية؛ فبينما كلُّ مسلمٍ يكافح بيأسٍ لينجوَ بنفسه من هذا الحريق الرهيب، إذْ أنجدتْه رسائلُ النور كالخَضِر،
— 64 —
وبرزتْ "رسالةُ الآية الكبرى" جنديًّا فذًّا قام بخدمةٍ جليلة، إذِ استعرض أقصى جيشٍ يحيط بالكائنات لا يُقهَر، (حاشية): إذْ هو جيشٌ لا تقدر عليه قوةٌ إلا إذا كانت تَقدِر على تشتيتِ شملِ الكون بأسره. فكلَّفه بتقديمِ النجدة ماديًّا ومعنويًّا؛ فهكذا رأى الإمام عليٌّ رضي الله عنه "رسالة الآية الكبرى" وعَرَضها باهتمام.
وهكذا، فطبِّقوا سائرَ النِّقاطِ المذكورةِ في المثال لتَظهر خلاصةُ هذا السِّر.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حروف رسائل النور التي كتبتم وتكتبون
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
القِسم الثاني من "الفِهْرِس" الذي كتبتموه تحت عنوان "الشعاع العاشر"، أورثني أملًا قويًّا بأن رسائل النور قد وَجدَت وستَجِدُ فيكم "سعيدِين" شبابًا أقوياء كثيرين، بدلًا من شخصٍ عاجزٍ هَرِمٍ ضعيفٍ عديمِ الحيلة مثلي؛ ولهذا فإني أرى أنه قد أُوكِلت إليكم من اليوم مُهِمَّةُ إكمالِ رسائل النور وإيضاحِها، والتعليقِ عليها بحواشٍ تُبيِّن وتُثبِت ما فيها؛ وإحدى الأمارات على هذا أنني حاولتُ في هذا العام تقييدَ حقائقَ أُخطِرتْ كثيرًا فلم أُستعمَل في ذلك.
نعم، بإمكان رسائل النور أن تكون مرجعًا ممتازًا لكم، ويمكن أن تتناولوا كلَّ ركنٍ من الأركان الإيمانية، كأنْ يُجمَع ما تفرَّق في الرسائل من فقراتٍ تتحدث عن كونِ القرآنِ كلامَ الله وتُبين نُكاتِ إعجازه، وكأنْ تُجمَع براهين الحشر المبثوثة، فيكون لكلٍّ من ذلك إيضاحٌ وحاشيةٌ وشرحٌ متكامل.
وإني أظن أن رسائل النور قد أحاطت تمامًا بالحقائق الإيمانية العالية، فلم تَبْقَ
— 65 —
حاجةٌ للبحث في مواضع أخرى، وإنما ثمة حاجةٌ أحيانًا إلى الإيضاح والتفصيل، ولهذا أجد كأن وظيفتي قد انتهت، أما وظيفتكم فمستمرةٌ إن شاء الله بالشرح والإيضاح، والتكميل والتحشية، والنشر والتعليم، وبتأليف المكتوبَين "الخامس والعشرين" و"الثاني والثلاثين"، وبإكمال المقامات التسعة من "الشعاع التاسع"، وبتنظيم رسائل النور وترتيبها وتفسيرها وتصحيحها؛ وإن لهيئةِ مجموعِ طلابِ رسائل النور الخُلَّصِ الصادقين شخصًا معنويًّا يترشح من قوةِ إخلاصهم وتَسانُدِهم، فهو لكم سندٌ دائمٌ وظهير، ودليلٌ ماهرٌ قدير.
كتبتم تطلبون أن تَجمَع "هيئةُ المباركين" الرسائلَ المرسَلةَ من هنا إلى هناك على شكلِ كُتيِّب، وأن "خسرو" أحال على الحافظ "علي" و"صبري" طَيَّ الجمل الجزئية والخصوصية والفِقرات غيرِ الضرورية منها.. رأيُ "خسرو" صحيحٌ، وهو ذو النظرة الدقيقةِ الثاقبةِ الصائبةِ ذاتِ الكرامة بخصوص رسائل النور، فمن الأفضل لمكتوبٍ باقٍ أن تُطوى منه الكلمات المؤقتة والجزئية والخصوصية.
