لاحقة قسطموني
— 269 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
حمدًا لله بلا حَدٍّ أنْ جَعَل ولايةَ "إسبارطة" جامعًا أزهرَ ومدرسةً زهراءَ كانت غايةً لخيالي منذ القديم.
إن أقلامكم التي نَسَخَتْ في زمنٍ يسيرٍ كلَّ هذه النُّسَخِ المُتقَنةِ المتوافقةِ لن تَدَعَ رسائلَ النور محتاجةً إلى المطبعة؛ ثم إنها تُصَدِّق دعوى ادَّعيتُها صباحَ اليوم، فلما كانت الظهيرةُ وجاء "أمينٌ" بهديتكم الجميلةِ الحلوةِ كفاكهة الجِنان، تَحقَّق لدعوايَ أتمُّ برهان.
والدعوى أنني قلتُ: مثلما أن الحقائق الإيمانية التي تَخدُمها رسائلُ النور هي فوقَ كلِّ شيء، فإن الحاجةَ إلى هذه الحقائق في هذا الزمان هي أشَدُّ من كلِّ شيء؛ ولكنَّ الملحدين الذين أماتوا قلوبَهم، ودَلَّلوا بالهَوسات نفوسَهم، يُنكرون درجةَ
— 270 —
الحاجةِ إلى الحقيقة التي في الإيمان، ويتَّهمون أهلَ الدين وأهلَ العلم بأن ما يُحرِّكُهم ويَدفعُهم ليس سوى المقاصدِ الدنيوية وحاجاتِها؛ ويالَه من اتهامٍ ظالمٍ متعسِّفٍ يعتدون به عليهم!!
وليس يُسكِت هؤلاء الملحدين التُّعساءَ الأشقياء، إلا رجالٌ مُضَحُّون أربابُ بَذلٍ وفداء، يُثبِتون عمليًّا وبصورةٍ ماديةٍ ملموسةٍ أن أهمَّ مشاغل الدنيا، بل أكبرَ أضرارها وخساراتها، لا تُسكِت حاجتَهم إلى الحقائق الإيمانية.. فهل يوجد رجالٌ كهؤلاء؟
نعم، هاهي "إسبارطة" وما حولَها، وهاهم الرجالُ أربابُ الفُتوَّة والمجاهدون في "صَنْدِقْلي" الذين رجَّحوا رسائلَ النور وقدَّموها على كلِّ ما سواها طَوالَ أربعة أشهر.
ولم ألبث بعد دعواي هذه ساعتَين حتى جاءني "أمين" المسمَّى "رحمةُ الله" على نحوٍ غير متوقَّع، ومعه صندوقان هما خيرُ حجةٍ لدعواي.
رسالة أخينا الكاتب "عثمان" صارت بلسمًا لهمومي الكثيرة المختلفة، أسأل الله تعالى أن يُخرِّج آلافَ الطلابِ من أمثاله في تلك المدرسة النُّورانية؛ آمين.
أما ذهابُ "عاطف" إلى منطقة "صَنْدِقْلي"، والنجاحُ والتوفيقُ الذي تحقَّق له، فلم يَسُرَّنا وحدَنا فحسب، بل سَرَّ الملائكةَ الكرام؛ وستُسمَّى قرية "عرفان" مدرسةً نوريةً بإذن الله، على أني أشعر أن الإخلاص الذي يتحلى به "عاطف" سيؤتي مثلَ هذه النتيجة.
نبعث بعاطر التحية والسلام إلى هيئات "الوَرْد" و"النور" و"المباركين" و"المدرسة النورية" و"الأبرياء الصِّغار" و"الشيوخ الكبار"، وندعو لهم بالسلامة.
وصَلَتْنا هذه الحَلوى فكانت حُلوةً من خمس جهات، إذْ ذَكَّرتْنا بالحلوى التي بَلغتْ بركتُها درجةَ الكرامة، وذَكَّرتْنا بی"حاجي حافظ" المبارَك الذي أهداها قبل ثلاث عشرة سنةً في "بارلا"، أسأل الله تعالى أن يُكرمكم بكلِّ حبةٍ منها آلافًا من حَلوى الجِنان في الجنة؛ آمين.
٭ ٭ ٭
— 271 —
أخي العزيز "خسرو"..
أسأل الله تعالى أن يغفر للمرحومة، وأن يُحسِن إليك وإلى أولادها بالصبر الجميل.. إنني كذلك لي نصيبٌ في مأتَمِكم، وقد شاركتُك في بكائك وفي رسالتك الباكية.
نعم، وأنت مثلي تنقطع علاقتُك بالدنيا من جهتَين، وهذا هو اللازم؛ فما ينبغي لفدائيٍّ من فدائيي رسائل النور مثلِك أن تكون له علاقةٌ أو يُنشئ علاقة، فإنْ كان ذا علاقةٍ لَزِمَه ثباتٌ وإخلاصٌ فوق العادة، ومع ذلك فقد يتزعزع في غَمرةِ بعض العوارض، فلا يستطيعُ القيامَ بالتضحية والفداء على الوجه الأتم.
والحقُّ أن الأبطال في تلك النواحي مُستَثْنَون، فليسوا تُثبِّطهم العلاقات ولا تُزعزعهم، لكن لا بد للبعض یی كی"خسرو" و"سعيد" و"عاطف" وأمثالِهم یی ألَّا تكون لهم علاقةٌ كليًّا.
لقد كانت المرحومة شريكةً في مكاسبنا المعنوية منذ عشر سنين، أدعو لها في دعائي لخواصِّ طلابِ رسائل النور نحوَ مئةِ مرةٍ في اليوم، وأخُصُّها بالذكر في دعائي عند الفجر، والأمر كذلك بعد وفاتها، فنَخُصُّها بالذكر في أدعيةٍ خصوصيةٍ كثيرةٍ كلَّ يوم.
أخي العزيز "خسرو".. أريد الحديث إليك كثيرًا، لكن وقتي الآن ضيقٌ لدرجةِ أني امتنعتُ عن استقبال بضعةِ أصحابٍ جاؤوا لزيارتي وقلتُ لهم بحِدَّةٍ لا داعي لها: لا تَشغلوني؛ وعلى أية حالٍ فإني أبعث إلى إخواننا حولَك بعاطرِ السلام مع بالغ الشوق والحنين، وأدعو لهم بالسلامة، وإنَّ إخوانك هنا يُبلِّغونك تعازيَهم، ويسلِّمون على إخوانهم مع وافر الحرمة والتقدير.
٭ ٭ ٭