— 304 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
كنت قد أخبرتكم في الرسالة السابقة عن المصيبة التي وقعت جرَّاء الفَرَس الشَّموس، وكان الغرض بيانَ مزيدِ احتياجي إلى دعواتكم المباركة في هذه الأيام المباركة والليالي الشريفة؛ فإنه وإنْ كان تسعةُ أعشار هذه المصيبة قد انقلب إلى نعمة، إلا أن عُشرَها قد التحق بمرض المفاصل وعلةِ آلامِ الكَتِفِ المزمنةِ عندي، فأَلزمَني الفراش؛ لكن لا تقلقوا، فإني أستطيع القيام والمشي.
وإني بينما كنت أصحِّح اليوم نُسَخَكم التي أرسلتموها، وَرَدتْني قناعةٌ قطعيةٌ بأن هذا العُشر الباقي من المصيبة قد صار بمثابةِ نعمةٍ بعَشرِ درجات، فإليكم فائدةً من فوائده التي تَنوف على العشرة:
وهي أني وإن كنتُ لا أَمَلُّ من أعمال التصحيح، بل كان من عادتي أن أتلقى في كل تصحيحٍ درسًا جديدًا أنتفع به، وأجد في بعض الأحيان متعةً بالغة، إلا أنه مع حلول هذا الربيع غَلَبتْ متعةُ مشاهدة الصنعة الإلٰهية في الجبال والبساتين على متعتي في التصحيح؛ وإنَّ المرض الذي يُشعرِني بنفسه دائمًا في هذه المصيبة الجديدة، قد وافق
— 305 —
تصحيحي "لَمعة أيوبَ عليه السلام" و"لَمعة المرضى"، فأنا أقرأ كلَّ نسخةٍ منهما بكمال الشوق والذَّوق كأني أتعرف عليهما من جديد، فلم تَبْق لديَّ شبهةٌ في أن هذا المرض الشاقَّ إنما جيء به لأجل هذه الوظيفة النورية اللذيذة المكنوزةِ رحمةً.
صحيحٌ أني أجد من مرضي مشقةً في حركتي وصلاتي ووضوئي، لكن العبادة في المرض أجرُها مضاعف، والمتعة التي أجدها في هذه التصحيحات النورية تُخفِّف المشقةَ فتجعلها كالعدم؛ فالحمد لله على كل حال، سوى الكفر والضلال.
ثانيًا: يَحصُل في نُسَخكم أحيانًا أن يتكرر خطأٌ ما في نُسَخٍ عِدَّة، ما يعني أن المعنى لم يُفهَم جيدًا، فبقي كما هو.
فمن ذلك ما وقع في آخر "رسالة الاقتصاد"، في السطر الخامس من حاشية "خسرو"، حيث وَرَدتْ جملة: "أما العلماء، فإنهم لإنفاقهم لم يعرفوا قيمة مالِهم"، وهي خطأ؛ والصواب: "أما العلماء، فإنهم لعِلمهم عَرَفوا قيمة مالِهم".
وَوَردتْ في السطر التالي كلمةُ: "وراءَها"، والصواب: "بينها".
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين المُضحِّين..
تلقَّيتُ أمسِ رسائلَكم السِّتَّ المهمة، وكنت أودُّ أن أجيب عن كلِّ واحدةٍ منها برسالةٍ مطوَّلة، وهذا حقُّكم، لكنَّ "فيضي" الذي يكتب هذه الحروف يَشهد أني لم أنم منذ ستِّ ليالٍ ستَّ ساعات، إلا هذه الليلة السادسة التي أمكنني أن أنام فيها ساعةً ونصفًا، ولهذا أكتفي بالإجابة عن هذه الرسائل المهمة بجُمَلٍ مختصرة.
أولًا: أخي "صبري" مرسالَ النور وممثِّلَ "خُلوصي" و"حقي" و"سليمان".. العُشر زكاةٌ شرعية، والزكاةُ للمستحقِّين.
