لاحقة قسطموني
— 303 —
وهي أني قبل أربع ساعاتٍ من الآن كنتُ بمفردي في غابات "قَرَه داغ" الخالية، وكنتُ قد ركبتُ فرسًا شَموسًا، فبينما أنا على ظهره إذِ انقطع اللِّجامُ فجأةً، وجَفَل الفرس وهاج وأخذ يَرفِس فأوقعني أرضًا، وظننتُ أن يدي اليسرى ورجلي اليسرى قد انكسرتا، إذْ كانت الحال تُشعِر بذلك، ومضى الفرسُ في الغابة الخالية وحدَه، ولم يكن في الأطراف أحدٌ فيُنجدَني، وليس الفرسُ لي؛ لكني أَحمَد الله تعالى وأشكرُه إذْ تبيَّنتُ أنه لم تنكسر يدي ولا رجلي، فاستطعتُ المشي بألمٍ شديدٍ متوكِّئًا على شمسية، وكان الفرس قد سار في طريقٍ متعرِّجة من غير أن يتوغَّل في الغابة كثيرًا، فمَشَينا في ساعةٍ مسافةً تُقطَع في ربع ساعةٍ حتى بَلغْنا ماءً، وبينما كان الفرس يشرب إذْ جاءتِ امرأةٌ اسمُها "نورية" وبيدها خبز، فأعطتِ الفرسَ قطعةً منه فهدأ، فأمكنني ركوبُه، وعدتُ إلى المنزل ولله الحمد.
وما إن دخلتُ المنزلَ حتى نزل مطرٌ غزيرٌ عاصف، وشاهدتُ السَّيل يندفع من أمام حجرتي، فلولا أن الفرس لقي ذلك الماء وتلك النورية لانقطعتْ بي السبيل في
— 304 —
ذلك المكان الخالي تحت المطر، وربما ضاع الفرس وهو لغيري، فحفظني الله تعالى من مصائب كثيرةٍ كهذه، وتَحقَّقنا أن في هذه المصيبة الصغيرة نِعَمًا في تسع جهات، وإننا لعلى قناعةٍ من أن هذا النوع من الحفظ والحماية كان نتيجة دعواتكم الصادقة؛ وإن هذه الحادثة التي هي مَدعاةٌ للشكر بتسع جهاتٍ إشارةٌ إلى أن الهدية النورية التي تلقيناها بالأمس جزيلةُ النفع، فقد اشتهر في الأمثال السائرة أن وجود المشقة والعناء في شيءٍ علامةٌ على القَبول.
نُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء.
٭ ٭ ٭