لاحقة قسطموني
— 282 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
الاحتياط حَسَنٌ في كلِّ وقت، ويكفي أن سيدنا عليًّا رضي الله عنه يوصينا به.
وبهذا الخصوص فقد وقعتْ في الشرق حادثةٌ جديدةٌ مؤخَّرًا، إذْ تَداولَ الناسُ هناك وصيةً تَحُثُّ على الدين تُسمى الوصية النبوية، وتُنسَب إلى الشيخ أحمد خادمِ الحجرة النبوية المشهورِ منذ القديم، أذاعها هناك أحدُ المشايخ بواسطةِ أتباعه وخلفائه؛ وقد دفعتْ هذه الحادثةُ أخانا البطلَ العاملَ هناك "صلاحَ الدين" إلى الاحتياط، حتى اضطر إلى التوقف صونًا لتيار رسائل النور أن يُرى له اشتراكٌ مع تياراتٍ قد يكون لها صلةٌ بالسياسة، إذْ رسائلُ النور لا تتنزل للسياسة، بل هي فوق السياسات كلِّها، وقد
— 283 —
أتانا اليومَ متوجِّهًا إلى أنقرة في مهمةٍ تستمر خمسةَ أشهر، فدخل وراءَه مُخبِرٌ كان يَتْبعُه، فقلتُ لهذا الجاسوس بعدما قام "صلاح الدين":
إن رسائل النور ونحن تلاميذَها الذين يتعلمون منها ويتلقَّون الدرسَ التام، ما اتخذناها ولا يمكن أن نتخذها وسيلةً للسياسة الدنيوية، بل ولا للدنيا بأسْرِها؛ نحن لا نتدخل في دنيا أهل الدنيا، وتَوَهُّمُ الضررِ منا ليس سوى جنون.
فأولًا: لقد مَنَعَنا القرآنُ من السياسة، صونًا لحقائقه النفيسة كالألماس أن تَنْحَطَّ في نظرِ أهل الدنيا إلى دَرَكةِ حُطامِ زجاج.
وثانيًا: يَمنعُنا من السياسة أيضًا الضميرُ والوجدانُ، والشفقةُ والحقيقة؛ لأنه إنْ كان المنافقون الملحِدون المستحِقُّون للصفعات اثنين من عشرة، فإنه يرتبط بهما سبعةٌ أو ثمانيةٌ أبرياءُ ومساكينُ وأطفالٌ وضعفاءُ ومرضى وشيوخ، فإذا نزل البلاء وحَلَّت المصيبة، تَضرَّر هؤلاء الأبرياء، ولم يَلْحَق ذَينِك المنافقَين الملحدَين إلا ضررٌ يسير.
ولهذا فإن الشَّفَقةَ والرحمةَ والحقَّ والحقيقةَ التي تنطوي عليها رسائلُ النور قد مَنَعتْ تلاميذَها من الدخول في السياسة بأسلوبِ الإخلال بالإدارة والأمن والنظام، فضلًا عن أن حصولَ النتيجة أمرٌ مشكوكٌ فيه.
ثالثًا: إن هذا الوطنَ، وهذا الشعبَ، وأهلَ الحكومة في هذا الوطن بأيِّ شكلٍ كانوا، حتى لو كانوا أعتى الملحدين، هم بِأمَسِّ الحاجة إلى رسائل النور، ويتوجب عليهم تأييدُ مبادئها المتمسِّكة بالدينِ والحقِّ بدلًا من مُعاداتِها أو التخوُّفِ منها، إلا أن تكون خيانةٌ كُلِّيةٌ للشعب والوطن والحاكمية الإسلامية؛ ذلك أنه لا بد لهذا الوطن والشعب من خمسةِ أُسُسٍ ضروريةٍ لازمةٍ تَحفظ حياتَه الاجتماعيةَ والسياسيةَ من الفوضى المتمردة والأخطار العظيمة.
فأولُها: الرحمة، وثانِيها: الاحترام، وثالثُها: الأمن، ورابعُها: معرفةُ الحلال والحرام واجتنابُ الحرام، وخامسُها: الالتزام بالنظامِ وتركُ التسيُّب.
— 284 —
إذًا، فرسائلُ النور عندما تتناول شؤونَ الحياة الاجتماعية تُؤَمِّن هذه الأُسس الخمسة، وتُرسي ركيزةَ الأمن وتُمكِّن له، فليَعلمِ الذين يتعرضون لها أن تَعَرُّضَهم معاداةٌ للشعب والوطن والأمن، وخدمةٌ للفوضوية المتمردة المدمِّرة.
قلتُ خلاصةَ هذا الكلام للجاسوس، وقلتُ له: اُنقلْه لمن أرسلوك، وقل لهم أيضًا: إن هذا الرجل لم يراجع الحكومةَ یی في أمرِ راحته یی مرةً طَوالَ ثماني عَشْرةَ سنة، ولم يتابع خبرًا عن الحرب التي جَعَلتِ العالَم في هَرْجٍ ومَرْجٍ منذ واحدٍ وعشرين شهرًا، ولم يَقبَل أن يقيم علاقةَ صداقةٍ مع شخصياتٍ مهمةٍ في مناصبَ رفيعةٍ بل استغنى عنها.. فأيُّ معنى لتخوُّفِكم وتوجُّسكم منه ومضايقتِكم له بالمراقبة والترصُّد تحسُّبًا من احتمال تدخُّله بدنياكم؟ أيُّ مصلحةٍ تقتضي ذلك؟ أم أيُّ قانونٍ يَسمح بذلك؟ ألا إنه حتى المجانين لَيَعْلمون أن التعرض لهذا الرجل جنون!!
قلتُ للجاسوس هذا الكلام، ثم قام وانصرف.
نُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا، خصوصًا الأركان والقائمين على الطباعة، وخصوصًا ناشري "الحزب النوري": الحافظ "علي" والبطل "طاهري" والحافظ "مصطفى" ورفقائهم.
٭ ٭ ٭