— 12 —
هذه كلمةٌ كتبتُها جوابًا عن سؤال، أُبيِّنها، لعل في بيانها فائدةً لكم.
سأل بعضُ الأفاضل ممن يطالعون بكثرةٍ دواوينَ الأولياء ومصنفاتِ العلماء، فقال: لماذا نجد في رسائل النور ذوقًا وشوقًا وإيمانًا وإذعانًا أقوى مما نجده في تلك الكتب؟
الجواب: إن معظم دواوين الأكابر السابقين، وكذا بعضُ مصنفات العلماء، إنما تتحدث عن نتائج الإيمان والمعرفة وثمراتِهما وفيوضاتِهما، إذْ لم يكن في زمانهم هجومٌ على أسس الإيمان وأصوله، وكانت أركان الإيمان راسخةً لا تتزعزع؛ أما اليوم، فهناك هجومٌ جماعيٌّ شديدٌ على أسس الإيمان وأركانه، ومعظم تلك الدواوين والمؤلَّفات تخاطب الأفراد وخواصَّ المؤمنين، ولا تستطيع دفعَ هجوم هذا الزمان الرهيب.
— 13 —
أما رسائل النور، فإنها یی بوصفها معجزةً معنويةً للقرآن یی تُنقِذ أسسَ الإيمان، وتَنهض بمهمةِ إثبات الإيمان، وتحقيقه، وحفظه، وتخليصه من الشبهات.. لا بالتعويلِ على الإيمان التقليدي الموجود، بل بإقامةِ الأدلةِ الكثيرةِ القاطعة، والبراهينِ الواضحةِ الساطعة، ولهذا يَحكم الناظرون فيها بعين الإمعان أنها لازمةٌ لكلِّ شخصٍ في هذا الزمان لزومَ الخبز والدواء.
إن تلك الدواوين تقول: كن وليًّا وشاهِد.. اِرتَقِ في المقامات وانظر.. وخُذِ الأنوار والفيوضات.
أما رسائل النور فتقول: كن مَن شئت.. انظر وشاهد.. افتح عينَيك فحسب.. شاهِدِ الحقيقة.. أنقِذ إيمانَك مفتاحَ السعادة الأبدية.
ثم إن رسائل النور تسعى لإقناعِ نَفْسِ تَرجُمانها أولًا، ثم تَنظر إلى الآخَرين، ولا ريب أن الدرس الذي يُقنِع نفسَه الأمَّارةِ تمامًا، ويزيل وسوستَها بالكامل، لَهُو درسٌ قويٌّ خالصٌ للغاية، بحيث يَقدِر على صَدِّ وهَزْمِ الضلالةِ بشخصِها المعنويِّ الرهيبِ الذي اتخذ شكلَ الجماعة في هذا الزمان.
ثم إن رسائل النور لا تسير سَيْرَ العقلِ والنظرِ وحدَه كما هي الحال في مصنفات العلماء، ولا تنحو مَنْحى الكشوفات والأذواق القلبية وحدَها كما هي حالُ الأولياء، وإنما تَنْهج نهجَ الاتحاد والامتزاج بين العقل والقلب، والتعاونِ بين الروح وسائرِ اللطائف، فتُحلِّق إلى الأَوج الأعلى، وتَبلُغ مبلغًا لا تَبلغه خطواتُ الفلسفة المعترضة، بل لا يَطمح إليه نظرُها، فتَعرِض الحقائقَ الإيمانيةَ جَلِيَّةً حتى لِعَينِ الفلسفةِ العوراء.
٭ ٭ ٭