شاهدنا في رسالتكم الأخيرة ثلاثَ نِقاطٍ ذات كرامة:
الأولى: أن طالب النور الجادَّ "محمد فيضي"، الذي يتحلى بإخلاصٍ وارتباطٍ واقتدارٍ يجعله بمثابة "خسرو" لهذه المدينة، زارني مرتين بعد عودته من الخدمة العسكرية، ووافق مجيئُه في المرة الثانية قراءتي اسمَ "فيضي" في رسالتكم؛ فقلنا: إن طلاب رسائل النور هؤلاء مهما تَباعدتْ بهم المسافات، فإنهم قريبون فيما بينهم قربًا يجعل أحدَهم يشعر بالآخَر من فوره فيَكتب اسمَه.
الثانية: أن "خسرو الصغير" هذا، أعني "فيضي"، لما كان في إسطنبول مؤخَّرًا شُغِل بالي بأمره، فكنت أتساءلُ في نفسي بقلق: هل يعاني مرضًا أو خَطبًا يا تُرى؟ ثم ما لبثتُ أن تَحوَّل اهتمامي إلى الحافظ "علي" وشُغِلتُ بأمره بشدة، وفهمتُ أن ثمة خطبًا ما سيقع، وأنه سيكون بجهةِ الحافظ "علي" المركزِ الفعَّال لرسائل النور، فأخذتُ أدعو له بالشفاء، وداومتُ على ذلك، ثم سألت "فيضي" قبل مجيء رسالتكم: هل عانيتَ مرضًا ما؟ فأجاب بالنفي، فقلت: فالمعاناة إذًا لدى ركنٍ نوريٍّ ذي قوةٍ وشأنٍ بی"إسبارطة"، لكنَّ خيالي شَوَّش صورةَ الحقيقة؛ ثم وصلتْ رسالتُكم فتبيَّنَتِ الحقيقة.
— 66 —
الثالثة: أني إثرَ انقضاء الأيام المباركة قبل عشرين يومًا، وَرَدَ على خاطري أمرٌ بخصوص الطلاب الذين لا يلتزمون بوظيفة النَّسْخ بشكلٍ يومي، وهو أنه يكفي دخولُهم في دعائي الإجمالي لطلاب رسائل النور مئةَ مرةٍ في اليوم والليلة؛ وبناءً عليه فقد طَويتُ یی مؤقتًا یی أسماءَ بعض الداخلين في دائرة الطلاب الخواصِّ الذين أدعو لهم بأسمائهم، وكان أخونا "حقي أفندي" واحدًا منهم؛ ومضتْ أيامٌ على هذا الأمر، فإذا به يصير أخًا لی"خُلوصي" لغير سببٍ ظاهر، فدخل باسمه ورسمه في دائرةِ الخواص من جديد، وإني أُخمِّن أن دخوله في دائرة الدعاء الخصوصي كان في نفس وقتِ قوله في رسالتكم: لا تَنسَني من دعائك!!
وقد شاهدنا حتى اليوم كثيرًا من أمثال لَمَعات العناية هذه، وينوي "أمين" كتابة نُبذةٍ عنها، فلعله يرسلها إليكم.
جميعُ مَن في تلك النواحي من طلبةِ نورٍ صغار، ومَن سيكونون في المستقبل طلابًا أولي شأنٍ واعتبار، لهم نصيبُهم من الدعاء لكونهم في دائرة طلاب النور.
بينما كان "محمد فيضي" يبحث عن مؤلفات "سعيدٍ القديم" في إسطنبول، كان البطل "رشدي" في اليوم نفسِه قد جمع ما عَثَر عليه في إحدى المكتبات فاشتراه كلَّه، فراح "خسرو الصغير" يبحث في أماكن أخرى، فلم يجد سوى "إشارات الإعجاز"، فقال مُخمِّنًا: لا بد أن مَن سبقني إلى شراء المؤلفات هو واحدٌ من إخواننا السابقين من أهل "إسبارطة"!!
