— 258 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
تأمَّلتُ في حالِ المساكين الذين يرتجفون تحت وطأة هذا الشتاء القارس، وشتاءٍ آخَرَ معنويٍّ بائس، وشتاءٍ سِواهما فظيعٍ دامٍ حَلَّ بالحياة الاجتماعية لنوع البشر، فانتابتْني من ذلك مشاعرٌ في غايةِ الحزن والألم، شَفَقةً على بني نوعي ورِقَّةً لأبناء جنسي، لكنْ وكما سَبَقَ أن بيَّنتُ في مواطن كثيرة، سرعان ما تداركتْ قلبيَ حكمةُ ورحمةُ خالقِهم الكريمِ الرحيم، وهو أحكمُ الحاكمين وأرحمُ الراحمين، فقيل لي معنًى:
"إن حزنك الشديدَ هذا هو بمثابة انتقادٍ لحكمةِ الحكيم ورحمةِ الرحيم جَلَّ شأنُه، وإنه ليس في دائرةِ الإمكان رأفةٌ أعلى من الرحمة الإلٰهية، ولا حكمةٌ أكملَ من الحكمة الربانية؛ فتَفكَّرْ في أن العصاة سينالون جزاءَهم، وأن الأبرياء والمظلومين سينالون ثوابَهم مضاعفًا عشرةَ أضعافِ ما لاقوا من مأساتهم.. إن الحوادثَ التي تقع خارجَ دائرة اقتدارك يجب أن تَنظر إليها من زاويةِ رحمتِه وحكمتِه وعدالتِه وربوبيتِه سبحانه"؛ وبهذا تخلَّصتُ من آلامِ شَفَقةٍ لا داعي لها.
وحين كنتُ أجول بين العشائر قبل ثلاثين سنةً سُئِلت: إننا نجد الناس، بل كبارَ الفضلاء والأولياء يَشتكون من الفَلَك والزمان، أفلا تكون الشكوى من الزمان والدهر اعتراضًا على بدائعِ صَنعةِ الصانع ذي الجلال سبحانه؟!
الجواب: حاشا وكلَّا.. ما هكذا معناها، بل المعنى كأن الشاكي يقول: إن الأمرَ الذي أطلبُه، والشيءَ الذي أَرغبُه، والحالَ التي أشتهيها، لا ينسجم مع ماهيةِ العالَم المُنظَّم بدستورِ الحكمةِ الأزلية، ولا يَسمح به قانونُ القَدَرِ المنقوشِ بفَرْجارِ العناية الأزلية، ولا يوافق طبيعةَ الزمانِ المطبوعِ بمطبعةِ المشيئة الأزلية، ولا ترضاه الحكمةُ الإلٰهيةُ المؤسَّسةُ على المصالح العمومية، فلهذا لا يَقطِف عالَمُ الإمكانِ هذا من يد الفيَّاض المطلَق الثمراتِ التي نطلبها بهندسةِ عقولنا وشهوةِ أهوائنا، بل لو أعطتْ يدُه الثمرةَ ما أمكننا إمساكُها، بل لو سَقطتْ ما أمكننا حَملُها.. أجل، وكيف يجوز وَقْفُ دائرةٍ محيطةٍ عظيمةٍ عن حركتها المهمةِ الجليلة، لمجرَّدِ هوى شخص؟!
— 259 —
هذا وتُلحِق رسائلُ النور بهذا الجواب الذي مضى عليه ثلاثون عامًا الحاشيةَ الصغيرةَ التاليةَ في مبحث الزلزلة:
إن لكلِّ عنصرٍ وحادثةٍ، سواءٌ كان زلزالًا أو شتاءً ماديًّا أو معنويًّا ونحوَه، نتائجَ خَيِّرةً كثيرة، وإنَّ وَقْفَ عنصرٍ ما عن وظيفته، وقَطْعَ ما يترتب عليها من مئاتِ النتائج والغاياتِ الخَيِّرةِ النافعة، اتقاءَ نتيجةٍ واحدةٍ شريرةٍ ضارة، هو كفعلِ مئاتِ الشرور بتركِ مئاتِ النتائج الخَيِّرةِ اتقاءً لشرٍّ واحد، وهو منافٍ للحكمة والحقيقة والربوبية.
