لاحقة قسطموني
— 294 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
خلال هذين اليومَين وقعتْ حادثتان صغيرتان أَوردَتا إلى الخاطر بضعَ مسائل:
الأولى: يكتب "صلاح الدين" من أنقرة أن القوم شرعوا في الاعتداء على الطُّرُق، وأن ثمة اعتقالاتٍ في أنقرة وفي الشرق بهذا الخصوص؛ لكنَّ طلاب رسائل النور محفوظون في كلِّ ناحيةٍ في ظل العناية الربانية؛ وإنَّ إخلاصَهم وتسانُدَهم واحتياطَهم المتين يُديم عليهم هذه العناية.
الثانية: الجميعُ يَشْكو من الضِّيق في هذه الأيام؛ كأن فساد الجوِّ المعنويِّ أَورث مرضَ ضيقٍ ماديٍّ شامل، حتى لقد أصابتْني منه عَدوى يومًا ما، لكنَّ داء الضِّيق هذا لا وجود له عند المشتغلين برسائل النور، أو هو عندهم خفيفٌ يسير، إذْ رسائلُ النور دواءٌ لكلِّ دائنا.
الثالثة: أن وفاة "محمد زهدي رحمه الله" أَهَمَّتْنا كثيرًا فيما يتعلق بخدمة رسائل النور، لكني سرعان ما تذكرتُ الموقفَ الشَّهمَ الكريمَ الذي قام به طلابُ رسائل النور من أبناء قريته السنةَ الماضية، حين صُودِرتْ منه رسائل النور، فقد تعهَّدوا بنَسْخ جميعِ ما صُودِر منه، فنَسَخوه له وقدَّموه إليه خلال عشرة أيام؛ وقد أدركتُ من هذا أن عرين الأُسُود في "إسبارطة" وما حولها سيتولى عملَ "محمد زهدي"، وسيؤدي خدمتَه بصورةٍ مضاعفة، وسيَسُدُّ فراغَه.
— 295 —
الرابعة: أني وجدتُ في بعضِ رسائلِ إخواننا من "إسبارطة" المُدرَجَةِ في "المَلاحق"، وجدتُ أوصافًا مُفْرِطةً بحقِّ أستاذهم، فنظرتُ إلى نفسي فوجدتُها لا تستحق حتى زكاةَ هذه الأوصاف، وليست من حقي، فقلت: ما الفائدة التي يجنيها إخواني هؤلاء مِن إفراطهم في حسن ظنهم واستمرارهم عليه، رغم كثرة تنبيهي لهم، وهُم مَن هُم في التجرُّد للحقيقة؟
فوَرَدَ على القلب خاطرٌ يقول: إن هؤلاء وأهلَ بلدهم یی إسبارطة وما حولَها یی قد شاهدوا يُمْنَ حُسْنِ ظنِّهم وعايَنوا بركتَه بأعلى درجة، وهم بهذا الاعتبار لم يُفْرِطوا، بل إنما شاهدوا حقيقةً، ولهم في هذا أسوةٌ بأهل الولاية من أمثال "عثمان الخالدي" و"شكري طوبال"؛ لكنْ كما تحتاج الكشفياتُ إلى التأويل، والرؤى إلى التعبير، فالأحكام الخصوصيةُ إذا عُمِّمَتْ بَدَتْ خطأً بجهةٍ ما.
وكذلك الحال مع هؤلاء، فإن الفائدة التي تَحَصَّلتْ لهم ولبلدهم إنما تَأَتَّتْ من الشخص المعنوي لرسائل النور، لكنهم عَزَوها إلى أحدِ ممثِّلي هذا الشخص المعنوي.. إلى أخيهم هذا الذي سَمَّوه "الأستاذ"، فهم نظروا إلى ما حَصَل لبلدهم على أنه حدثٌ عمومي، فعَمَّموه، فبدا في صورةِ حُسْنِ ظنٍّ مُفرِط.
الخامسة: وَرَدَ على الخاطر أن أجزاء رسائل النور كثيرة، ولا يمكن لكلِّ إنسانٍ اقتناؤها رغم حاجته إليها!! وسرعان ما وَرَدَ الجواب ممثَّلًا في مجموعةِ "حجة الله البالغة".
نعم، يمكن أن تُستخلَص من رسائل النور مجموعاتٌ كثيرةٌ، كلٌّ منها بمثابةِ رسائلِ نورٍ صغيرةِ الحجم قويةِ التأثير، وبهذا يمكن أن تصل إلى كلِّ محتاج.
وأذكر بهذه المناسبة ذيول "الكلمة الخامسة والعشرين"، ولَدَيَّ الآن منها أربعُ نُسَخٍ أو خمس، لكنها بدون ذيل؛ وذيلُ النسخة التي أرسلها "المبارَكون" مؤخَّرًا ناقصٌ أيضًا، فإنَّ المقتبَسَ فيها من فهرس "الرموزات الثمانية" تَنقصُه أجزاءُ مهمةٌ، كإشاراتِ أصابعِ الألِفات الثلاثَ عشْرةَ في سورتَي النصر والكوثر، وكإشاراتِ أيادي ألِفْ لاماتِ التعريف الثلاث عشْرةَ في سورة الفاتحة، وكإشارة سورة القدر.
— 296 —
وقد قرأتُ بالأمس رسالةَ السياحةِ الخياليةِ والسَّيرِ القلبي، في ختام "المكتوب التاسع والعشرين" بخصوص آية: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فتذكرتُ إشارةَ هذه الآية إلى رسائل النور في "الشعاع الأول"، فقلتُ: يَحسُن أن تَدخل هاتان النُّكتتان النوريتان في ذيول "المعجزة القرآنية"، وتَدخل معهما أيضًا نكتةُ قوله تعالى: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ مع حُجَّتها وحاشيتِها، فإن رأيتم ذلك مناسبًا فلتُكتَب، وإن وجدتم قطعةً أخرى مُهمةً حول نُكات إعجاز القرآن فلكم أن تُلحِقوها بها كذلك.
