لاحقة قسطموني
— 299 —
المسألة الثانية: قامتْ لدينا قناعةٌ قاطعةٌ بأننا مَكلوؤون بعَينِ العناية حتى في أبسطِ شؤوننا وأدناها، ومَبعَثُ هذه القناعة خمسةُ توافقاتٍ لطيفةٍ جَرَتْ بالأمس.
أَوَّلُها: أنني بينما كنتُ أَهُمُّ بالخروج إذْ جاء أربعةُ أحمَدِين من طلاب رسائل النور ليؤدي كلُّ واحدٍ منهم مقاصدَ تتعلق بي، وقد جاؤوا معًا على غير ميعاد، اثنان من القرى، والآخَران من حَيَّين مختلفَين من هذه المدينة.
وحصل كذلك أننا بينما كنا نعطي أحدَ طلاب رسائل النور المُهمِّين، هو "أحمد كور أوغلو"، بعضَ اللبن تبرُّكًا وقُوتًا، إذ دخل علينا "أحمد بن حلمي بك" ومعه لبنٌ بقدر ما أعطينا "أحمد الأول"!!
فهذا النوع من توافُقات ستةِ "أحمدين" من طلاب رسائل النور في يوم واحد لا يشبه المصادفة، بل هو إشارة تلفت الانتباه إلى هؤلاء "الأحمدين".
— 300 —
ثانيًا: أن امرأة مهاجرة فقيرة طلبت مني شيئًا للتبرُّك، فأعطيتُها قميصًا، فلم يمضِ على هذا دقائقُ حتى أرسلت إليَّ امرأةٌ أخرى تحمل الاسم نفسَه قميصًا، وقد واتَتْها وسيلةٌ مُهمَّةٌ تَحمِلُني على قَبوله، فقبِلتُه لأجل التوافق.
وحَصَل أيضًا في اليوم نفسِه أني كنتُ أعطي بعضَ المستحقين نصفَ ما عندي من السَّمن، فاستوعب إناؤهم أكثرَ السمن ولم يَبق لي إلا القليل، فما كادوا ينصرفون بإنائهم حتى أتاني في اللحظة عينِها سَمنٌ من قريةٍ بعيدةٍ مقابلَ قراءة كتبي، وكان مقدارُه يَعدِل ما كنتُ نويتُ أن أَستبْقي لنفسي!! فقبِلتُه لأجل التوافق أيضًا.
الثالث: حَصَل في اليوم نفسِه أيضًا أني بينما كنتُ أتجوَّل على حصان، إذْ جاء من خلفي رجلٌ يَعدو على حصانٍ كذلك، فنزل فأخذ بقدمي ورِكابي، ولم أكن أعرفه من قبل، فقلتُ له: مَن أنت حتى تُظهِر كلَّ هذه المَوَدَّة؟ فقال: أنا خطيب "قُوزجه"؛ والحال أني لم أعلم أن في "قَسْطَموني" قريةً بهذا الاسم؛ فلما رجعتُ أتاني مجنَّدان إسبارطيان، قال أحدُهما: أتَيتُك برسالةٍ بَعَثَ بها خطيب "قُوزجه".
فهذا التوافُق العجيب، وتَوافُقُ هؤلاء على هذا النحو، إشارةٌ إلى سعيهم الدَّؤوب الوفيِّ في خدمة رسائل النور في هاتين الولايتَين.
وبهذه المناسبة، فلْيُبلِّغ "صبري" خطيبَ "قوزجه" مني كثيرَ السلام، ونحن نُشْرِكه في المكاسب المعنوية ضمن خواصِّ طلاب رسائل النور، ولا يَجِدْ في نفسه إن لم نكتب إليه رسالةً مستقلة، فليس من عادتنا كتابةُ رسالةٍ خصوصية.
