لاحقة قسطموني
— 264 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاء..
بمناسبة "النُّكتة الإعجازية في سورة العصر"، ولأن النُّكتة القرآنية مهما تكن جزئيةً أو صغيرةً فهي جليلةُ القدر، إذْ مُتعلَّقُها القرآن، وَرَد خاطرٌ أن أُبيِّن لكم اليومَ نُكتةً من سورة الفيل، هي شعاعٌ صغيرٌ من الإشارات القرآنية يُسلِّط الضوء على زماننا هذا، وهي مُستمَدَّةٌ من طبقاتِ المعنى الإشاريِّ للسورة، اعتمادًا على دستور التوافق؛ وبيانُ ذلك فيما يلي:
إن سورة الفيل إذْ تُبيِّن حادثةً جزئيةً تاريخيةً شهيرة، فإنها یی بمقتضى بلاغة القرآن المعجزِ البيان، المخاطِبِ لعمومِ نوعِ البشر في كلِّ زمان یی تُذَكِّر بحوادثَ كُلِّيةٍ مثلِها أو شبيهةٍ بها، لها في كلِّ عصرٍ أفرادٌ، وتفيد معنًى بحسب كلِّ طبقةٍ من الطبقات الإشارية؛ وبذلك فإن هذه السورة القدسية تَنظرُ إلى عصرنا هذا، فتُعَلِّمه، وتَصفع الأشرار، وتُخبر في طبقةِ المعنى الإشاريِّ عن أكبرِ حادثةٍ في هذا العصر، وتشير إليها كعقوبةٍ على ترجيحِ الدنيا على الدين من كلِّ جهة، وسلوكِ سبيل الضلالة.. نعم تُشير السورةُ إلى ذلك في ثلاثِ جُملٍ تتطابق بحسابِ الجِفْر والأبجد مع زمان الحادثة بعينِه.
فأما الجملة الأولى فهي: تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ.
فهذه الجملةُ القدسيةُ التي تَصِف طائراتِ الأبابيل تُمطِر بالقنابل السماوية جيشَ أبرهة الذي هاجَم الكعبة المعظَّمة، تساوي في مقامها الجِفْرِيِّ ألفًا وثلاثَمئةٍ وتسعةً وخمسين، وبذلك تُشير بالتوافق إلى القنابل والحجارة السماوية المتساقطة على رؤوس أدعياء المدنية الذين رجَّحوا الدنيا على الدين، وأضلوا النوع البشري.
وأما الجملة الثانية، فهي قولُه تعالى: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ.
فكما أن الذين هاجموا الكعبة ومَكَروا لإطفاء نورِها في الماضي، تَلقَّوا صفعةَ عقابٍ بانقلابِ كَيدِهم عليهم، وتَبَدُّدِ سعيِهم في ظلمات الضلال؛ فكذلك الحال مع أهل الضلالة المتكبِّرين المتجبِّرين العاملين باسم الضلالة، الساعين بكلِّ مكيدةٍ ودسيسةٍ وظلمٍ في هذا العصر لهدمِ كعبةِ الأديان السماوية وقِبلتِها، فقد تَلقَّوا
— 265 —
صفعةَ القنابل السماوية عقابًا على تضليلهم وإضلالهم، وهذا ما أشارت إليه كلمة: فِي تَضْلِيلٍ إذْ يساوي مقامُها الجِفْرِيُّ ألفًا وثلاثَمئةٍ وستين.
الجملة الثالثة: وهي: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ.
فإن هذه الجملة القدسية مثلما تُخاطِب بمعناها الصريحِ الرسولَ الأكرمَ (ص) قائلةً: ألم تَرَ كيف حَمى ربُّك وطنَك المبارَكَ وقِبلتَك من الأعداء، إذْ رَدَّهم عن مكةَ المكرَّمةِ والكعبةِ المعظَّمةِ ردًّا خارقًا للعادة، وأنزل بهم صفعةَ عقاب.
فإنها تُخاطِب بمعناها الإشاريِّ هذا العصرَ فتقول: ألم تر كيف يعاقب ربُّك أصحابَ الدنيا الذين يُعادون دينَك وإسلامَك وقرآنَك، ويُعادون أهلَ الحقِّ والحقيقة، فانظر وشاهِد كيف أهوى بالصفعات على هؤلاء الأعداء المتجبِّرين عَبيدِ الدنيا الذين انتهكوا لأجلِ الدنيا المقدَّساتِ والحُرُمات.