وعلى أية حال، فهذه النسخة من "إشارات الإعجاز" تحتاج إلى نَسْخٍ مع مراعاة الكرامة التوافقية الموجودة في نُسَخ الحافظ "علي" و"صبري"، وأسهلُ طريقةٍ لذلك هي أن تكتبوا في دفتَرٍ صغيرٍ في كلِّ صحيفةٍ منه ما يقابلها في صفحات التفسير من حروف الهجاء، ثم ترسلوه إلينا، فإن وجدتم صعوبةً في الأمر فدَعُوه.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأخصُّ بالذكر منهم المشتغلين برسائل النور بكثرة، فأسلِّم عليهم وأدعو لهم، وأطلب منهم الدعاء.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 67 —
كلمةٌ لی"أمين" و"خسرو الصغير: فيضي"
كَتَب بعضُ إخواننا الصادقين المُخلِصين الثابتين الأوفياء الذين سبقونا إلى الخدمة القرآنية، كی"خسرو" و"رشدي".. كتبوا كلماتٍ بخصوص البركةِ التي نالتْهم وكانت أَمارةً على قَبولهم في وظيفةِ خدمةِ رسائل النور، ونحن أيضًا على نهجِ إخواننا هؤلاء نسجِّل بعضَ الحوادث التي وقعت مؤخَّرًا وشاهدناها عِيانًا، ونَعرِض بعضًا منها على سبيل المثال لا الحصر.
فأُولاها أننا خرجنا مع أستاذنا قبل أيامٍ إلى ضاحية المدينة، فطَلَب أن نصنع شايًا، فصنعنا، فكان نصيبُ كلِّ واحدٍ كأسين، ولكلِّ كأسٍ ثلاثُ حباتٍ من السكر، غير أن أخانا "أمينًا" نَقَصَ من نصيبه حبةً واحدة، فلما عُدنا في المساء إلى منبع رسائل النور، أي إلى منزل الأستاذ، أراد "أمينٌ" أن يملأ عُلبةَ السكر بمقدارِ ما استهلكنا منها، أي: سبعة عشر حبة، فإذا بها لم تتسع لأكثر من ثماني حبات، فقال متعجِّبًا: سبحان الله!! وقد شهِدنا هذه الواقعة وأيقنَّا أنها عنايةٌ إلٰهيةٌ والتفاتةٌ ربانيةٌ لخَدَمَ رسائل النور.
وثانيتُها أني یی أنا "محمد فيضي" یی كنت نَسَختُ رسالة "الهجمات الستة" وسلمتُها للأستاذ، فأخفاها في مكانٍ ما ليعطيني إياها لاحقًا، وبينما كان الأستاذ في اليوم المذكور يبحث عنها في منزله دون جدوى، إذا به یی بخلاف عادته، وبنحوٍ لم يقع مثلُه من قبل یی وضع نظَّارته جانبًا وتوجَّه صوبَ دَرَج المنزل كأن ثمة أمرًا طَرَأ!! فإذا بجاسوسٍ جاء بدعوى الزيارة وهو يُضمِر الإضرارَ برسائل النور وخِدمتِها، وكان يَهُمُّ بصعود الدَّرَج، فلما وجد الأستاذَ قُبالتَه استشعر منه قلقًا، فحوَّل الأستاذُ اهتمامَه إلى حالته الصحية وقال له: ترى أنني معذور، فأَرجِئ زيارتَك إلى يومٍ آخَر، فعاد الرجل أدراجَه وانصرف؛ ونجا "محمد فيضي" و"الهجماتُ الستة" وشؤونُنا الأخرى من هذا التجسس.
أجل، إن فقدان رسالة "الهجمات الستة" من مكانها الذي أُخفيَتْ فيه بصورةٍ غير متوقَّعةٍ قد حال دون وقوع أمر لا تُحمد عقباه، والحالةُ التي طرأتْ على الأستاذ فجأةً، وعدمُ العثور على الرسالة في مكانها المخصَّص، أمرٌ لا يمكن ردُّه إلى المصادفة بحال.
— 68 —
ثم إننا بعد أسبوعٍ عثرنا على الرسالة في مكانٍ غير متوقَّع، فأمرني الأستاذ أن أقرأها على أخي "أمين"، فكنت أقرأ وكان الأستاذ يُدلي لنا بالإيضاح والبيان، فكان درسًا بليغًا مؤثِّرًا لم يَسبِق أن تلقَّينا مثلَه؛ فلأجل هذين السِّرَّين المهمَّين لم تُظهِر الرسالةُ نفسَها.
