لاحقة قسطموني
— 291 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المجاهدين: "حسن عاطف" ورفقاءَه الصادقين..
أولًا: نهنِّئكم بهذه الشهور الثلاثة المباركة.
لقد تلقَّينا كتاباتِكم وتقبَّلناها بكلِّ سرور، إذْ هي تَذكاراتٌ من أقلامكم، وسَنَداتٌ على ثباتكم ولزومِكم رسائلَ النور؛ وكذلك خطوطُكم فوق صورة خريطة العالَم المشيرةُ إلى تمسُّككم بدينكم وسُمُوِّه على الدنيا؛ وتوقيعاتُكم التي هي بمثابة وثائقَ على ثباتكم في خدمة الإيمان دائمًا؛ فنسأل الله أن يجزيَكم بعدد حروفها حسناتٍ من خزينة رحمته، آمين.
إخواني الأعزاء.. بعد أن شاهدتُ "رسائل الإخلاص" بين ما نسختموه مؤخَّرًا، لم أجد حاجةً إلى مزيدِ درس، فأُحيلُكم على درس هذه الرسائل وأمثالِها، غير أني أُخطِركم بأمر، وهو أنه لما كان مسلكُنا مسلكَ الحقائق الإيمانية، وكان معتمِدًا على سِرِّ الإخلاص، كنا یی باعتبارِ مسلكِنا یی مُلزَمين بترك التدخُّل في الحياة الدنيوية والحياة الاجتماعية لغيرِ ضرورة، ومُطالَبين بالتجرُّد عن كلِّ حالةٍ تدعو إلى التنافس والتحزُّب والتنازع.
فأسفًا وألفُ أسفٍ على أهلِ العلم وأهلِ الدين المساكين، إذْ تهاجمهم اليومَ ثعابين مُرعِبة، وهم منصرفون إلى انتقادِ بعضِهم بعضًا متذرعين بهفواتٍ جزئيةٍ أشبهَ بلَسعات البعوض!! فما أعظم ما يُقدِّمون بذلك من عونٍ للثعابين والزنادقة المنافقين في إفسادهم وتخريبهم، بل في قتل أنفسهم على أيديهم!!
ففي رسالةٍ من أخينا المُخلِص للغاية "حسن عاطف" أن عالِمًا واعظًا كبيرَ السن قام بأمرٍ يَضُرُّ برسائل النور، إذْ أراد التعرُّضَ لها بالقدح في شخصي، وكانت ذريعتُه إلى شخصٍ مسكينٍ مُجلَّلٍ بالعيوب مثلي: تَرْكِي سنةً نبوية، هي اللحية، التي لم أُعفِها لعُذرَين مُهمَّين.
فأولًا: اعلموا وليَعلم ذلك الشخص أني لست سوى خادمٍ لرسائل النور ودلَّالٍ في ذلك المَتجر، أما رسائل النور فتفسيرٌ حقيقيٌّ للقرآن، قد اتَّصَلتْ بالقرآن العظيمِ
— 292 —
المتصلِ بالعرش الأعظم، وأن ما فيَّ من النواقص والعيوب لا يَسْري إليها، وأن ما أرتديه من لباسِ الدَّلَّال البالي، لا يَحُطُّ من قيمةِ ألماسها الباقي.
ثانيًا: بلِّغوا ذلك العالم الواعظ الفاضل سلامي؛ إنني أَقبَل على الرأس والعين ما وجَّهَ إلى شخصي من اعتراضٍ وانتقاد، أما أنتم فلا تدفعوا ذلك الشيخ ولا أمثالَه إلى الجدال والمناظرة، بل حتى لو وقعتْ إساءةٌ فلا تردُّوا على فاعلها ولو بالدعاء عليه، إذْ ما دام في الشخص إيمانٌ فهو أخونا كائنًا من كان، وحتى لو عادانا فلا يمكننا بحسَب مسلكنا أن نقابله بالمثل، إذ يوجد أعداءٌ أخطرُ وثعابين أشدُّ.
ونحن إنما نحمل النور لا الهِراوة، والنورُ لا يؤلِم، بل يُلاطف بضيائه؛ فلا تَستثيروا الأنانيات، لا سيما إن كان المرءُ من أهل العلم، وكانت تأتيه من العلم أنانيةٌ، بل استرشدوا ما استطعتم بقاعدةِ الآية الكريمة: وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا.
ثم إنه ما دام الشخص المسمَّى "حسن عوني" قد دخل من قبلُ في رسائل النور واشترك في كتابتها، فهو إذًا في دائرتها، فسامحوه إن كان عنده خطأٌ فكريّ.
ثم إن هذا الزمانَ العجيبَ يقتضي منا كما يقتضي مسلكُنا وخدمتُنا القدسية: ألَّا ننشغل بمن كان على الإيمان في هذا الزمان العجيب، ولو كان من الفِرَق الضالة، وألَّا نجعل نقاطَ الخلاف مثارَ نقاشٍ وجدالٍ مع مَن يَعرفون الله ويؤمنون بالآخرة حتى لو كانوا نصارى، فما بالكم بأمثال هؤلاء المسلمين المتدينين والمنتسبين إلى الطريقة؟!
