— 274 —
المسألة الثالثة: وهي مسألةٌ دقيقةٌ كُتِبتْ تنبيهًا لأحد إخواننا لعدم رؤيته تقصيرَه، نُرسلها إليكم علَّها تنفعكم.
وهي أني في زمنٍ ما وَجَدتُ من بعض الأولياء العِظام الذين نجَوا من نفوسهم الأَمَّارة، وَجَدتُ منهم مجاهداتٍ نفسيةً شديدة، وشِكاياتٍ من النفس الأمَّارة؛ فكنتُ أَحارُ في هذا كثيرًا، ثم وَجَدتُ بعد زمنٍ طويلٍ أن هنالك نفسًا أَمَّارةً أخرى معنويةً غيرَ دسائسِ النفس الأَمَّارة، هي أشدُّ منها وأعصى وأكثرُ إدامةً للأخلاق السيئة، وهي ناشئةٌ عن خليطٍ من الهَوَس والنوازع والأعصاب والحِسِّيات والطبائع، وهي الحصنُ الأخيرُ للنفس الأمَّارة، وهي التي تتولى وظيفتَها السيئةَ بعد تزكيتها، وتستدعي دوامَ المجاهدة إلى آخر العمر.
فأدركتُ أن أولئك الأكابر المباركين لم يَشْكوا من النفس الأَمَّارة الحقيقية، بل من نفسٍ أَمَّارةٍ مَجازية، ثم وجدتُ الإمام الربانيَّ يُخبِر كذلك عن هذه النفس الأَمَّارة المَجازية.
ولما كانت هذه النفسُ الأَمَّارةُ الثانيةُ تنطوي على حِسِّياتٍ عَمْياءَ بَهْماء، لم تكن لتُصغيَ إلى كلام العقل والقلب أو تَفهَمَه حتى تَصْلُحَ به وتُدركَ عيبَها، ولهذا فليست تَرعوي إلا بالصفعات والآلام، أو بتضحيةٍ تامةٍ يَبذل فيها المرء كلَّ أحاسيسِه فداءً لمَقصَده، ويتخلى عن أنانيته وعن كلِّ شيءٍ كأركان رسائل النور.
ولقد حصل في هذا الزمان العجيب أن تَوافَقتْ هاتان النفسان الأَمَّارتان الحقيقيةُ والمَجازيةُ بتلاقُحٍ رهيبٍ، حتى بات المرءُ يُقدِم راغبًا على ارتكابِ سيئاتٍ وآثامٍ تَغضَب منها الكائنات.
— 275 —
حتى إني من جرَّاء هذا كِدتُ أُفوِّت على نفسي حسنةً جليلةً لأجلِ ضِيقٍ تافهٍ لم يَستغرق مني دقيقةً واحدة.
وحتى إني في أثناءِ مجاهدةٍ معنويةٍ كبيرة، قدَّم أحدُهم لي عونًا كبيرًا كأنما قَصَف جبهةَ أعدائي بمدفعيةٍ ثقيلةٍ ففرَّق جَمعهم في دقائق، فإذا بهاتَين النفسَين الأَمَّارتَين تنتهزان فرصةَ غفلةٍ طارئة، فتَهِيجان بأحاسيسَ ظالمةٍ مُظلِمةٍ كالعُجب والمَيل إلى التفوق، وإذا بي بدلًا من الشكر والعرفان أشعر بأقبح نوازع الرياء والحسد تقول: لِمَ لَمْ أرمِ القذائف أنا؟
فشكرًا لله تعالى لا يتناهى أنَّ رسائل النور، خصوصًا رسالتَي "الإخلاص"، أزالت دسائس هاتَين النفسَين جميعَها، وضمَّدت الجراحاتِ التي خَلَّفَتاها، كما أزالتْ تَينِك الحالتَين من فورهما؛ فعَرَفتُ عيبي وتقصيري، وهذه المعرفةُ استغفارٌ معنوي، ونجَوتُ من الألم والعذاب الذي هو عقابٌ معجَّلٌ على ذلك الخطأ.
أُسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا.
٭ ٭ ٭