لاحقة قسطموني
— 29 —

أكتب إليكم یی بإخطارٍ معنوي یی مسألتَين دقيقتَين..

الأولى: بخصوصِ ما رُفِعَ في رمضان الماضي من دعاءٍ كثيرٍ لأهل السُّنة بالسلامة والنجاة، فلم تُرَ له إجابةٌ جَلِيَّةٌ إلى الآن، فقد أُخطِر بشأنِ عدمِ إجابتِه سببان خصوصيان:
الأول: خاصيةٌ عجيبةٌ لهذا العصر؛ (حاشية): يعني تفضيل الزجاج الخسيس على الألماس النفيس بِعِلم. ومنها السَّذاجةُ المُفرِطة لأهل الإسلام في هذا العصر، وعفوُهم بسخاءِ نفسٍ عن مجرمين عُتاة، وموالاتُهم یی نوعَ موالاةٍ یی لمن اقترف آلافَ السيئات، وضيَّعَ آلافَ الحقوق المادية والمعنوية للعباد، لمجرَّد رؤيةِ حسنةٍ واحدةٍ منه!!
فبهذه الصورة يُشكِّل أهلُ الضلالة والطغيان الأكثريةَ مع أنهم أقلُّ القليل، وما ذلك إلا بموالاة السُّذَّج لهم، وبهذا يُفتون للقَدَر الإلٰهي بإدامةِ المصيبة العامة المترتبةِ على خطأ الأكثرية، بل يُفتون له بتشديدها، ويقولون: نحن نستحقها!!
نعم، ثمة رُخصةٌ شرعيةٌ بترجيحِ الزجاج على الألماس بعلم، أي ترجيحِ الدنيا والمال على الآخرة والإيمان، لكنها رُخصةٌ مقتصِرةٌ على حالةِ الضرورة القطعية، وإلا فالترجيح لأجل احتياجٍ يسير، أو خوفٍ خفيف، أو لمجرد الهوى والطمع، ليس إلا جهالةً حمقاء، وخسارةً بلهاء، يستحق به المرء صفعةَ تأديب.
وأما العفو بسخاءِ نفس، فإنما يمكن للمرء أن يعفو عن جنايةٍ ارتُكِبتْ في حقِّ نفسه هو، إذْ له الحق في أن يتخلَّى عن حقِّه، لكن ليس له حقٌّ أن يَنظر بعين الصفح إلى المجرمين الذين انتهكوا حقوقَ الآخَرين، وإلا كان شريكًا في الظلم.
السبب الثاني: لم يؤذَن بكتابته.
المسألة الثانية: إخواني.. بالرغم من أن تأويلاتِ الرواياتِ الواردةِ حول حوادثِ آخرِ الزمان قد ظهرتْ صادقةً ومطابِقةً كما بيَّناها في سجن "إسكي شَهِر"،
— 30 —
فإن عدمَ معرفةِ أهلِ العلم وأهلِ الإيمان بها، وعدمَ رؤيتهم لها، دفعني إلى بيانِ سِرِّها وحكمتها، فشرعتُ في ذلك وكتبتُ نحوًا من صحيفتَين، ثم أُسدِل الستار فأُرجِئتْ.
ثم إني خلال هذه السنوات الخمس توجَّهتُ إلى المسألة نفسِها خمسَ مراتٍ أو سِتًّا فلم أُوَفَّق، لكنْ أُخطِر على قلبي بيانُ حادثةٍ تتعلق بي، هي من فروع هذه المسألة.
وهي أني في بداية عهد الحرية، وقبل ظهور رسائل النور بزمنٍ بعيد، كنت أُبشِّر بضياءٍ في المستقبل، وبأنني أرى نورًا في قادم الأيام.. أبشِّر بذلك بإيمانٍ قويٍّ واعتقادٍ جازمٍ لتبديد اليأس المخيِّم على أهل الإيمان، بل كنت أُبشِّر طلابي حتى قبل عهد الحرية، وكنتُ بهذا الأمل أَصمُد أمام أحداثٍ رهيبةٍ وأُواجهها بأنني أرى ضياءً كما جاء في رسالة "سُنوحات"، كما ذَكر "عبد الرحمن" في سيرة حياتي.
وكنت أتصور یی كما يتصور كلُّ أحد یی أن ذلك الضياء سيَظهر في دائرةٍ واسعة، أي: في عالَم السياسة وفي الحياة الاجتماعية الإسلامية، والحالُ أن أحداث العالم كانت تُكذِّبني في تلك البشارةِ والإخبارِ الغيبي فتُخيِّب آمالي بدرجةٍ ما.
فوَرَدَ على القلب فجأةً واردٌ، فقيل لي بإخطارٍ غيبيٍّ يورِث قناعةً قطعيةً:
"إن بشاراتك التي تَعلَّقْتَ بها وردَّدتَها منذ القديم بأن ثمة ضياءً، وأننا سنرى نورًا.. أهمُّ تأويلٍ وتفسيرٍ وتعبيرٍ لها في حقِّكم، بل في حقِّ عالَم الإسلام بجهةِ الإيمان هو رسائل النور.. فهي الضياء الذي تعلَّقتَ به وأَخَذ بمَجامعك، وهي النور الذي يأتي مقدِّمةً وبشرى للحياة السعيدة المتديِّنةِ التي كنتَ تُخمِّن تَحَقُّقَها في دائرةٍ واسعة، بل في عالَم السياسة.. لقد كنتَ تتصور هذا الضياءَ الذي عُجِّل تلك السعادةَ التي أُجِّلتْ، فكنتَ تطلبه لدى باب السياسة.
نعم، لقد شعرتَ بهذا بحِسٍّ مُسبَقٍ قبل ثلاثين سنة، لكنْ كما أن الذي ينظر من ستارٍ أحمر إلى موضعٍ أسود يراه أحمر، فكذلك أنت، كانت رؤيتُك صحيحة، لكنَّ تطبيقَك كان خاطئًا، إذْ خَدَعتْك جاذبةُ السياسة".
٭ ٭ ٭
— 31 —
باسمه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ عاشراتِ دقائق عمركم في الدنيا والآخرة آمين
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. أصحابي المقتدرين الأقوياءَ في الخدمة القرآنية..
وَصَلتْني هديتُكم المعنويةُ المسطورةُ بأقلامكم البديعة الفائقة، فأثبتتْ لي أن فيكم "سعيدين" كثيرين شبابًا أقوياءَ مقتدرين، بدلًا من "سعيدٍ" واحدٍ ضعيفٍ عاجزٍ هَرِم، وأنهم يَتحلَّون بنفس الروح والإيمان والعبارة، فالشكر والثناء بلا حدٍّ للربِّ الرحيم أن جعلكم لرسائل النور حُماةً وأصحابًا حَمَلة، وناشرين وطَلَبة، وأحسن إلينا بأنْ وفَّقنا للخدمة القدسية في غَمرةِ ظروفٍ صعبةٍ ومشكلاتٍ جمَّة.
لقد اشتقتُ للحديث إليكم مطوَّلًا، لكن الزمان والمكان لا يَطيبان نفسًا بذلك، فأختصر وأقول من صميم قلبي وروحي لكلِّ واحدٍ منكم: ما شاء الله، بارك الله، لك مني ألفُ سلامٍ وسلام.
أخوكم المحتاج بشدةٍ إلى دعائكم
في هذه الشهور الثلاثة المباركة
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