السادسة: أُهنِّئكم من صميم روحي بليلةِ الرغائب، وبالشهور الثلاثة المباركة التي تنطوي على سِرِّ الفوز بثمانينَ سنةً ونَيِّفٍ من عمرٍ معنويٍّ باق.
قبل يومين أو ثلاثة، أصغيتُ إلى "الكلمة الثانية والعشرين" أثناء تصحيحها، فوجدتُ فيها ذكرًا كُلِّيًّا، وفكرًا واسعًا، وتهليلًا كثيرًا، ودرسًا إيمانيًّا قويًّا، وحضورًا بلا غفلة، وحكمةً قدسيةً، وعبادةً تفكريَّةً سامية، وأمثالَ ذلك من الأنوار، فعَرَفتُ الحكمةَ من نيةِ بعضِ الطلاب العبادةَ في نَسخِهم الرسائلَ أو قراءتِها أو الاستماعِ إليها، وقلت: بارك الله بهم؛ وأيَّدتهم في ذلك.
بينما كنا نكتب هذه المسائلَ الخمسَ أو الستَّ في هذه الرسالة، إذْ وَصلَنا مكتوبُ الحافظِ "عليٍّ" صاحبِ "مصنع النور"، ومكتوبُ "حسن عاطف" الممتازِ بإخلاصه وجِدِّه وفكرِه الدقيق.. إن مكتوبَ الحافظ "علي" يتضمن دليلًا على الدرجة العالية التي تَبوَّأها سِرُّ الإخلاص في طلاب رسائل النور، حتى ظهرتْ فيهم أرفعُ خِصال الإخلاص، كترك الأنانية والتبرؤ من حظ النفس.
وذلك أن الحافظ "عليًّا" يقول في مكتوبه: إن أخانا "خسرو" لا يؤيد طَبْعَ المصحف المُعجِز الذي نسَخَه بقلمه، بل يُفضِّل الانتظار إلى حينِ السماحِ بالطباعة بالحروف المعدنية؛ وهذا دليلٌ قاطعٌ على إخلاصه الفائق وتبرُّئه من حظوظ النفس، فإنه إنْ طُبِع مصحفُه بواسطة التصوير كان كأنما كَتَب آلاف النُّسَخ بيده، إذْ هو خطُّه بعينه، لكنه أبى إلا أن يتنازل عن مقامٍ معنويٍّ لا ضرر فيه، مع عظيمِ ما فيه من ثوابٍ
— 297 —
أخروي، وتقديرٍ معنويٍّ من العالَم الإسلامي، ومالَ إلى الطباعة بالحروف المعدنية، لا لشيءٍ سوى سِرِّ الإخلاص؛ علمًا بأن الأخطاء التي تَعَلَّل باحتمالِ وقوعها في الطباعة التصويرية، يمكن أن تقع في الطباعة المعدنية باحتمالٍ أكبر.
والحاصل أننا نهنِّئ بكلِّ قوتنا إخوانَنا أمثالَ هؤلاء، من جهةِ وصفِ الحافظ "علي" لأخيه النابعِ من إخلاصه، ومن جهةِ تقديره له على إخلاصه الفائق، ومن جهةِ تَخَلِّي "خسرو" عن نصيبٍ جليلٍ باقٍ، فإنه بذلك قد صدَّقني تصديقًا عمليًّا في دعوى كنت أردِّدها منذ القديم، وهي أن طلاب رسائل النور الحقيقيين يرَون الخدمةَ الإيمانيةَ أعلى من كلِّ شيء، وأنهم حتى لو أُعطوا القُطْبية لرجَّحوا الخادمية على القُطبية، لأجل الإخلاص.
وقد تَبيَّنا من رسالة "حسن عاطف" أنه يعمل جاهدًا على أتمِّ وجه، وقد أهدانا تَذكاراتٍ مِن أقلامِ مَن وصَفَهم بی"مجاهدي رسائل النور ورجالاتِها"، فجزاه الله خيرًا، ورضي عنه دائمًا أبدًا.
وقد وجدتُ بين الجُمَل البليغةِ الكثيرةِ التي كَتَبها بعضَ الشِّدةِ على أهل البدعة، لكنَّ الزمان والمكان ومسلكَ رسائل النور الإيجابيَّ البَنَّاء لا يسمح بالانشغال بأهل البدعة فعلًا، ولا فكرًا، ولا ذهنًا، على أن الاحتياط لازمٌ في كل وقت.
وإن أخانا الخالص هذا سيُربِّي هناك كثيرًا من الطلاب الخُلَّص من أمثاله إن شاء الله، ونحن هنا نُشرِك "عاطفًا" وجميعَ رفقائه في دعائنا، وأنا من جهتي أَوَدُّ التواصل معهم بنفسي، لكن ما دامت "إسبارطة" تقوم بهذه الوظيفة على أكمل وجه فإني أُحيل الأمر إليها.
سُرِرنا للتقدير الذي عبَّر عنه الحافظ "علي" في آخر رسالته لكلٍّ من "أحمد" وشقيقه "سليمان"، وهما من أبطال المدرسة النورية السائرين على نهج "خسرو"، والحقُّ أني كنت أتصور طلاب هذه المدرسة النورية في صورةِ طلابِ المدرسةِ الزهراء التي هي غايةُ خيالي منذ القديم؛ وكنتُ أقول: لقد تمثَّل أولئك في هؤلاء، أو إن هؤلاء هم ظهيرُ أولئك.
٭ ٭ ٭