لاحقة قسطموني
— 245 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حروفِ ما كتبتم وطبعتم
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المقتدرين المتيقظين..
نهنِّئكم بالليالي العشر المباركة، وبِعيد الأضحى المبارك.
المسألةُ التي خَطرتْ ببالِ الحافظ "علي" صاحبِ "مصنع النور" حول الحشر الجسمانيِّ مسألةٌ مهمة، والمثال الذي أَوردَه في آخر الرسالة حَسَنٌ وبليغٌ للغاية؛ وقد فهمتُ أنه يَطلب بتلك الخاطرة البراهينَ الحَشْريةَ التسعةَ التي تَلي "المقدمة الحَشْرية للشعاع التاسع"، لكنَّ وظيفةَ التأليف قد توقفتْ منذ سنةٍ أو سنتَين مع الأسف، ومسائلُ
— 246 —
رسائل النور ليست مما يتأتَّى بالعلم أو الفكر، ولا بالنية والاختيار القصدي، بل هي بأكثريتها المطلقة سُنوحاتٌ وظُهوراتٌ وإخطارات، ولم تَعُد ثمة حاجةٌ حقيقيةٌ اليومَ إلى هذه البراهين التسعة حتى نُساق إلى تأليفها.
نعم، إن "الإيمانَ بالله" و"الإيمانَ باليوم الآخر" هما یی من بين الأركان الإيمانية یی قُطبان وشمسان لعالَم الإسلام؛ فأما القطب الأول فقد أَوضحتْ رسائلُ النور براهينَه بتمامها.
وأما القطب الثاني فقد أَثبتتْه في رسائل مستقلة، منها "الكلمةُ العاشرة"، و"الكلمةُ التاسعة والعشرون"، و"الكلمةُ الثامنة والعشرون" خصوصًا عند إثباتها اللذائذَ الجسمانية، و"المقدمةُ الحَشْرية"، فهذه الرسائل قد أثبتتِ الحشرَ الجسمانِيَّ بغايةِ القوة وأفحمت المعاندين.
لكنْ لما كانت موجودات هذا العالَم لا تُثبِت الحشرَ في صورةٍ ظاهرةٍ كإثباتِها الإيمانَ بالله، كان أكثرها يُثبِت الحشر بصورةٍ قويةٍ ضمن سائر الأركان الإيمانية الأخرى.
فمن ذلك أن جميع الحُجَج التي تُثبِت حَقَّانيةَ القرآن المعجزِ البيان، تُثبِت الحشرَ الجسمانيَّ بالدرجة الثانية، وذلك في آلافِ الآيات القرآنية التي تُصوِّر الحشرَ وتوضِّحه، فأيُّ حاجةٍ لإيضاح الحشر بعد إيضاحِ القرآن المعجِز البيان، وحديثِه المُعجِز عن اللذائذ الجسمانية في الجِنان؟!
ومِن ذلك أن جميع المعجزاتِ والحُجَجِ التي تُثبِت حَقَّانية الرسول الأكرم (ص) تُثبِت الحشرَ الجسمانيَّ بالدرجة الثانية، وتُصوِّر لذائذَ الجنة وآلامَ جهنم وتوضِّحها ببلاغته الخارقة، فأيُّ حاجةٍ لمزيدِ إيضاحٍ بعد هذا الإيضاح؟!
ومِن ذلك أن جميع الحُجَج والبراهين التي تُثبِت وجوبَ وجود الحقِّ سبحانه ورحمتَه وحكمتَه، وعلمَه وقدرتَه، وعدلَه وحفيظيتَه، وسائرَ صفاته القدسية، تُثبِت الحشرَ بجهةٍ من الجهات؛ ثم هي باستلزامها الرسالةَ المحمديةَ بجهةِ اقتضاءِ الربوبيةِ
— 247 —
إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب، وبإثباتها أن القرآن الكريم كلامُ الله، تُثبِت الحشر الجسمانيَّ بتفاصيله من هذين النقطتين.
والحاصل أن قطبَي "الإيمان بالله" و"الإيمان باليوم الآخر" قد أُثبِتا في رسائل النور على حدٍّ سواء، غير أن الحشر الجسمانيَّ قد أُثبِت بعضُه صريحًا وأُثبِت بعضُه الآخَر ضِمنًا وتَبَعًا، لأن عالَم الشهادة هذا يَدُلُّ على صانعه بغاية الصراحة والظهور، ويُخبِر عن الحشر ضِمنًا ومن وراءِ حجاب.
وسيأتي يومًا ما طالبٌ أو ثُلَّةٌ من طلاب رسائل النور يؤلِّفون تلك المقامات التسعةَ وبراهينَها بإذن الله، ويَفتحون خزائنَ الفقرات التسع للآيات العظمى التي في صدر "المقدمة الحَشْرية"، ببراهين الحشر الجسماني المبثوثة في رسائل النور، وبما يَرِدُ على قلوبهم من السُّنوحات والإلهامات، فيُكمِّلون "الشعاع التاسع" بنحوٍ أقوى وأسطعَ مما في "كلمة العاشرة".
نُسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا، ونهنِّئكم بالعيد المبارك.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