— 251 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لقد أَضفْنا أكثرَ مِن ضعفَي ما انتخبتم من "المُلحَق" على "مجموعة الإشارات" التي كتبتموها، والتي هي بمثابة توقيعٍ غيبيٍّ على حقَّانية رسائل النور وأهميتِها، فإن كنتم نسختم لأنفسكم نسخةً من هذه المجموعة فسنُرسل إليكم ما أضفنا عليها.
إن القيمة التي تُبرِزها هذه المجموعة موجودةٌ حقًّا في رسائل النور، وهو ما تبرهن عليه عواصفُ هذا الزمان الرهيبة.
نعم يا إخوتي.. إن إحدى أعظمِ النتائجِ والغاياتِ والهدايا التي يقدِّمها القرآنُ للبشر: سُلوانُه وعَزاؤه، بدليل ما قال سيدُنا عيسى عليه السلام في الإنجيل الشريف: "إنني أذهب ليأتيَكم المُعَزِّي"، أي: ليأتيَ أحمدُ عليه الصلاة والسلام.
أجل، فليس لهذا الإنسانِ، ذلك الكائنِ الذي له علاقةٌ بكلِّ شيء، والذي تُحيطُ به عواصفُ الكون الرهيبةُ وزوالاتُه وتخريباتُه، ويَنْداحُ أمامَه الفضاءُ الخالي ممتدًّا بلا نهاية.. ليس له مَن يقدِّم له السُّلوانَ الحقيقيَّ ونُقاطَ الاستناد والاستمداد سوى القرآن.
— 252 —
وإن خيرَ مَن يُبيِّن هذا السُّلوان في هذا العصر، ويُثبِتُه بأقوى صورةٍ في هذا الزمان، هو رسائل النور؛ ذلك أنها أتتْ إلى منبعِ الظلمات والأوهام وهي الطبيعة، فنقَبَتْها، فنفَذَتْ منها ودخلتْ إلى نور الحقيقة.. لقد كَشفتِ المئاتِ من طلاسم الحقائق الإيمانية وأوضَحَتْها، فأنقذتِ العقلَ من الإنكار والتردد، وهذا مُبيَّنٌ في كثيرٍ من أجزائها كی"الكلمة السادسة عشرة".
ولأجل هذه الحقيقة نجد ذا العقلِ الصحيح والإدراكِ السليم يُعنى بقراءة رسائل النور ويشتغل بها، فيقرؤها مِرارًا وتَكرارًا من غير مَلَل، رغمَ أن هذا الزمان العجيب يتَّسِم بسِمة الإملال الشديد؛ والأمرُ كما وضَّحه "رأفت" في رسالته حين قال: "إن أبرز خاصيةٍ لرسائل النور هي عدمُ الإملال، فحتى لو قُرِئت مئةَ مرة، يمكن أن تُقرأ للمرة الحادية بعد المئة بلذةٍ ومتعة"، وقولُه صحيحٌ جدًّا.
إن تَرجُمان رسائل النور قد يَنظر في بعض الأحيان إلى مستقبليات العالَم خارجَ وظيفته الحقيقية، فيورثُه ذلك تشوُّشًا ظاهريًّا بدرجةٍ ما.
فمن ذلك أنه كان يقول قبل ثلاثين أو أربعين سنة: "سيأتي نور، وسنرى عالَمًا نورانيًّا"، وكان تَصَوُّرُ هذا المعنى ينصرف إلى دائرةٍ واسعةٍ في ميدان السياسة؛ وقال أيضًا قبل نحوِ خمسَ عشرة سنةً: "ستَهوي صفعاتٌ سماويةٌ مروِّعةٌ على مَن يُديرون الإلحاد"، وكان يتصوَّر وقوعَ ذلك في بلدٍ محدودٍ وأُناسٍ محدودين، بينما كان الأمر حادثةً مُدَوِّيةً في الكرة الأرضية كلِّها على ضخامتها واتساعها.. والحال أن المستقبل فسَّرَ هذين الإخبارَين الغيبيَّين وعبَّر عنهما بما يَفوق تصوُّرَ "سعيدٍ القديم" بكثير؛ أجل، فإنه في قوله: "سنشهد عالَمَ نورٍ" كان يَشعر بمعنى دائرةِ رسائلِ النور، لكنْ كان يتصور تَحقُّقَه في دائرةٍ سياسيةٍ واسعة.