ولقد أورثتْنا هذه الحادثةُ يقينًا لا تخالطه شبهةٌ أن طلاب رسائل النور المخلصين الصادقين هم في ظلِّ حفظٍ وعناية، وهم تحت الحماية على الدوام.
الثالثة: أنه كان عند الأستاذ نحو كيلو من جبنٍ يَستطيبه، فكان يأكل منه كلَّ يومٍ مرةً أو مرتين، وكان يُطعمنا منه، وهو طعامه في معظم الأوقات التي لا يتوفر طعامٌ غيرُه، ولقد شاهدنا یی أنا خادمُه الدائم "أمين"، وأنا طالبُه وخادمُه "خسرو الصغير" یی كيف مضتْ على هذا الجبن ستةُ أشهر وما تزال منه إلى الآن بقيةٌ تقارب الثُّلُث، نعم رأينا ذلك يقينًا، ثم شاهدنا بعد إفشاء الحديث عن هذه البركة مؤخَّرًا كيف أخذ الجبن في النُّقصان!!
أجل، هي حادثةٌ عجيبةٌ من حوادث البركة؛ وشهِدنا نحوًا منها في نصف كَيلةٍ من الزُّبدة بقيتْ لدى الأستاذ قُرابةَ خمسين يومًا رغم تناوله منها في معظم الأيام، فقد كانت حَلَّتْ فيها البركةُ بلا ريب.
وفي عيد الفطر الماضي قبل أكثر من شهرين، جَلبتُ أنا یی أي "أمين" یی و"تحسين" للأستاذ كيلو من السُّكَّر بغير رضاه، فاستعمله في حاجاتٍ كثيرةٍ كاللبن والحليب وحَلوى اليَقطين وغير ذلك، وبرغم هذا فما تزال منه بقيةٌ باقيةٌ تَزيد على الثُّلُث، وما هذا إلا بسبب البركة.
ثم إن طلاب رسائل النور في هذه المنطقة وما حولها يشعرون یی بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ یی ويعترفون قائلين: كلما اشتغلنا في خدمة رسائل النور وجدنا بركةً وسهولةً في الرزق، وانشراحًا في القلب، وشعرنا بفرحٍ ظاهر؛ وإني كمثالٍ على هذا أعترف یی أنا "أمين" یی فأقول: كنتُ قبل دخولي دائرةَ رسالة النور أعمل وأكِدُّ على مدار العام، فما أنْ دخلتُ دائرةَ رسائل النور حتى خَفَّتْ عني أعباءُ العمل، فلا أعمل في السنة إلا قَدْرَ
— 69 —
ثلاثةِ أشهرٍ أو أربعة، وأنا فوق هذا أَسعدُ حالًا وأهنأ بالًا مما كنتُ عليه قَبْلُ، وليس عندي شكٌّ ولا شبهةٌ في أن ذلك من بركاتِ خدمةِ رسائل النور.
(حاشية): نعم، وأنا أصدِّق أخي"أمينًا" بكل قوة، فإنه حين قَدِم إلى مدينتنا كان يشتغل بكَدٍّ ودأبٍ على مدار العام، أما الآن فلا أراه يشتغل أكثر من ثلاثة أشهرٍ أو أربعة؛ أما سبب ذلك، فلا شكَّ عندي في أنه بركةٌ من بركات خدمة رسائل النور؛ "خسرو الصغير محمد فيضي".
ومن ذلك أن أستاذنا يقول: "لقد قامتْ لديَّ القناعة القاطعة الثابتة بتجارِبَ كثيرةٍ أنه متى اشتغلتُ بأعمال التصحيح في رسائل النور وجدتُ اليُسرَ والبركةَ في الرزق بشكلٍ ظاهرٍ جدًّا، وكلما توانَيتُ عن هذا العمل فقدتُ ذلك".
