لاحقة قسطموني
— 242 —

جوابٌ عن سؤالٍ واردٍ من طلاب رسائل النور

سؤال: كنا قد سألناكم في السنة الماضية أنه قد مضى عليكم خمسون يومًا لم يُثِرْ فضولَكم فيها أمرُ التيارات والقُوى في العالَم، فلم تلتفتوا إليها ولم تسألوا عنها، وقد أجبتمونا وقتَئذٍ، ومع أن الجواب كان حقًّا وكافيًا، لكنْ يَلزم أن تُولوا الأمرَ بعضَ عنايةٍ سواءٌ فيما يتعلق بانتشارِ رسائل النور وخدمتها، أو فيما يتعلق بمنفعةِ عالَم الإسلام؛ وها قد مضى على هذه الحال ثلاثةَ عَشَر شهرًا، ولستم تهتمون بالأمر ولا تسألون عنه!
الجواب: إن الذين يخوضون غمارَ هذا الصراعِ اليومَ هم أعظمُ مَظهرٍ لآيةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ، ولهذا فلا يجوز موالاتُهم أو تأييدُهم، أو متابعةُ تياراتهم باهتمام، أو الاستماعُ إلى دعاياتهم الكاذبة المضلِّلة، أو مشاهدةُ صراعاتهم بتأثُّرٍ وأسًى، بل حتى النظرُ إلى هذه المظالم العجيبة لا يجوز، لأن الرضا بالظلم ظلمٌ، فإنْ أيَّده كان ظالمًا، فإنْ مالَ إليه كان مَظهَرًا لقوله تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ.
أجل، فهذه الحرب ليست لأجل الحق والحقيقة والدين والعدالة، بل مَبعثُها ظلمٌ وحشيٌّ لم يقع مثلُه في الدنيا، قِوامُه العِنادُ والعصبيةُ القوميةُ والمنفعةُ الجنسيةُ وأنانيةُ النفس، والدليلُ القطعيُّ على هذا: إبادةُ ألفِ بريءٍ من أطفالٍ وشيوخٍ ومرضى بالقنابل بذريعةِ وجودِ واحدٍ أو اثنين من جنود الأعداء معهم؛ واتفاقُ أعتى مستبدي البرجوازيين مع أعتى الاشتراكيين وأشدِّ الشيوعيين تطرُّفًا، أعني الفوضويين المخرِّبين؛ وإهدارُ دماءِ آلافِ بل ملايينِ الأبرياء؛ ورفضُ الصلح، والإصرارُ على إدامة هذه الحرب الضارَّةِ بالناس أجمعين.
فلا جَرَمَ أن يكون موقفُ القرآنِ وعالَمِ الإسلام من هذه الصراعات التي لا تُوافق شيئًا من قانون العدالة والإنسانية، ودستورِ الحقوق والحقيقة، هو التبرُّؤَ التامَّ
— 243 —
منها، والترفُّعَ عن ذِلَّةِ معاونةِ أصحابها؛ ذلك أنهم أُناسٌ تستحوذ عليهم فرعونيةٌ رهيبةٌ وغرورٌ فظيع، فلا يُرجى منهم أن يَمُدُّوا إلى الإسلام والقرآن يدَ معاونة، بل لا يَمُدُّون إلا يدَ الاستتباع التي تريد أن تجعل الإسلام والقرآن تابعًا لهم وأداةً بأيديهم، ولا ريب أن الحَقَّانية القرآنية تأبى الاعتمادَ على سيوفِ ظَلَمةٍ كهؤلاء، وإن الفرض والواجب على أهل القرآن الاعتمادُ على قدرةِ ورحمةِ خالقِ الكائنات، بدلًا من الاعتماد على قوةٍ عُجِنتْ بدماء ملايين الأبرياء.
صحيحٌ أن قُوى الزندقة والإلحاد تعتمد على أحد هذه الأطراف المتصارعة لتَسحق أهل الدين، وأن تأييد التيار المقابل يبدو سبيلًا للخَلاص من اضطهاد الزندقة، إلا أنه قد ثبت إلى الآن أن هذا التأييد قد عاد بالضرر الكثير من غير منفعة.
ثم إن الزندقة، بما فيها من خاصية النفاق، لا تبالي أن تتنقَّل من طرفٍ إلى آخَر، فلا يَبعُدُ أن تُصادِقَ مَن صادقْتَ فتجعلَه لك عدوًّا، فتَرجِعَ من تأييدك له صفرَ اليدين من الفائدة، مُثقَلَ الكاهل بأوزار التحزُّب.
ولما كانت وظيفةُ طلابِ رسائل النُّور هي الإيمان، لم تكن قضايا الحياة لتَشغلَهم أو تستأثر باهتمامهم، وبناءً على هذه الحقيقة فلِيَ الحقُّ في ألَّا ألتفت إليها ثلاثةَ عشر شهرًا، بل ثلاث عشرة سنة؛ (حاشية): لقد مضى له على هذه الحال سبعُ سنين، لم يهتمَّ بهذه القضايا ولم يَسأل عنها ولا عَلِم منها شيئًا؛ طلابُ الأستاذ. وها أنتم قد التفتُّم إليها، فماذا كَسِبتم سوى الآثام؟ وها أنا قد أعرضتُ عنها، فماذا خسرتُ؟
السؤال الثاني: وَرَدَ في رسالة "الإشارات القرآنية"، أن خواصَّ طلابِ رسائل النور داخلون في طائفةِ أصحابِ الصراطِ المستقيم المُعَرَّفةِ بآيةِ: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، وأنهم في جملةِ مجاهدي آخر الزمان الذين بَيَّنهم حديث: "لا تزال طائفةٌ من أمتي.."، وأنهم فردٌ خصوصيٌّ من أفرادِ المعنى الإشاريِّ للجُمَل الثلاث في سورة العصر، من قوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا...؛ فما سبب ذلك؟ وما وجه التخصيص؟
— 244 —
الجواب: السبب أن رسائل النور قد حَلَّتْ وكشَفَتْ قُرابةَ مئةٍ من طلاسم الدين ومُعَمَّياتِ الحقائقِ القرآنية، مما كان الجهلُ بواحدٍ منها سببًا لوقوعِ كثيرين في الشكوك والشبهات، والتخبُّطِ في ظلمات الحيرة، حتى ربما فَقَد بعضُهم إيمانَه.. أما اليوم، وبعد أن كُشِفت تلك الطلاسم، فليس بمقدور الملاحدةِ تحقيقُ نصرٍ ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرًا.
وقد أشرنا إلى قسمٍ من هذه الطلاسم في "العنايات السبع" في "المكتوب الثامن والعشرين"، وستُجمَع في رسالةٍ مستقلةٍ إن شاء الله.
٭ ٭ ٭