— 272 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لما كان "الحزب النوريُّ" ينطوي على عبوديةٍ كُلِّية، ويتضمَّن سِرَّ "تَفَكُّر ساعةٍ"، فإني قد شاهدتُ لِتَوِّي أمارةً قويةً على هذا؛ وذلك أني بينما كنتُ أقرأ اليوم قسمًا منه وقسمًا من "الجَوشن الكبير"، إذْ رأيتُ أن "الحزبَ النوريَّ" و"الجَوشنَ الكبير" و"رسائلَ النور" تُنوِّر الموجوداتِ كلَّها بأنواعِها وعوالمِها من أولها إلى آخرِها، فتُبدِّد عنها غَياهِبَ الظلمات، وتُمزِّق حُجُب الغفلة والطبيعة مِزَقًا، وتَهتِك الأستارَ التي يريد أهلُ الغفلة وأهلُ الضلالة الاختباءَ خلفَها؛ وشاهدتُها تَحْلِجُ الكائناتِ بأنواعها حَلْجَ القُطن، وتُمَشِّطها بالأمشاط، فتُجلِّي أنوارَ التوحيد من وراءِ أوسعِ وأبعدِ حجابٍ للكائنات غَرِق فيه أهلُ الضلالة.
وهذا نظيرُ ما رأيتُ بالسياحة القلبية عند بيانِ آيةِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أواخِرَ "المكتوب التاسع والعشرين"، فقد رأيتُ أن كلَّ اسمٍ إلٰهيٍّ يُنوِّر عالَمًا في هذا الكون ويُبدِّد عنه الظلمات.
ومن الأمثلة على هذا أن درويشًا نَقْشيًّا قرأ قبل يومَين "نُكتة اسم الحَكَم"، فلم يَفهم وجهَ تطبيقِ مبحثِ الشمس والمنظومة الشمسية على مسلك رسائل النور، وقال واهِمًا: إن هذه النُّكتة تتحدث عن هذه المسألة حديثَ الفلكيين وأهلِ العلوم الطبيعية!! ثم قُرِئتْ عليه عندي فتنبَّه وقال: هذه مختلفةٌ تمامًا.
إذًا فهي تأتي إلى أوسعِ وأبعدِ حجابٍ يمثِّل لأهلِ العلوم الطبيعية نقطةَ استنادٍ ومَنشأَ غفلةٍ، فتُجَلِّي من ورائه نورَ الأحدية، فهي تلاحِق أعداءَها إلى أبعدِ نقطة، فتُدمِّر آخرَ معاقلِهم، وتُبيِّن طريقًا إلى الحضور؛ فإنْ لجأ العدوُّ إلى الشمس قَرَعَتْ رأسَه قائلةً: إنها مدفأةٌ وسِراج، فمَن الذي يُمِدُّها بحَطَبها وزَيتِ إضاءتها؟ فاعلم وتنبَّه.
ورأيتُ أنها تَعرِض الكائناتِ بأسرها كأنها مرايا تُجلِّي مَظهريَّتَها للأسماء الإلٰهية، بحيث لا إمكان للغفلة، ولا شيءَ يمنع من الحضور؛ إنها لا تَسلُك سبيلَ نفيِ الكائنات أو نسيانِها واستبعادِها بغيةَ تحصيل الحضور الدائم كما يفعل أهلُ الطريقة
— 273 —
والحقيقة، بل هي تُنيلُ مرتبةَ حضورٍ رَحبةً على امتداد الكائنات، وتفتح دائرةَ عبوديةٍ كُلِّيةً دائمةً واسعةً سَعَةَ الكائنات.
ثمة مزيد، لكنْ هذا ما أُمْلِيَ الآن.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
وصلتْني مؤخَّرًا ثلاثُ رسائل مُهمةٍ بَعَثَ بها كلٌّ من الحافظ "علي" و"خليل إبراهيم" و"عبد الله" وارثِ "لطفي".
يُبدي الحافظ "عليٌّ" في رسالته الأسفَ للأخطاء الواقعة في "الحزب القرآني" و"الحزب النوري"، فلْيَعلم قطعًا أن هذين الحزبَين اللَّذَين طُبعا بجهوده وجهودِ أخوَيه "طاهري" والحافظ "مصطفى" هما نصرٌ نوريٌّ باهرٌ في هذا الزمانِ والظروفِ الصعبة، وهما بابُ أجرٍ جزيلٍ يُسجَّل في صحائفِ أعمالهم، فما قرأَ أحدٌ فيهما إلا كان لهم نصيبٌ من الأجر، على أن الأخطاء كانت أقلَّ بكثيرٍ مما توقَّعنا، وقد صحَّحناها بسهولة، ووَصلتِ النُّسَخُ إلى الأيدي التي تليق بها.
أما توصيفُ "خليل إبراهيم" لرسائل النور وتمثيلُه لها في رسالته فهو في غاية العذوبة والجمال والتطابق، وقد وقع عندنا موقعًا أدبيًّا ناصعًا لصدوره عن إخلاصِه الصميم وقناعتِه الراسخة، فسنُدرِج القسم المتعلق منه برسائل النور في "المَلاحق"؛ والحقيقةُ أننا لا تُخامرنا شبهةٌ في أنه ركنٌ مهمٌّ وثابتٌ ودائمٌ من أركان رسائل النور، فبلِّغوه ورُفقاءَه سلامي، خصوصًا "إينجه محمد"، وبلِّغوهم أنهم شركاءُ في مكاسبنا المعنوية، وفي دعواتنا الخصوصية كلَّ يوم.
وأما رسالة "عبد الله"، وهو وارثٌ حقيقيٌّ جِدِّيٌّ من ورَّاث المرحوم "لطفي"، فقد سُررتُ كثيرًا بسلام إخواننا ذوي العلاقة برسائل النور، وفي مقدمتهم "طاهري" ووالدُه و"علي" و"وَهبي" و"شُكري" و"مصطفى" و"محمد" و"حسين" و"محمد"
— 274 —
و"حقي" و"زُهدي الكبير" ذو المكانة المرموقة العريقة في رسائل النور، وأنا كذلك أُسلِّم عليهم وأدعو لهم وأطلب منهم الدعاء؛ أما الأسئلة التي سألها في رسالته هذه فإن ذهني مشغولٌ في هذه اللحظة بمَوضعٍ آخَر، ولا يستطيع النظر في جوابها.
.......