ويقول أيضًا، ونحن نصدِّقه فيما يقول: "لقد أدركتُ مؤخَّرًا أنني وأصحابي شاهدنا صورةَ هذه الحقيقة بشكلٍ مختلف، ففي أثناء السجن كان الرغيف الواحد يكفيني ثمانيةَ أيامٍ، وربما كفاني عشرة أيام، وهذا ما أجده بعينه هنا اليوم، ولقد كنتُ أنا وأصحابي نعزو الأمر إلى قلة الطعام وفقدان الشهية، ثم تَبيَّنا يقينًا بأماراتٍ كثيرةٍ أن هذه الحال العجيبة ليست إلا نتيجةَ البركة، إذِ الرغيف الذي كان يكفيني ثمانية أيام، أصبح یی حين أفقد مَظهرية البركة للتواني في العمل یی لا يكفي ليومين بل لأقل من ذلك، مع أن الشهية هي نفسُها في الحالتين!!
إذًا، فالأرزاقُ والمخصَّصاتُ الطيِّبةُ المتواليةُ عليَّ منذ سبع عشرة سنة، إنما كانت بركةً من بركات خدمة رسائل النور.
نعم، لقد تَيَقَّنا عينَ اليقين أن حوادث البركة الكثيرة هذه ما هي إلا شعاعٌ من الإعجاز المعنويِّ للقرآن المُعجِزِ البيان، فهو يقول معنًى: "أيَا تلاميذ القرآن.. إن أكثر ما يُؤخِّركم عن وظيفتكم القدسية هو هَمُّ المعيشة، والحال أن الرزق يساق إليكم في صورة بركةٍ بفيض القرآن الكريم، فالزَموا وظيفتَكم".
اللهم يَسِّر لنا خدمة القرآن بنشر رسائل النور بحرمةِ اسمك الأعظم، وحبيبِك الأكرم.. آمين
— 70 —
وبالإضافة إلى حوادث البركة هذه، نذكر كرامةً من نوعٍ آخر لرسائل النور، فقد وقع في "قَسْطَموني" حريقٌ هائلٌ أتى على ممتلكاتٍ كثيرة، لكنْ نجا منه بيتُ أحد طلاب النور برغمِ قُربِه الشديد منه، فكانت نجاتُه أُعجوبةً ببركة رسائل النور.
وكان من جملة ما أتى عليه هذا الحريقُ بيتٌ لسيدةٍ فاضلةٍ تربطها بتَرجُمان رسائل النور علاقةُ أخوَّةٍ في سبيل الآخرة، وكان بيتُها في الطابق الثالث، فسارعتْ لأخذ حُلِيِّها ومقتنياتِها الثمينة، إلا أن النيران كانت قد أحاطت بالبيت، فلم تستطع السيدةُ الوصولَ إلى حُلِيِّها، بل باتت هي نفسُها في قلبِ خطرٍ مُحدِق، وبينما كان تَرجُمان رسائل النور يدعو لأحد طلاب النور بسلامةِ منزله من الحريق، إذْ خطرتْ بباله هذه المرأةُ المسكينة، وخشي أن تكون أُختُ الآخرةِ هذه عرضةً للحريق، فتضرَّع مستشفعًا لها برسائل النور قائلًا: اللهم تَوَلَّها برحمتك!! فكانت في تلك اللحظة قد رمتْ بنفسها من النافذة من ارتفاع طابقَين، لكنها نجَتْ بأعجوبةٍ فلم تُصَب بكَسرٍ ولا جرح!!
ثم إن الحريق التَهَمَ المبنى بأكمله، وكان لشدته وهَوله قد أذاب الحديد والنحاس، غير أنها عثرتْ على مصوغاتها وحُليِّها محفوظةً بتمامها لم يَضِع منها شيءٌ، ولم يتضرر منها شيءٌ ولا مقدارَ ذَرَّة!! فكان من بركاتِ رسائل النور حفظُ الأرواح والأموال.
ومع وقوع هذه الحوادث المذكورة، نَذكر كذلك صفعتَين دالَّتَين على كرامةِ رسائل النور، نَزَلتا بشخصَين يَشغَل كلٌّ منهما وظيفةً مهمة، دأَبا على الاعتداء والأذى، فتلقيا صفعتَين آنَ الاعتداء والأذى، تلقاها الأول في رأسه، وتلقاها الآخر في أحشائه، (حاشية): نعم، فأما أحدهما فاستغاث واستجار فنجا من الموت، وأما الآخَر فقاسى العذاب عامًا كاملًا ثم مات. فلم يخامرنا شكٌّ في أنهما وقعتا حفظًا وحمايةً بيدِ العناية الربانية في خدمة القرآن، وكأنهما تقولان لهما معنًى: كفى.. لقد حَقَّتْ عليكما صفعةُ التأديب.
