لاحقة قسطموني
— 9 —
إخواني الأعزاءَ الصادقين الأوفياء المُضحِّين..
لم أستطع مراسلتَكم لكوني تحت مراقبةٍ وتضييقٍ وعزلٍ فوق العادة، لكني أشكر خالقي الرحيمَ بلا حدٍّ أنْ أَحسن إليَّ بصبْرٍ وتحمُّلٍ أفشلا مكائدَهم.
وبالرغم من أن كلَّ شهرٍ من زمانِ فراقِنا هنا ثقيلُ الوطأةِ ساحقٌ كأنه سنةٌ من سجنٍ انفرادي، إلا أن العنايةَ الإلٰهيةَ قد حوَّلتْ كلَّ يومٍ من أيامي إلى شهرٍ من عمرٍ سعيدٍ ببركاتِ دعائكم، فلا تقلقوا بشأن راحتي، فألطافُ الرحمة مستمرة.
أخي "صبري".. كن صبورًا، لا تهتمَّ لمرضك الوهمي العصبي، فإنه ليس بذي بالٍ ولا ضرر، وهو مع الدعاء بالشفاء غيرُ خَطِرٍ ولا ضارّ؛ لأن الخواطر إن كانت سيئةً فهي كالصُّوَر المُتمثِّلة في المرآة، فكما أن النجاسةَ المُتمثِّلةَ في المرآة ليست نجِسة، وصورةَ الأفعى فيها لا تَلدغ، ومثالَ النارِ لا يُحرِق، فكذلك ما يَرِدُ على مرايا القلب والخيال من خواطرَ رديئةٍ أو قبيحةٍ أو كُفْريَّةٍ بغير رضًا ولا اختيار، فإنها لا تَضُر، ومن المقرَّر في علم الأصول أن تَصَوُّرَ الكفر ليس بِكُفر، وتَخيُّلَ الشَّتم ليس بِشَتْم.
أما الخواطر الحسنة، فإنها لمَّا كانت نُورانيةً كان تَصَوُّرها وتَخيُّلُها حَسَنًا كذلك، لأن مثالَ النُّورانِيِّ في المرآة يَعكِس الضياء، إذْ له خاصيتُه؛ بخلافِ مثالِ الكثيف، فإنه مَواتٌ لا حياة فيه ولا تأثير له.
وأما سائر التألُّمات الروحية فهي سَوطٌ ربانيٌّ للتعويد على الصبر والمجاهدة؛ إذْ من قواعد الترقي المقرَّرةِ لدى أهل الحقيقة: ورودُ حالات القبض والبسط من تجلي الجلال والجمال على أهل اليقظة، ليكون العبد جامعًا بين الصبر والشكر، موازِنًا بين الخوف والرجاء، لكيلا يَركَن إلى مَحض الأمن، ولا يسقط في هُوَّة اليأس.
أُقدِّر لی"توفيقٍ الشامي" أخذَه بالاحتياط والحذر، لكنْ لا بد له من الاستمرار في العمل، كي تُكتَب خِدماتُه القَيِّمةُ السابقةُ في سِجلِّ أعماله بصورةٍ دائمة؛ وشكرًا كذلك أن مباشرته وظيفتَه بقلمه الألماسي أَدخَلت على قلبي السرور والأمل، وذكَّرتني بأيام "بارلا"، وهَيَّجت إليها الشوقَ والحنين.
— 10 —
حاشية أخي "صبري".. لا ضرر على رسائل النور من وظيفة الإمامة، فلا تَستقِلْ منها الآن، بل استمرَّ عليها بِنيَّة العمل بالرُّخصة.
أخي "خسرو".. سُررتُ كثيرًا ببيانك التامِّ لقيمةِ "الشعاع الخامس" وتقديرِك له، وفرِحتُ أيَّما فرحٍ لكتابتك مصحفًا مُذَهَّبًا للمرة الثانية، أما نَسْخُك الرسائلَ الجديدةَ لأجلي فقد أبكاني من الفرح والامتنان.
(حاشية): من ألطاف البركة العجيبة أن "خسرو" المنتسبَ إلى رسائل النور بوصفه كاتبَ "مصنع الورد" أرسل إليَّ قبل سنتين ونصفٍ زجاجةً صغيرةً من دُهن الورد، وما تزال إلى الآن بقيةٌ منه لم تَنفَد رغم دوامِ استعمالي له، ويَشهد على هذه البركةِ أخوكم "أمين"، وهو الآن عندي يبلغكم السلام.
الأخبارُ المُطَمْئِنةُ التي تتحدث عن سلامة "رشدي" و"رأفت"، وما يتحليان به من صدقٍ ووفاءٍ وثباتٍ قد بدَّدت هواجسي الحزينة.
إنني لأجل طلاب "إسبارطة" أدعو لی"إسبارطة" مع دعائي لقريتي "نُورْس"، بل أدعو لأمواتها كما أدعو لأموات "نُورْس"، وأنظر إلى هذه الولاية نظرتي إلى بلدي ووطني الحقيقي.
أخي الجادَّ الدَّؤوب "علي".. آمُل أن يَظهر من فعاليتِكم الخالصةِ الجادَّةِ كثيرٌ من طلابِ رسائل النور الثابتين الراسخين مثلِكم، يأخذون بها ويستمرون عليها.. بلِّغوا سلامي لعموم إخواني ممن عرفتُ یی كعبدِ الله یی وممن لم أعرف، وبلِّغوهم أني أُشرِكهم في جميع مكاسبي المعنوية؛ وإنني على ارتباطٍ وثيقٍ بإخوانٍ لي أعزاءَ كتبتُ أسماءهم في خاطري لا في رسالتي.
إخواني.. الحذرَ الحذر.. المنافقون كُثْر، فاكتموا أمرَ المراسلات ما استطعتم، لئلا يصيب خدمةَ رسائل النور ضرر.
وَرَدني كثيرٌ من الحقائق الهامة، لكنها مع الأسف ذهبتْ كما أتتْ من غير أن تُكتَب أو تُقيَّد، إذْ إني أعيش هنا وحيدًا تمامًا.
آلافُ التسليمات والدعوات للإخوة الخالصين الجادِّين المباركين الدَّؤوبين
— 11 —
في "قُولَه أونو"، وللطلاب الكُثْرِ الصادقين النشيطين في "إسلام كوي"، ولأصحابي الأعزاء الأوفياء في "بارلا"، ولإخواني المضحِّين الأوفياء في "أغيردِر" لا سيما "محمد" و"حقي"، ولسائر إخواني كافة.
أخوكم المعتمِدُ بقوةٍ على دعائكم
والمحتاجُ إليه كثيرًا
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