لاحقة قسطموني
— 247 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
ثبت لدينا بتجارِبَ كثيرةٍ أن ما يبدو في الظاهر عدمَ توفيق، كان في مراتٍ كثيرةٍ سِتارَ عنايةٍ لنا، بسِرِّ: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، ومن الأمارات، بل من الأدلة على هذا ما لَقِينا في هذه السَّنة من تعرُّض، وما نَجَم عنه من توقُّفٍ جزئيٍّ، وإغلاقِ المطابعِ أبوابَها في وجهِ طباعةِ رسائل النور ولو بالحرف المستحدَث، فإنَّ جميع ذلك كان خيرًا في حقِّنا، وكان عنايةً وحمايةً لنا من وجوهٍ عدة.
فأولًا: أننا نَشهد في واقعنا في هذه الآونة عمليتَين اثنتَين، الأولى محنةٌ شديدةُ الوطأةِ على الناس في رزقِهم ولقمةِ عيشِهم نتيجةً لأشَدِّ الظلم؛ والأخرى عمليةٌ جراحيةٌ
— 248 —
عامةٌ، يُجريها القدَرُ الإلٰهيُّ بعدالته الحكيمة، لأخذ الزَّكَوات والجِزَى المتراكمة منذ زمنٍ طويل، وللردعِ عن الحرص والاحتكار الذي تَعَدَّى الحد.
فلو ظَهرتْ في هذه الأثناء خدمةُ رسائل النور التي تَحصُر النظرَ في الإيمان والآخرة، ولا تَلتفت في وظيفتها كثيرَ التفاتٍ إلى الحياة الاجتماعية، وتَحرِصُ على التحقُّق بالإخلاص التامِّ فتأبى أن تكون أداةً لأيِّ مقصَد، أو تَابعًا لأيِّ تيارٍ دنيوي.. أقول: لو خرجتْ هذه الخدمةُ الساطعةُ القويةُ من خلف حجاب الاستتار، وظهرتْ بارزةً للعِيان في هذه الآونة، لَنالَها نصيبٌ من العملية الإنسانية الأولى لا مَحالة، ولصَرَفتِ العمليةُ القدَريةُ الثانيةُ أنظارَ الناس عنها، لأنها عمليةٌ تتعلق بالرزق ولقمةِ العيش، فإما أن ينشغل الناس بمعيشتهم عن الخدمة، أو يُخِلُّوا بإخلاصهم في الخدمة للانشغال بهموم العيش.
ثانيًا: لا لزوم لكتابته الآن.
ثالثًا: لا إذن بإظهاره في هذا الحين، لكن ما دامت جهودُ طلاب النور وهِمَّتُهم وحماستُهم لم تُبقِ حاجةً إلى المطبعة حتى الآن، فإن هذه الخدمة القدسية ستدوم بإذن الله، وستنتشر الأنوار بتلك الأقلام الألماسية.
وما دام أصحابُ المطابع قد فَوَّتوا على أنفسهم خيرًا عظيمًا بإحجامهم عن طبعِ رسائل النور بالحرف المستحدَثِ الذي قَبِلناه لرسالتَين فحسب رغمَ مخالفتِه لمسلكنا بالكلية، فاغنموا أنتم ذلك الخيرَ العظيمَ الذي يورِث النُّسَّاخَ أصحابَ الأقلام حسناتٍ دائمة، فوزِّعوا الرسالتَين على عشرين أو ثلاثين من إخواننا الأبطال لينسخوها بالحرف الأصيل؛ وإنْ كان ثمة نُسَخٌ من الرسالتَين كُتِبَتْ بالحرف المستحدَث بالآلة الكاتبة فابعثوا إلينا ببعضها.
٭ ٭ ٭