٭ ٭ ٭
— 71 —
هذه الكلمة التي كتبها "صلاح الدين بن أحمد نظيف" استحقت الدخول بين كلمات "المكتوب السابع والعشرين"، إذْ كِلاهما من طلاب رسائل النور المعتبَرين، وقد سبق أن وُفِّقا في استنباط إشاراتٍ قرآنيةٍ إلى رسائل النور في الآيتَين الحادية والثلاثين، والثانية والثلاثين.
لم تلبث الشرارةُ التي انطلقت من مدينة "غْدانْسك" سنة (١٣٥٨) أن أَضرَمت في قلب أوروبا نارَ حربٍ مُستعِرةٍ دفعت الدولَ إلى اتخاذ حالة الاستنفار والتأهُّب، وكان لتركيا نصيبٌ من ذلك، فاستَنفرتْ في سنة (١٣٥٩) مواليدَ الأعوام: ٢٧، و٢٨، و٢٩؛ ولحكمةٍ ما استُدعي في تلك الآونة إلى الخدمة العسكرية عددٌ من طلاب رسائل النور الشباب، منهم أنا و"محمد فيضي"
(حاشية): علَّق الأستاذ على ذلك قائلًا بابتسامةٍ: "ليس بمقدورهم استدعاؤكم، ولكنكم مدعوون لأداء وظيفةٍ مَنوطةٍ بكم، فإن لم تؤدَّ بلسانِ المقال، فبِلسانِ الحال والأفعال"؛ وكان الأمر كذلك حقًّا، فقد كانت خدمة "صلاح الدين" في "إزميت"، وفيها عانى مشقةً في شهر رمضان بسبب صعوبة الجو، لكنه برغم ذلك لم يتخلف عن صلاة التراويح جماعةً؛ ثم لما انتقل الفوجُ إلى منطقة "خادم كُوي"، وافق انتقالُه أيامَ ٢٧، ٢٨، ٢٩، من رمضان، فكان محافظًا على صلاته وصيامه وهو في السفينة، ووافتْ ليلةُ القدر وهو في محطة "خادم كوي"، ولم يتوفر له الماء وقتَها إلا بصعوبة، فتوضأ في جوٍّ باردٍ ماطر، وصلى فوق صندوق الأمتعة، وأحيا الليلةَ في قاطرةٍ للشحن ذاكرًا شاكرًا، وقد أثار ذلك المشاعرَ الدينيةَ في نفوس مَن كان معه من الأفراد والعناصر، فكان درسًا بلسان الحال.
ثم لما أشرق عليهم صباح العيد في "بَلَبان كُوي"، خطب في مسجدها بالناس مدنيين وعسكريين، فقرأ عليهم "الكلمة الرابعة" كاملةً، وأردفها بموعظةٍ من رسائل النور؛ وقام "محمد فيضي" بمثل هذا أيضًا في ثُكْنته العسكرية، فكان درسًا بليغًا بلسان الحال والمقال يُصدِّق ما قال أستاذُنا.
ولقد كانت أيام ٢٧، ٢٨، ٢٩ من الشهر الكريم هي أكثرَ الأيام مشقةً، وكانت قُرعة التجنيد في تركيا لمواليد أعوام ٢٧، ٢٨، ٢٩ أيضًا، وفي هذا توافقٌ لطيفٌ لا يَخفى. صلاح الدين.
وقد مكثنا في الخدمة العسكرية قُرابةَ سبعةِ أشهر، أُرسِلنا فيها لخدمةِ رسائل النور في وسطٍ مختلفٍ هو الجيش، وكان أستاذُنا يرى ضرورةَ وجودنا في وسطٍ مختلفٍ
— 72 —
لنشر رسائل النور، وكان يتوجه إلى الرحمة الإلٰهية ضارعًا بقلبه وفكره ولسانه لتحقيق ذلك، فكانت استجابةُ دعائه على هذا النحو كرامةً من كرامات رسائل النور؛ وبعد مُضِيِّ نحو سبعة أشهر، كان كلٌّ من "فيضي" و"صلاح الدين" قد أدى وظيفةَ النشر، فصدر قرار التسريح في وقتٍ شديد الخطورة، حيث كان الجيش الألماني قد احتل رومانيا وحاصر بلغاريا، ودخلتْ إيطاليا في حربٍ مع اليونان!! فتبيَّنتْ حينئذٍ هذه الكرامة.
