— 298 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
نهنِّئكم بِلَيلة المعراج، راجين من الله تعالى أن يوفقنا وإياكم برحمته لاتباع السُّنة السَّنيَّة لصاحب المعراج (ص).
أكتب إليكم مسألتَين صغيرتَين وَقَعتا خلال هذين اليومَين تَلفِتان الانتباه:
أولًا: حادثةٌ تُبيِّن سببًا من الأسباب الكثيرة لبقاء قسمٍ من طلاب رسائل النور عُزَّابًا.
وذلك أني بَيَّنتُ لسيدةٍ، هي ابنةُ رجلٍ مهمٍّ، وتشتغل بالدراسة في معهدٍ مهم، وكانت ذاقتْ ضربةَ الشباب وبقيتْ عَزَبةً، وتَجِدُّ اليومَ لتوثيق صِلتها برسائل النور لتجد السُّلوان.. بَيَّنتُ لها حقيقةً على سبيل الإجمال، أكتبها لعل فيها فائدةً للبعض في ناحيتكم.
قلتُ لها: ما دمتِ قد ذُقتِ ضربةَ الشباب فلا تَدخلي إذًا في قانون التناسل وما فيه من الوظيفة الفطرية؛ لأن اللَّذَّةَ والمتعةَ المؤقتةَ التي يتلقاها الرجلُ أجرةً على هذه الوظيفة تَكفيه بدرجةٍ ما في البداية، أما اللَّذةُ والمتعةُ المؤقَّتةُ التي تَحصُل عليها المرأة المسكينة في الزواج، فإنها لا تكافِئ واحدًا بالمئة مما تقوم به في وظيفتها في هذا الزمان الفاسد؛ ذلك أنها تعاني في وظيفتها الفطرية هذه أعباءَ الحَمْل وثِقَلَه قُرابةَ سنة، ثم مشقةَ العنايةِ بالمولود وتغذيتِه قُرابةَ سَنَتَين أُخرَيَين، وتعاني من ضيقٍ دائمٍ وعذابٍ وجدانيٍّ مردُّه تُهمةُ عدمِ الوفاءِ في نظر الزوج بسبب السفور والتبرج، واحتمالُ أن يكون زوجُها نفسُه يُطلق لبصره العِنان، ولا يكونَ صادقَ المودة والرحمة تجاهها.
ومما يَزيد في العذاب على نحوٍ خاصٍّ عدمُ لياقةِ أحدِ الزَّوجَين للآخر دينًا أو خُلُقًا، وهو المُعَبَّر عنه بالكفاءة الشرعية.
يُضافُ إلى هذا أنهما إن كانا مُسلمَين بالاسم من غير تربيةٍ إسلامية، لم يجدا
— 299 —
الحُرمة والرحمةَ المتبادَلةَ النابعةَ من الإيمان، وهذا يقضي على سعادة الحياة كُلِّيًّا، ويُحيلُها إلى حجيم.
ثم إن الوالدَين في مقابلِ ما عانَيا في وظيفةِ قانون التناسل هذه من مشقةٍ كبيرة، وما بذلا من خدمةٍ كثيرة، يَستحقِّان أن يُقابِلهما الولدُ بكمال الاحترام والطاعة، فيُعامِلَهما في الدنيا باحترامٍ خالص، وطاعةٍ صادقةٍ؛ ويَكتُبَ لهما بعد وفاتهما حسناتٍ في صحيفةِ أعمالهما، بصلاحه وخيره ودعائه؛ أو يكونَ یی إن مات بريئًا قبل سن الخامسة عشرة یی شفيعًا لهما يومَ القيامة، وقرةَ عينٍ لهما في الجنة.
والحالُ أنه في هذا الزمان الذي حَلَّتْ فيه تربيةُ المدنيَّةِ الدَّنيةِ محلَّ التربية الإسلامية، لا يكاد يوجَد في الأبناء مَن يُعامِلُ أبويه بهذه البُنُوَّة، ويَبَرُّهما لخدمتهما وشفقتهما الجليلة، إلا واحدٌ من عشرةٍ، بل من عشرين، بل من أربعين، أما سائرهم فيقابِل والدَيه بما يَجرح مشاعرَهما ويؤلم شَفَقَتَهما على الدوام، فيذيقُهما عذابًا وجدانيًّا ما أشدَّ وَقْعَه على هذين الصَّدِيقَين الحقيقيَّين الصادقَين، وفي الآخرة يكون خَصيمًا لهما، يقابلهما بالشِّكاية بدلَ الشفاعة، يقول: لِمَ لَمْ تُرَبِّياني التربيةَ الإيمانية؟