وإن طلاب رسائل النور مكلَّفون باتخاذ الوضعِ المُسالِم لكيلا تَظهر في الحياة الاجتماعية والسياسية موانعُ تَحول دون انتشار رسائل النور في العالم الإسلامي.
فإياكم والتعرُّضَ لصلاة الجمعة والجماعة للمشايخ، فإن لم تشتركوا فيها فلا تنتقدوا المشاركين فيها؛ أما قول الإمام الرباني: "لا تدخلوا أماكنَ البدع"، فمَقصَدُه أنه لا ثواب فيها، لا أن الصلاة تَبطل، فقد صلى بعضُ السلف الصالح خلف أشخاصٍ كی"يزيد" و"الوليد"؛ لكن إذا كان المرء يتعرَّض للكبائر في ذهابه إلى المسجد أو عودته منه، فليُصلِّ في مُصلَّاه الخاص.
— 293 —
ثالثًا: يتحدث "حسن عاطف" في رسالته عن أشخاصٍ أُولي ثباتٍ وشجاعةٍ يَصِفهم بالقَبَضايات، ونحن نقبل هؤلاء الإخوة الشجعان الثابتين الجُدُدَ من صميم قلوبنا وأرواحنا؛ لكنَّ الداخلين إلى دائرةِ رسائل النور إن أرادوا لشجاعتهم أن تَنال قيمتَها الحقيقية، لا بد لهم أن يَصرفوا شجاعتَهم الشخصيةَ إلى عمل حثيثٍ جادٍّ في الثبات والمتانة والتسانُد مع الإخوان، لتتحول هذه الشجاعةُ الشخصيةُ الشبيهةُ بحطام زجاج، إلى ألماسِ التضحية في سبيلِ الوفاء للحقيقة.
نعم، إن أعظم أساسٍ في مسلكنا بعد الإخلاصِ التامِّ هو الثباتُ والمتانة؛ وثمة وقائعُ كثيرةٌ تُثبِت أن أمثال هؤلاء من أهل المتانة قد وُفِّقوا في هذه الخدمة النورية توفيقًا بحيث يَعدِل الواحدُ منهم مئةً، فتجد أحدَهم شخصًا عاديًّا لم يبلغ الثلاثين من العمر، لكنه من حيث المتانة قد تَفوَّق على أولياءَ في سنِّ الستِّين أو السبعين.
ثم إنه إنْ كانت شجاعةُ الرجل حسنةً له وحدَه، فإنه بعد أن ينضم إلى جماعةٍ متساندة، ليس له أن يستعمل شجاعتَه الشخصيةَ هذه، بل ينبغي له السَّير بِسِرِّ الحديث الشريف: «سيروا على سَير أضعفكم» ، حفاظًا على راحة الجماعة، ودَرْءًا للقَلاقل عنها.
ثم إنه لا ينبغي لطلاب النور أن يجعلوا من مسائل القبعة الإفرنجية والأذان، وأوصافِ الدجال والسفياني، محلَّ بحثٍ ونزاعٍ مع الغرباء بغير لزوم، فإن ذلك يعود بضررٍ كثيرٍ في هذه الأوضاع المشوَّشة، ويدفع المشايخَ وأهلَ السياسة لمجابهة رسائل النور والاعتداءِ عليها؛ فاللازمُ لطلاب رسائل النور اجتنابُ ذلك، والاحتياطُ ألزم، والمحافظةُ على ضبط النفس واجب، حتى إن أدنى تقصيرٍ في الاحتياط لديكم، ينعكس أثرُه علينا هنا.
إن رسائل النور ليست دائرةً واحدة، بل لها طبقاتٌ كالدوائر المتداخلة، فمِن طبقاتها: الأركان، والأصحابُ الحَمَلة، والخواصُّ، والناشرون، والطَّلَبة، والمُوالون.
وليس يَلزم لمن لم يكن لائقًا بدائرةِ الأركان أن يُنبَذ خارجَ دائرة رسائل النور إلا أن يكون مواليًا لتيارٍ يعارضها؛ وكذا مَن لم تكن فيه خاصيةُ الخواص، فإنه يمكن
— 294 —
أن يكون طالبًا لرسائل النور ما لم يكن داخلًا في مسلكٍ مضادٍّ لها؛ بل يمكن لمن كان عاملًا ببدعةٍ أن يكون صَديقًا مواليًا لرسائل النور ما دام لا يوالي البدعةَ قلبًا.
فلهذا لا تُخرِجوا أحدًا من دائرة رسائل النور لخطأٍ يسيرٍ فيَلتحقَ بصفوف العدو، لكنْ لا بد في المقابل من عدم تشريكه في التدابير الدقيقة والشؤون الخاصة لدى أركان رسائل النور وحَمَلتها.
٭ ٭ ٭