(حاشية): نعم، كان الأستاذ قد طلب مني أن أنسخ رسالة "المعجزات الأحمدية" على منوالِ نسخةِ أخي "خسرو"، فتقاعستُ عن ذلك بعضَ الشيء، فإذا بي أُستدعى إلى الخدمة العسكرية مع مواليد العام ٢٨، فقال لي الأستاذ: اِنسخ "المعجزات الأحمدية"، فإني لن أسلِّمك لهم الآن؛ فشرعتُ بالنَّسخ، فتأخر استدعائي أسبوعًا، ثم قصَّرتُ في النَّسْخ لعارضٍ فاستُدعيتُ إلى الجيش من جديد!! فقال لي الأستاذ مجدَّدًا: اذهب فانسخها؛ فعدتُ إلى النَّسْخ بهمةٍ جادَّة، فأُرجئ استدعائي مجدَّدًا على نحوٍ غير متوقَّع!! ثم بعد مُضيِّ أسبوعٍ طرأ عذرٌ آخَر فتوقفتُ عن النَّسْخ، فقال لي الأستاذ حينئذٍ: ستؤدي وظيفتَك الحالية في رسائل النور في الخدمة العسكرية، فما لبثتُ أن جاءني أمر استدعاء، فكان لطمةَ شفقةٍ أُرسِلتُ بها إلى وظيفتي.
وأحمد الله تعالى وأشكره أني أَعمل وأُستعمَل في رسائل النور، وقد كان الأمر كما قال لنا أستاذُنا، إذْ لم تستغرق خدمتُنا أكثر من سبعة أشهر، سُرِّحْنا بعدَها وعدنا إلى الأستاذ؛ وعسى ربي أن يغفر لي زَلَّتي هذه، كما أستشفع إلى أستاذي بإخواني السابقين إلى الخدمة القرآنية أمثالِ "خسرو" و"رشدي" و"صبري"، وأطلب منه العفو عن تقصيري هذا، وأعترف أني تلقيتُ لطمة شَفَقةٍ نتيجةَ تقاعسي وتكاسلي. فيضي
ومن كراماتها أيضًا أنَّ تَخَلُّف "صلاح الدين" شهرًا عن الالتحاق بالجيش لَفَتَ انتباه البعض حتى وصل الخبر إلى الجهات المَعنيَّة، فاستُدعي والدُه "أحمد نظيف" إلى شُعبة التجنيد بواسطة رئيس الشرطة، وهناك سُئِل: أين ولدُك؟ فأبرز لهم برقيةً وصلتْه قبل يومٍ تُفيد التحاقَ ولده بالفرقة العسكرية بی"إزميت"، وبيَّن لهم أنه لم يتخلف عن الجيش عمدًا، وإنما كان مسافرًا في تجارةٍ شهرًا، فلما عرفوا ذلك أخْلَوا سبيلَ الأب.
— 73 —
ومن ذلك أيضًا أنه ما إن التحق "صلاح الدين" بقطعته العسكرية حتى عُيِّن من فوره كاتبًا من غير توصيةٍ من أحدٍ ولا معاقبةٍ له على تخلُّفه؛ ثم لما كان وقتُ التسريح، كان نظام الجيش يقضي بمحاكمةِ كلِّ مَن تخلَّف عن الالتحاق ثلاثةَ أيامٍ أو أكثر، لكن "صلاح الدين" سُرِّح من غير محاكمة، بل غادر ثُكنتَه مُشيَّعًا بدموع قائد الفرقة ومساعدِه.