لكنْ للرحمن الرحيم غوثٌ يُغيث به مَن اشتدت عليهم وطأةُ القوانين الكُلِّية، فيُمِدُّ كلَّ مضطرٍّ بعناياتٍ خاصة، وإمداداتٍ خصوصية، وإحساناتٍ مخصوصة، غيرَ أنه يعين الفرد بما يحقق منفعته الحقيقية لا بما يلبي هَوَسَه وهواه، فربما يسأله خزفًا في الدنيا فيُبدِله به ألماسًا في الآخرة.
٭ ٭ ٭
لما كان التوافُق أطيبَ فاكهةٍ انتثرتْ في ثنايا الحقائق الرصينة التي يَسردها أستاذُنا ورسائلُ النور، فإننا نَذكر لإخواننا بعضَ التوافقات اللطيفة التي جَرَتْ في هذين اليومين، وهي حاشيةٌ على التوافقات التي حدَّثناكم بها في رسالةٍ سابقة.
نعم فكما أن التوافق في الكلمات المنطوقة، وفي الكلمات المكتوبة، يشير إلى قصدٍ وعنايةٍ خصوصية، وقد يكون من الغرابة والتفرد بحيث يبلغ درجةَ الكرامة، أو يتضمن في بعض الأحيان ظرافةً لطيفة، فكذلك التوافقُ الحاصلُ في وقائعَ تتعلق بأستاذنا أو برسائل النور، والمشيرُ إلى قصدٍ وعناية، فإننا نشاهده في الأفعال كما نشاهده في الأقوال.
فمن ذلك تَوافُقٌ كالتوافُق الذي جرى مع صاحبة المنزل التي انقطعت عن المجيء أربعةَ أشهر، فلما قال الأستاذُ لأمين: أَرسِلْ إليها بخبرٍ، جاءت من تلقاء نفسِها فطرقت الباب؛ فقد وقع تَوافُقٌ مثلُه مرتين في يومَين، إذْ لم نكد نقرأ جملة "قال
— 260 —
لأمين" في الرسالة السابقة حتى حضر "أمينٌ" في اللحظة نفسِها بخلاف عادته وميعاده؛ فهذه التوافقات تُبيِّن أن أبسط أعمالِنا ليست مصادفة، بل جميعُ ذلك تَوافُقٌ مقصود.
ومن ذلك أيضًا أن أحد طلاب رسائل النور، واسمه "فؤاد"، أتانا قبل أربعةِ أشهرٍ ببعضِ الطَّرْخانة، وكان قبل مدةٍ قد سافر إلى إسطنبول، فطال مُقامُه فيها وتأخَّر ثلاثين يومًا، فلما رجع وافَقَ يومُ رجوعه يومَ قَلِقْنا عليه وتَفقُّدِنا أحوالَه، وكان نفسَ اليوم الذي نَفِدتْ فيه كمية الطَّرْخانة التي أتانا بها.
ومن ذلك أنه كان لدى الأستاذ مقدارٌ من الزُّبد يَقتاتُ به، وكنا والأستاذَ نشعر ببركته، فحصل في اليوم نفسِه أن نَفِدَ ما تبقَّى منه، فلم نلبث أن جاءنا في اليوم نفسِه زُبدٌ مثلُه نوعًا ومقدارًا.
وعلى غِرار هذا أيضًا كان لدى الأستاذ فَطِيرٌ مما يُصنَع في القرى على الرماد، وقد استطابَه الأستاذ فكان يأكل منه في الصباح والمساء حتى نَفِدَ بعد خمسةَ عشر يومًا، فما إنْ نَفِدَ حتى أتى بعضُ أقربائه في اليوم نفسِه وقد أحضر له فطيرًا من النوع نفسِه؛ فقَبِلَه الأستاذ ولم يَرُدَّه لما في ذلك من التوافق، وكافأه على هديته.
