لاحقة قسطموني
— 44 —

جواب الأستاذ عن سؤالِ كلٍّ من "أمين" و"فيضي"

السؤال: تَذكرون في جوابكم أن مَن يتابع السياسةَ ويهتم بها في دوائرها الواسعة البعيدة يُضِرُّ بوظائفه في دوائره الصغيرة القريبة.. نرجو إيضاح هذا.
أجاب أستاذُنا: نعم، إن من ينظر بعين الفضول والاهتمام إلى الصراعات الدائرةِ في الكرة الأرضية اليوم، ويتابعها عبر المذياع متابعةَ الجادِّ المَعنيِّ بها، تُصيبُه أضرارٌ ماديةٌ ومعنويةٌ كثيرةٌ جدًّا؛ فإنه إما أن يُشتِّت عقلَه فيصير مجنونًا معنويًّا، أو يُشتِّت قلبَه فيصير ملحدًا معنويًّا، أو يُشتِّت فكرَه فيكون أجنبيًّا معنويًّا.
نعم، ولقد شاهدتُ بنفسي شخصًا عامِّيًا متديِّنًا یی وكان له من قبلُ انتسابٌ إلى العلم یی كان من نتيجةِ اهتمامه بما لا يَعنيه، أنه حَزِن حتى البكاء لهزيمةِ كافرٍ يعادي الإسلام منذ القديم، وفرِح لهزيمةِ جماعةٍ من السادة من آل البيت غُلِبوا على يدِ عدوٍّ كافر!! فانظروا إلى فعلِ مثلِ هذا العامِّيِّ!! فإنه لأجلِ دائرةِ سياسةٍ واسعةٍ لا علاقة له بها فَضَّلَ عدوًّا لَدودًا كافرًا على مجاهدٍ من آل البيت.. أليس هذا أعجبَ مثالٍ على الجنون وتشَتُّت العقل؟!
أجل، إنَّ شؤونَ دائرةِ السياسةِ الواسعةِ تتعلق بدرجةٍ ما یی من حيث الوظيفة یی بمسؤولي السياسة الخارجية وأركانِ الحرب والقادة، وإنَّ إثارةَ فضولِ الإنسانِ البسيطِ نحو هذه المسائل، وشَغْلَه بها عن وظيفته التي تَلزمُه وصَرْفَه بها عن شؤونه الروحية والدينية والشخصية وشؤونِ بيته وحَيِّه، حتى يصير ثرثارَ الروح، مِهذارَ العقل، خاويَ القلب، لا هِمَّةَ له ولا رغبةَ في الحقائق الإيمانية والإسلامية!! ودَفْعَ البُسطاءِ للإصغاء إلى المذياع لتَلْقينهم مسائلَ سياسيةً لا تَعنيهم ولا تَلزمهم، وإثارةَ فضولِهم تجاهها على نحوٍ يُشتِّت القلب ويُميتُه معنًى، ويُمهِّد السبيل للإلحاد!! إنَّ هذا لَمِنْ أضَرِّ الضرر على الحياة الاجتماعية الإسلامية بحيث إنَّ المرء كلما فكَّر في نتائجه الوخيمة مستقبلًا، اقشعرَّ لها جلدُه، وقَفَّ منها شَعرُه.
— 45 —
نعم، لكلِّ إنسانٍ علاقةٌ بوطنه وأبناء وطنه وحكومته، لكنْ من الخطأ الجسيم جعلُ هذه العلاقة رهينةً لتياراتٍ مؤقتة، بحيث تُجعَل منفعةُ الوطن والشعب والحكومة تابعةً بل مطابِقةً لسياساتٍ مؤقتةٍ لبعض الأشخاص.
وفضلًا عن هذا، فإنه إذا كانت الوظيفة التي يُمليها الحِسُّ والواجبُ الوطنيُّ والقوميُّ على كلِّ فردٍ واحدةً، فثمة عشرُ وظائف، بل عشرون، بل مئةُ وظيفةٍ حقيقيةٍ يُمليها على المرء قلبُه وروحُه، وتتطلب خدمةً وعلاقةً واهتمامًا في إدارة شؤونه الشخصية والبيتية والدينية وغيرِها من الدوائر.. أفرأيتم إلى مَن يَعمِد إلى كلِّ هذا القدر من العلاقات الجِدِّية اللازمة فيضحي بها لأجل علاقةٍ واحدةٍ لا تَلزمه، ولأجل تياراتٍ سياسيةٍ لا تَعنيه.. إن لم يكن فعلُه هذا جنونًا فما هو؟!
٭ ٭ ٭
هذا هو الجواب الذي أجابنا به أستاذُنا على عَجَل، فقيَّدناه كذلك على عَجَل، ونرجو غضَّ النظر عن التقصير.
ونحن نصدِّق هذا بكل قوة، إذْ قد شاهدناه بتجارِبَ كثيرةٍ في أنفسنا ولدى أصدقائنا، حتى لقد بَلَغ الأمر عند كثيرين مبلغًا جعلهم يُفرِّطون في صلاة الجماعة، بل يتركون الصلاةَ نفسَها، ليستمعوا إلى المذياع الذي يَبُثُّ الأخبار وقتَ الصلاة؛ وكان من نتائج ذلك أيضًا أن أَلقَوا سمعَهم وأسلموا قيادَهم إلى متحدِّثين في الإذاعة مسمومي الأنفاسِ مخدَّري العقول، وتمادَوا في الاهتمام بدوائر السياسة الواسعة، وبالصراعات التي ما هي إلا صفعاتٌ تنهال على المدنيَّة الدَّنِيَّة جرَّاءَ ضلالتها وتحلُّلها وإهانتها لدين الإسلام، حتى أضَرُّوا بوظائفهم القدسية الجليلة أبلغَ الضرر.
من طلاب رسائل النور
"أمين" و"فيضي"
٭ ٭ ٭