وحصل ذات مرةٍ أني كنت متوجِّهًا من "طوسيا" إلى "قَسْطَموني" على متن شاحنة، وكان معي "لمعاتٌ" و"شعاعاتٌ" من رسائل النور، فكنت أقرأ مبحثًا يتعلق بالحشر، وبينما كانت الشاحنة تصعد المرتفعات، وتلفحني حرارةُ الجو وحرارةُ المحرِّك معًا، إذْ تَبادَر إلى فكري تساؤلٌ يقول: إن رسائل النور هذه معجزةٌ قرآنيةٌ جليلة، ولكن كيف يمكن أن تَظهر معجزةٌ، والمعجزاتُ خاصةٌ بالأنبياء، ولا معجزةَ بعد الرسول الأكرم (ص)؟! وبينما أنا منشغلٌ بهذه المسألة إذا بالشاحنة تصطدم اصطداماتٍ مروعة، وتُصدِر أصواتًا مفزِعة، وتنقلب ثلاث مرات، وإذا بي مقذوفًا على بعد ثلاثين مترًا دونها أنطق بالشهادة!! فتفقدتُ نفسي إنْ كان ثمة جِراح، فوجدتُني بحمد الله لم أُصَبْ بجرحٍ واحد، فنهضتُ بحذرٍ لأجد السائق يتأوَّه متألمًا من إصاباتٍ شديدةٍ في رأسه ووجهه!! فرُحتُ أتأكد من أطرافي، ونظرت فإذا الباب الذي في جهة السائق أشبه بالخُردة، بينما الزجاج الذي في جهتي لم يُصَب بأدنى كَسر!! ففهمتُ عندئذٍ أن أنها كانت صفعةً غيبيةً ذات كرامةٍ تَزجُرني عن الخوض في مثل هذه المسائل.
من طلاب رسائل النور
صلاح الدين چلبي
٭ ٭ ٭
— 74 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حروفاتِ ما أرسلتم لنا
إخواني الأعزاء..
وقع سهوٌ طفيفٌ في حساب التوافق الجِفريِّ لإشارةِ آيةِ: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ، إذْ وردتْ إشارتُها الغيبيةُ على الخاطر آنيَّةً مُجْمَلةً خلال دقيقتين، فوقع السهو في عَجَلةٍ شديدة، لكنْ ليس فيه ضرر؛ ولم أكن تنبَّهتُ إليه إلا مؤخَّرًا، حيث وقفتُ على سهوٍ قصديٍّ وقع في كتابةِ فقرةِ الآية نفسِها في رسالة "المَلاحق" التي تتولى جمعَها وتأليفَها "هيئةُ المباركين" المبارَكةُ جِدًّا وحقًّا، فقد نبَّهني سهوُهم القصديُّ هذا على سهوي التقصيري، وقد سَرَّتْني هذه الهيئة المباركة المدقِّقةُ وجعلتْني في غاية الامتنان.
وبيانُ المسألة أن مقام كَلِمَةً طَيِّبَةً كُتِب ألْفًا واثنين سهوًا، إذْ لم تُحسَب الطاء، والصواب أنه ألفٌ وأحدَ عشر، وهذا يوافق مقام "رسالة النور" بفارقِ ثلاثَ عشرة، وبالانتقال من صيغة الإضافة إلى صيغة التوصيف: "رسالةٌ نورية" تُزاد ياءٌ وهاءٌ وتَنقص نونٌ وتَسقط الشَّدَّة، فإن لم يُحسَب التنوين في طَيِّبَةً للوقْف، تَوافَقَ المقامان بفارقِ واحد، وإن لم تُحسَب ألفُ المد تَوافَقا بدون فارق.
ثم إنه بالنظر إلى جهة المعنى في الآيتين، وباعتبار قوةِ الإشارات إلى التيَّارَين، وقوةِ المناسبة والتطابق، فيكفي حينئذٍ التوافُق الضعيف والأمارة الناقصة؛ كما أن الحاصل الكبير في مثل هذه المقامات لا تضرُّه فوارقُ صغيرةٌ كهذه.
وإني أُقدِّر أن هذا السهو هو كالسهو الذي وقع في الآية الخامسة: سيكون مفتاحًا لقسمٍ مهمٍّ من الإشارات الغيبية؛ وقد كان إشارةً إلى انضمام هذه الآية المعظَّمة إلى سلك الإشارات القرآنية الثلاثةِ والثلاثين؛ ولعلَّ أحدَ إخواننا سيَفتح هذه الخزينة في المستقبل إن شاء الله.
٭ ٭ ٭