لقد شاهدنا بأعيننا ما في هذه التوافقات اللطيفة من جَلواتِ العناية الربانية، وفَهِمنا أنْ لا مجال للمصادفة العمياء في شؤوننا؛ وأنه مثلما انطوتْ رسائلُ النور في كلماتها وحروفها على توافقاتٍ بليغة، فكذلك الأفعال والتصرفات المتعلقةُ بها، لها من هذه التوافقات البليغة نصيب؛ ولا يُنظَر في هذا الشأن إلى ضآلة الشيء أو تفاهته ظاهرًا، إذْ ما دام للأمر علاقةٌ بالعناية الربانية، فإن أتفه شيءٍ يغدو جليلَ القيمة، وعندئذٍ فلا إسراف في الحديث عنه أو إيلائه مزيدَ أهمية، لأن معناه المرادَ هو العنايةُ والْتفاتُ الرحمة، والحديث عن هذا شُكرٌ معنوي.
من طلاب رسائل النور
"فيضي" و"أمين"
٭ ٭ ٭
— 261 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
يَزُفُّ إلينا صاحبُ "مصنع النور" والبطلُ "طاهري" بشاراتٍ تَملؤنا سرورًا، ويسألانِنا في الوقت نفسه بعضَ المسائل.. إن القرارَ الذي يتخذه أركانُ النور عندكم، والأسلوبَ الذي يستحسنونه، هو أصوَبُ من رأيي إن شاء الله، لكنْ ما داموا يطلبون رأيي فإني أقول: لا حاجة بنا اليوم إلى أصحاب المطابع الذين تَمنَّعوا علينا بالأمس، ولا لزوم لهذا الأمر، لأنه يصير بمثابة سماحٍ من رسائل النور بالحرف المستحدَثِ المخالفِ لمسلكنا، فحَسْبُكم ما كتبتموه بالآلة الكاتبة؛ على أن "نظيفًا" يبذل جهدًا طيبًا في هذا المجال، والتصحيحُ يستلزم عنايةً بالغة.
إن الأقلام الألماسية التي تَخُطُّ بأيدي إخواننا الحروفَ الأصيلة لم تُبقِ حاجةً إلى المطابع، فليساعدونا في هذا الأمر.
أما الجهة الأخرى من سؤالكم، فعليكم بالرسالتَين اللتَين سلَّمتُهما للحافظ "مصطفى" بالحرف المستحدَث، فاجعلوا معظمَهما أقسامًا منفصلة، واجعلوا الباقي مجموعًا معًا، وعَنوِنوا الرسالةَ الأولى المتعلِّقة بالشباب بی"سراج الغافلين" أو "مرشد الشباب"، والرسالةَ الأخرى المتعلقةَ بالتوحيد بی"حجة الله البالغة" أو "مصباح الإيمان"؛ وسَمُّوا المجموعَ الخاصَّ بالكرامات "سكةَ التصديق الغيبي" أو "خاتَم التصديق الغيبي".
وإنْ كان "الوِردُ الأكبرُ النُّوريُّ العربيُّ" قد طُبِع، فيُستحسَن أن يُشار في هامشه إلى مواضع ترجمتِه وبيانِه في "الشعاع السابع: الآيةِ الكبرى" وفي "المكتوب العشرين"، تسهيلًا على مَن لا يعرف العربيةَ من طلاب رسائل النور، فيُذكَر في حاشيةٍ صغيرةٍ أن هذا المقام العربي موضَّحٌ في الصفحة الفلانية من الرسالة الفلانية؛ ويَحسُن أن يتوزعَ إخوانُنا أصحابُ الأقلام الألماسية هذه المُهِمةَ، فيُقيِّدَ كلُّ واحدٍ منهم بعضَ النُّسَخ بهذه الإشارات، كما يَحسُن أن تُرسَل إلينا بعضُ النماذج من الرسائل المطبوعةِ أو المكتوبةِ بالآلة الكاتبة.
٭ ٭ ٭