ثانيًا: أيها الأخ "خسرو" الذي جعل روضاتِ "مصنع الوَرْد" وبلابلَ المرحوم
— 306 —
"بدوي" تَشْدو.. حادثةُ الزلزلة الجديدة هذه، وصَفعةُ البَرَد التي هَوَتْ على رأس الشيخ المعارض، هما حجةٌ جديدةٌ تضاف إلى حوادثَ كثيرةٍ تُبيِّن أن رسائل النور سببٌ لحفظ "إسبارطة" من الآفات السماوية والأرضية.
أما مُلحَق "المعجزات الأحمدية" فنُحيلُه على فكركم الصائب، وأرسِلوا المقدار الذي كتبتموه، فنحن نُكمله هنا، ثم نخبركم.
ثالثًا: أخي الحافظ "علي" صاحبَ "مصنع النور".. إن ما تُكِنُّه لرسائل النور من عظيمِ الإخلاص والارتباط والاعتقاد سيجعل الأنوارَ في تلك المناطق تَسطَع على الدوام بإذن الله.
وإن عدمَ سماعك دَوِيَّ تلك الزلزلة الكبيرة وعدمَ إحساسك بها هو نوعٌ من كرامات رسائل النور، على أنها لا تضرُّ الطلاب، بل لا تُخيف بعضَ الخواص ولا تُشعِرهم بوجودها، وهذا من قَبيل العناية أيضًا؛ والصفعةُ التي ذاقها الشيخ، هي أيضًا من كرامات رسائل النور.
رابعًا: أخي البطلَ "طاهري" الذي نَدين له بالجميل نحن وطلابُ "قَسْطَموني" إلى يوم القيامة، والذي أوصل رسائلَ النور إلى هذه المناطق بقلمه الممتاز، والذي يَخدُم رسائل النور بنفسه وأولاده ووالدَيه وزوجته.. أسأل الله أن يَمُنَّ بالشفاء على أختنا في بيتكم، وعَلَيَّ أيضًا، إذْ تتحملون عني جزءًا من مَرَضي.
قولوا لوالدَيكم على لساني: إن الفاضلَين المباركَين اللذَين رَبَّيا لرسائل النور تلميذًا بطلًا كی"طاهري"، وقدَّماه لنا أخًا وطالبًا يَكتب في صحائف أعمالهما حسناتٍ على الدوام، سيُديمان هذه السعادة دائمًا، ولن يُفضِّلا زجاجَ الدنيا على ألماسِ الآخرة إن شاء الله، وهما داخلان في دعائنا الخصوصي.
خامسًا: أخي أستاذَ المجاهدين، والناصحَ الحقيقيَّ لرجالِ الأرياف، وطالبَ النور الخالص المخلص: "حسن عاطف".. سرَّتْني مشاعرُك الأدبية المُرهفة، وعباراتُك اللطيفة المتفرِّدة، في رسالتك الطويلة المؤثِّرة المهمة.
— 307 —
أخي.. شعرتُ بِأَساكَ لاعتداءات المبتدعين والمرائين والملحدين، فحزنتُ لحُزنك، لكنَّ الرسالة التي كتبتُها إليكم من قبلُ تُزيل هذا الأسى إن شاء الله.
أما مسلكُ رسائل النور، فهو القيام بالوظيفة، من غيرِ تدخُّلٍ في شؤون الله عز وجل؛ والوظيفةُ: التبليغ، أما إيقاع القَبول فشأنُ الله عز وجل.
ثم إنه لا أهمية للكمية، فإنك إن وجدتَ في تلك النواحي "عاطفًا" واحدًا فكأنك وجدتَ مئة، فلا تحزن؛ ولا تنشغل بالتعدِّيات الصغيرة الآتية من الخارج ولا تُلْقِ لها بالًا ما استطعت، ولكنْ كُن على احتياطٍ وحذر؛ وإن هذا موسمُ العطالة وزمانُ الغفلة وأوانُ الانشغالِ بهموم العيش، فاليسيرُ من العمل فيه عظيمُ الأهمية، فلا تَوَقُّفَ ولا فَشَل ولا هزيمة، بل فتوحاتٌ مظفرةٌ لرسائل النور في كل جهة.