وهذا المعنى الإشاريُّ الذي يفيد نزول صفعاتٍ سماويةٍ من نوعِ الآفات السماوية عقابًا على إهانةِ دينِ الإسلام، يوافِق تاريخَ العام (١٣٥٩)، وهو نفسُ المقام الجِفْرِيِّ للجملة، على أنْ يُحسَب بإقامةِ لفظ "أصحاب الدنيا" بدلًا من لفظ "أصحاب الفيل".
(حاشية): السِّرُّ في إقامة لفظ "الدنيا" بدلًا من "الفيل"، هو أن الأعداء في الماضي هاجموا الكعبةَ معتمِدين على هَيبة الفيل المحموديِّ وعَظَمَتِه التي تُثير الرَّوع والفزع، أما اليوم فاعتمَدوا على أساطيل بَحريَّةٍ جبَّارةٍ صنعوها من ثروات العالَم وأمواله وقهروا بها الشعوب، حتى لقد استطاعت أمةٌ يبلغ تَعدادُها أربعين مِليونًا، أن تَستعبِد بهذه الأساطيل الشبيهةِ بالفيل شعبًا من أربعِمئةِ مليون، وأمكن لأدعياء المدنيَّة في أوروبا أن يقضوا على سيادةِ ثلاثِمئةٍ وخمسين مِليونِ مسلم، فقوَّضوا سُلطتَهم في كلِّ جهة، وأخضعوهم لاستبدادهم.. فَعَلوا ذلك لا بمحاسنِ المدنيةِ وخيرِها ومنافعِها، بل بسيئاتِها ورذائلِها وإلحادِها، وتسبَّبوا بهذه المصيبة السماوية، وأفتَوا للقدَرِ الإلٰهيِّ أن يَهويَ بالصفعات على الظالمين السَّفاحين العُتاة عبيدِ الدنيا عقابًا على ظلمهم، ويُكَفِّرَ ذنوب الضحايا المساكين والأبرياء والمظلومين، ويُحوِّلَ حياتهم وأموالهم الفانية إلى آخرتهم، ويجعلَها قَيِّمةً ثمينة.
إنني منذ سنةٍ ونصفٍ لا أعرف شيئًا من أوضاع عَبيدِ الدنيا وأحوالهم، ولا أعرف شيئًا من مُجْريات الحرب العالمية الثانية، ولكنَّ أوضاعهم قبل سنتَين تفسِّر بالتمام معنًى إشاريًّا لهذه السورة القدسية، إذِ الصفعاتُ السماويةُ النازلةُ من طبقة المعنى الإشاريِّ لهذه السورة تهوي على رؤوسهم تمامًا.
— 266 —
التحليل:
تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ: التاءان ثمانُمئة، والراءان أربعُمئة، والميمان مع الباء والحاء والياء مئة، ونونُ التنوين لعدم الوقف خمسون، والهاءُ والجيمُ والألف تِسْع، فالمجموع ألْفٌ وثلاثُمئةٍ وتسعٌ وخمسون.
فِي تَضْلِيلٍ: الضادُ ثمانُمئة، والفاء ثمانون، والتاء أربعُمئة، والياءان عشرون، واللامان سِتون، والتنوين وافَقَ وقفًا فلا يُحسَب، فالمجموع ألْفٌ وثلاثُمئةٍ وسِتون.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ: الراءان مع التاء ثمانُمئة، والفاءان والكافان مئتان، واللامان والميم مئة، والعين والصاد مئةٌ وسِتون، والباءاتُ الأربعُ مع الألِفاتِ الثلاثِ والياء والحاء تسعٌ وعشرون؛ ثم في لفظ "الدنيا" بدلًا من "الفيل" دالان وألِفٌ تساوي تسعًا، والنون خمسون، والياء عَشرٌ، والألِف الأخرى واحد؛ فالمجموع ألْفٌ وثلاثُمئةٍ وتسعٌ وخمسون، فإن لم تُحسَب ألِف الوصل فالمجموع ألْفٌ وثلاثُمئةٍ وثمانٌ وخمسون.
فجميعُ هذا يَختِم بخاتَم التوافق على أزمنةِ هذه الصفعات السماوية بأنواعها، سواءٌ ما كان منها بالتاريخ العربي أو الرومي.
(حاشية): نعم، هذه السورة تُهدِّد بمعنًى إشاريٍّ بأنه إنْ لم يَرتدعِ نوعُ البَشَر ذي الشرور الكثيرة من هذه الصفعة، فينبذوا الشِّرك ويدخلوا في الشكر ويُرضوا القرآنَ، فستُمطِرهم الملائكة بحجارةٍ سماوية.
أُسلِّم على عموم إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم.
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