وقد شاهدتُ في اليوم نفسِه ثمرةَ تَوافُقٍ حُلوٍ في صورةٍ أحلى، فقد قال لي المجنَّدان بكلِّ سرورٍ ومودَّة: أنت إسبارطيٌّ من أبناء بلدنا؛ فقلتُ لهما: أنا یی بكلِّ فخرٍ یی إسبارطيٌّ بكلِّ جهة، و"إسبارطة" وطني، وهي عندي مباركةٌ بحجارتها وترابها، وهي مسقطُ رأس المئات بل الآلاف من إخواني الحقيقيين الذين يَعدِل كلُّ واحدٍ منهم مئة.
نعم، فالأكثرية المطلقة ممن يأتون إلى هنا من الإسبارطيين، سواءٌ منهم المجنَّدون وغيرُهم، يَعُدُّونني من أبناء بلدهم، وما التقيتُ بأحدٍ منهم إلا قال لي:
— 301 —
أأنت إسبارطي؟ وأنا أقول بكلِّ فخرٍ: أنا إسبارطي، ولي في "إسبارطة" من الإخوان والأقرباء الحقيقيين ما يجعلني أُفضِّلُها بجهاتٍ كثيرةٍ على قرية "نُوْرْس" مَسقط رأسي، وأُفضِّل قريةً من قرى "إسبارطة" على ناحيتنا "إسباريت" التي هي بمثابة ولدٍ صغيرٍ لی"إسبارطة" الكبيرة؛ فإن "إسبارطة" التي أنجبتْ لي كلَّ هؤلاء الإخوة الأبطال الخالصين، قد صارت لي، بل للأناضول، مباركةً بحجارتها وترابها؛ وإنَّ بذور النور التي نثروها على الأناضول والعالَم الإسلامي تصبح مَظاهرَ رحمة، وتَتَسنبل فتكون غذاءً وضياءً ودواءً، فتُبدِّد الغلاءَ والوباءَ والظّلْمَ والظّلماتِ المعنويةَ بإذن الله.
الرابع: بعد أن كتبتُ التوافقات الثلاثة السابقة، وصلتْني الرسالة اللطيفة التي بعث بها الحافظ "عليٌّ" الكبير، والرسالةُ البليغةُ لی"خُلوصي الثالث: عبد الله چاويش"، والرسالتان القَيِّمتان من "خُلوصي بك" والكاتب "عثمان".
وبعد أن تحدث الحافظ "علي" في رسالته عن نَسْخِ علماء "قونية" لرسائل النور وتقديرِهم إياها، وأن الشيخ "وَهبي" صاحبَ التفسير لم يتمالك نفسه إزاء "رسالة الإخلاص"، وتلقى رسائلَ النور بالإعجاب والتقدير، علَّق الحافظ "علي" على هذا بقوله: إن من كرامات رسائل النور أنها لا تُلقي باللحم إلى الثور، ولا بالعشب إلى الأسد، بل تعطي كُلًّا ما يناسبه، ومن هذا كانت "رسالة الإخلاص" أولَ ما وقع في يَدِ ذلك العالِم الهُمام.
والحقيقةُ أنه قبل وصول رسالة الحافظ "علي" بنحو أسبوع، حصل أنْ كنتُ نازلًا من جبل "قَرَه داغ"، فقلتُ لأحدهم فجأةً: يا هذا.. لا تُلْقِ اللحمَ للحصان، ولا العُشبَ للأسد، بل أَلْقِ اللحم للأسد، والعُشبَ للحصان؛ واستحسنتُ هذه الكلمة، فكررتُها خمسًا أو ستًّا؛ فإما أنَّ الحافظ "عليًّا" كَتَبها قبلي فأنطقَنيها، وإما أني قلتُها قبلَه فأُمْليَتْ عليه، وإنما ثمة فرقٌ واحدٌ في هذا التوافُق الغريب، وهو أنه قال: العشب للثَّور، وقلتُ: العُشب للحصان.
٭ ٭ ٭