— 286 —
إخواني الأعزاء الأوفياءَ، المتيقظين الصَّميميِّين، المتَّحِدين المباركين..
أنا أيضًا أهنِّئكم أنْ أفشلتم دسائسَ الشيطان الإنسي والجني، وفقكم الله في هذه الخدمة النورية دائمًا، آمين؛ ورضي عنكم أبدًا، آمين.
إنني حين كنتُ في "بارلا" احتجتُ في وقتٍ ما إلى تنظيمِ ونَسخِ الشجرة الكُلِّية الجامعةِ للطُّرُقِ كلِّها، فتوفَّر على هذا العمل آنئذٍ كلٌّ من الحافظ "علي" و"خسرو" فقاما به؛ ومنذ ذلك الحين قام لدي أملٌ ورجاءٌ قويٌّ أن يقوم هذا الفاضلان بخدمةٍ جليلةٍ لرسائل النور في قادم الأيام، إذْ هما كالعينَين في الرأس، لهما نظرتان، ورؤيتُهما واحدة، فلله الحمدُ بلا حدٍّ أن أملي قد تحقَّق منذ ذلك الحين وما يزال، وقد تحقَّق الآن تمامًا.
— 287 —
إخواني.. لا تستعظموا كثيرًا ما يقع منكم من هفوات، فإني أعتقد أنه ما كان لطلاب رسائل النور في "إسبارطة" وما حولها أن يحافظوا على اتفاقهم ووَحدتهم وجِدِّيتهم في الخدمة في هذا الزمان العجيب الذي يَموج بآلافِ أسبابِ الفساد والإفساد، لولا ما يَتحلَّون به مِن فائقِ الوفاء والثبات والأُخُوَّة والإخلاص والبطولة؛ ولستُ وحدي أرى ذلك، بل أحسَب أن كلَّ مُطَّلعٍ على الحقيقة يُصَدِّق هذا.
إنكم في خِضَمِّ هذه الأحداث العاصفة، لم تكتفوا بمجردِ حمايةِ رسائل النور من عوارض الخمود والانطفاء، بل زدتموها تألُّقًا وسطوعًا حتى نوَّرتمونا وأثَرْتُم فينا الهمة والنشاط؛ وأُنوِّه خصوصًا بالجهد المبذول لرسائل النور تحت وطأة هذا البلاء الشديد، حيث شَمَّرتِ السواعدُ تعمل بِهِمَّةٍ عظيمةٍ ورغبةٍ تامةٍ إبَّانَ فصلِ الربيع وموسمِ الغفلة العامة واستيلاءِ هموم المعيشة، وليس هذا في الحقيقة إلا عنايةً إلٰهية، فهنيئًا لكم من صميمِ قلوبنا وأرواحنا.
الأبطال الستة المُتَّحِدون الذين جرَّدوا أقلامهم للعمل لرسائل النور، هم روحٌ واحدةٌ في ستة أجساد، وأنا أعُدُّهم ستةَ "سعيدين جُدُد"، كما أعُدُّ الواحدَ والعشرين أخًا من إخواني بمثابة واحدٍ وعشرين كی"عبد الرحمن" و"عبد المجيد"، وأسأل الله تعالى أن يجزيهم خيرَ الجزاء يوم الحشر والميزان، فيَجعل كلَّ درهمٍ من مِدادهم الأسودِ المنير بقيمة مئةِ درهمٍ من دماء الشهداء، مِصداقًا لِنَصِّ الحديث الصحيح؛ آمين.
سَرَّني أن "محمدًا النَّقَّاش" و"باباجان" وارثَ "عاصم" على قيد الحياة وفي خدمة رسائل النور.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
الحقيقة أن وفاة "محمد زهدي رحمه الله" خسارةٌ كبيرةٌ لرسائل النور، ولكنْ حمدًا لله بلا حدٍّ أن هذا الرجل الفاضل المبارَك قدَّم لرسائل النور خدمةً كثيرةً في مدةٍ يسيرة، فقد
— 288 —
أتمَّ في ثماني سنين أو عَشْرٍ وظيفتَه النوريةَ التي من شأنها أن تَستغرق أربعين أو خمسين سنةً.
إنه بخدمته الفائقة هذه يعيش معنًى بيننا وفي دائرتنا بأبهى صورة، إذْ لم يَمُت من جهة الحسنات، بل لا يزال تُكتَب في صحيفةِ أعماله حسناتٌ كثيرةٌ بلا انقطاع؛ حتى إنني مثلما كنتُ مِن قبلُ أُشرِكه في مكاسبي المعنوية، باسمه الصريح أحيانًا، وباسم طلاب رسائل النور أحيانًا كثيرة، وأُشرِك أيضًا والدَه المرحوم الذي وَهَبه لرسائل النور، فإني الآن أُشرِكُه فيها باسمه الصريح، وربما بلغ ذلك خمسين مرةً في بعض الأيام؛ إذًا فمَكاسبُ حياته قد زادت.. أَحسَن الله إلى أهله وذويه بالصبر الجميل، وجاد عليه بالمغفرة التامة؛ آمين.
لقد وَهَبَنا هذا الرجلُ المبارَكُ قلمَه، وكنتُ قَبِلْتُه في مقام "عبد الرحمن" و"عبد المجيد"؛ فنحن نَعُدُّه كأنْ لم يمُت، ونَعُدُّ قلمَه بمثابةِ القائم على عمله دائمًا.
إن هذا الرجل الفاضل المبارَك الذي كان يُعلِّم في بيته نحو مئتَي طفلٍ القرآنَ الكريمَ ورسائلَ النور، هو كی"عبد الرحمن" تمامًا، إذْ أدَّى وظيفةَ عُمُرٍ طويلٍ في زمنٍ قليل، فأتمها سريعًا وارتحل.
والكلمة المُشرِقة التي كتبها في حقِّه أخونا الكاتب "عثمان" قد دخلت في "المَلاحق"، فإنها لائقةٌ بهذا الرجل الكريم حقًّا، وسيَظهر في "إسبارطة" كثيرون ينهَجون نهجَه، فيُنسوننا هذا الأسى إن شاء الله.. بلِّغوا أمَّه وأبناءَه تعزيتي.
طالعتُ الرسالة الهامة التي بعث بها طالبٌ في غاية الأهمية من طلاب رسائل النور، هو "خُلوصي بك".. والحقُّ أن أخانا هذا محافظٌ دائمًا على المرتبة الأولى التي يتبوؤها، وأَعلم أنه دائمًا على رأسِ عمله في رسائل النور لا يُفارق القلمُ يدَه، وهو في جميع مراسلاتي مخاطَبٌ في الصف الأول؛ وإنَّ رسائل "المكتوبات" التي كُتِبتْ جوابًا عن أسئلته، والرسائلَ الصادقةَ التي يكتبها هو، قد أَدخَلتْ وما تزال تُدخِل كثيرًا من الناس في دائرة رسائل النور، فهي تعمل بالنيابة عنه.
— 289 —
وهو ليس بعيدًا عنا، بل نكون معًا مراتٍ كثيرةً في اليوم كما يقول، فلم ينقطع تواصُلُنا أصلًا، وإني حين أتحدث إليكم أجد "خُلوصي" حاضرًا بينكم؛ وكما يكلمني "صبري" نيابةً عنه، فليكلمه كذلك بالنيابة عني.
ونُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا.
٭ ٭ ٭