وبالمقابل فإنه قال برمزِ "سرِّ إنا أعطينا": "إن الذين ينشرون الإلحاد والزندقة سيتلَقَّون صفعاتٍ مروِّعةً بعد ثلاثَ عشْرةَ أو أربعَ عشْرةَ سنة"، متصوِّرًا وقوعَ هذه الحقيقةِ في دائرةٍ ضيقة.. غير أن الزمان الحاليَّ عبَّر عن هاتين الحقيقتَين وفسَّرهما
— 253 —
تمامَ التفسير، نعم، فكما أن دائرة رسائل النور، وفي مقدمتها ولاية "إسبارطة"، أظهرتِ الحقيقةَ الأولى في صورةٍ بالغةِ الجمال والبهاء، فكذلك الصفعاتُ السماويةُ المدوِّيةُ التي انهالت على الأرواحِ الخبيثةِ التي أدارتْ طغيانَ المدنيَّة المتحلِّلة، ورَعَتْ بَثَّ طاعون المادية، (حاشية): نعم، إن مرض طاعون المادية قد أورثَ نوعَ البشر هذه الحُمَّى، وأورث الكرةَ الأرضيةَ هذه الرجفة. قد أَظهرت الحقيقةَ الثانية، حقيقةَ "سرِّ إنا أعطينا" بتمامها.
وقد خطر ببالي سؤال، وهو أن أحكامَ رسائل النور المستندةَ إلى البراهين القطعية، تَظهر في سائر الحقائق على حقيقتها وبعَينها دون تأويلٍ ولا تعبير، أما بياناتُها المعتمدةُ على الإشارات التوافُقية والسُّنوحات القلبية في مثل هذه المسائل المستقبلية الدُّنيوية فتحتاج إلى التأويل والتعبير أحيانًا، فلِمَ ذلك؟
فأُخطِرَ جوابٌ يقول: إن في إخفاءِ أمر الغيب حكمةً بالغةً لله جلَّ شأنُه، وإن في عدم الإخبار بما سيقع من أحداثٍ في أمور الدنيا وفي المستقبل الدنيوي الغيبيِّ رحمةً عظيمةً من أرحم الراحمين سبحانه، فمِن هذه الجهة لم يأذن بالإخبار بالغيب، غير أنه جَعل بعضَ الأمارات وسيلةً إليه بالإلهام أو الإخطار في صورةٍ مُبهَمةٍ مُجمَلة، فهو يُشعِر ببعض الحقائق الغيبية في الكشفيات والرؤى الصادقة، غير أن الصُّوَر الخصوصيةَ لهذه الحقائق لا تُعرَف إلا بعد وقوعها.
إخواني.. سُرِرنا كثيرًا برسائل "رأفت" و"رشدي" المرسَلَةِ مع "حلمي بك"، والحقيقة أن "خسرو" و"رأفت" و"رشدي" كانوا معًا منذ انتسابهم قديمًا إلى رسائل النور، ولهذا فإني ما إنْ أَذكرَ أحدَهم حتى يَخطروا ثلاثتُهم بالبال؛ وحمدًا لله بلا حدٍّ أن هذه العواصف العاتية لم تَنَلْ منهم ولا منكم.
وبارك الله في "رأفت"، فلقد تَبيَّنتُ أنه محافظٌ تمامًا على وفائه القديم وارتباطِه الوثيق، وكنتُ قبل هذا قلِقًا بشأنه، إذْ لم يَصِلني منه یی منذ سنةٍ أو سنتَين یی خبرٌ ولا رسالةٌ عن وضعه في الخدمة القرآنية، أما الآن فإنه يقول في رسالته: (عندما نلتقي
— 254 —
نتناول إحدى "الكلمات" فنقرؤها، فنستفيد فائدةً طيبةً عذبةً ونجالس أستاذَنا)، وقد سَرَّنا هذا ودفعنا إلى الشكر.
كما سُرِرنا كثيرًا بما جاء في رسالة "رشدي" المشهور بوفائه، فإنه بَيَّن فيها النُّقاطَ التي كانت تَشغَل بالي، وأوضح أن الخدمة النورية مستمرةٌ لم تتوقف، وأنه لا تضييقات عليكم.
تَوافُقٌ لطيف: نظرنا في "المكتوب التاسع عشر: المعجزات الأحمدية" الذي كَتبه "أحمد نظيف" مؤخرًا في زحمةِ مشاغله الكثيرة، فوجدنا مجموعَ ما فيه من توافقاتٍ يبلغ تسعةَ آلافٍ وثمانَمئةٍ وثلاثةً وثلاثين توافُقًا، فحَكَمنا بأن ذلك كرامةٌ للمعجزات الأحمدية في هذا المكتوب.
٭ ٭ ٭