— 239 —
حاشيةٌ على نُكتةِ سورة العصر المُسمَّاة: "ثمرةُ قَرَه داغ"
لما كانت معظم التاءات الواردةِ في أواخر الكلمات يَعرِض لها الوقف، فإنَّ التاء في الصَّالِحَاتِ يمكن أن تُحسَب في الجِفْر هاءً، وبحساب إِلَّا معها تُظهِر زمانَنا هذا: (١٣٥٨).
ثم إنه باعتبار اللفظ يمكن الإبقاء على التاء، لأن الهاء هنا لا تُقرأ، ومع إسقاط حساب الشَّدَّات و إِلَّا فالآية تُشير إلى طائفةٍ عظيمةٍ مستمسكةٍ بالإيمان والعمل
— 240 —
الصالح، تستمر في مقاومةِ الخسارات العظيمة ما ينوف على مئتَي سنةٍ من الزمان، وهو ما يوافق الزمانَ الذي بَيَّنتْه سورة الفاتحة في قوله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ إذْ يساوي مقامُه الجِفْريُّ ألفًا وخمسَمئةٍ وسبعةً وأربعين، أو ألفًا وخمسَمئةٍ وسبعةً وسبعين؛ كما يوافق الحديثَ الشريفَ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي الله بأمره» ، فإن الجملة الأولى منه تشير بمقامها (١٥٠٠) إلى آخرِ عهدِ طائفةٍ مجاهدةٍ في آخر الزمان؛ والجملةُ الثانيةُ تشير بمقامها (١٥٠٦) إلى تاريخ الجهاد المظفَّر؛ والجملةُ الثالثةُ تشير بمقامها (١٥٤٥) إلى الإشارات الغيبية في سورة الفاتحة وسورة العصر مع فارقٍ يسير.
وهكذا فإن جملةَ: الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ التي يساوي مقامُها بدون الشَّدّات (١٥٦١)، وجملةَ: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ التي يساوي مقامُها مع الشَّدّات ومع حساب الشدَّة في بِالصَّبْرِ لامًا (١٥٦٠)، تشتركان كلتاهما مع الجُمَل الثلاث للحديث الشريف في إشارتها إلى تاريخ (١٥٠٠)، وإلى مدى استمرار ذلك الجهاد، فتَدُلَّان بالمعنى الإشاريِّ الجِفريِّ على مقدار استمرار جهاد تلك الطائفة العظيمة، وتقتربان بمقامهما الأبجدي من التاريخ الذي تَدل عليه سورة الفاتحة والحديثُ الشريف، فتوافِقانه مع فارقٍ ما، وتُطابقانه تمامًا في المعنى، فتَعرِضان بذلك لَمعةً إعجازيةً غيبيةً ساطعة.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
كان سعيدٌ القديم قد جعل المدرسةَ الزهراءَ غايةَ ما يَصبو إليه خيالُه، وسعى جاهدًا لإقامتها، فمَنَّ الحقُّ تبارك وتعالى عليه من كمالِ رحمته بأنْ جعل "إسبارطة" بمثابة المدرسة الزهراء؛ وعوَّضه عن ناحيته التي هي "إسبارطةٌ صغيرةٌ" وعن الثُّلَّة المحدودة من الأقرباء والأحبَّاء فيها، فأحسنَ إليه بولاية "إسبارطة" المباركة، وجاد
— 241 —
عليه بآلافِ الإخوة من أبنائها؛ بل يُحتمَل أن تكون "إسبارطة الصغيرة" تلك منحدرةً في الأصل من "إسبارطة" الكبيرة هذه، ومن الجائز أن تكون "إسبارطة" هذه هي وطني الأصلي، حتى إنني أجد الإسبارطيَّ یی كائنًا مَن كان یی أوثقَ علاقةً بي وبرسائل النور من سائر الناس؛ بل لقد وجدتُ حاملَ هذه الرسالة "حلمي بك" الإسبارطيَّ أوثقَ رجالِ الشرطة في هذه البلدة علاقةً بنا وبرسائل النور، إلا واحدًا فاقَه في ذلك، وقد قَبِلناه في خواصِّ طلاب رسائل النور.
إن التعرُّض الذي جرى في "إسبارطة" و"صاوة" هو تعرضٌ عموميٌّ بدرجةٍ ما، فإن ثمة اعتداءاتٍ مُمَنهجةً في هذه الآونة تستهدف فتوحاتِ رسائل النور في كلِّ مكانٍ تنتشر فيه، وهو ما أَضَرَّ بدرجةٍ ما بنشاطِ طلابِ النور وحماسِهم، وأدى إلى حالةٍ من التوقف، والقحطُ الحالي ناجمٌ عن هذا التوقف؛ لكننا نَحمد الله تعالى ونشكره أنْ مَنَّ على أبطال "إسبارطة" وما حولَها بمتانةٍ كالفولاذ، فهم يُقَوُّون القوةَ المعنويةَ لسائر الأماكن؛ نعم، وقعتْ بعضُ الأضرارِ الجزئيةِ نتيجةَ التهاون والغفلة، فلا بد من الاحتياط والحذر على الدوام.
إن انقطاعَ المطر نتيجةَ التعطيلِ المؤقَّت لرسائل النور في "بارلا"، ونزولَ الغيث خاصًّا بمحيطِ "بارلا" بفضل تدخُّل رسائل النور، ونجدةَ الغيثِ الاستثنائيِّ لی"إسبارطة" بفضل إقبالها على رسائل النور كما ذكر "خسرو"، ونحوَ هذا من أماراتٍ كثيرةٍ وحوادثَ جَمَّةٍ وقعتْ هنا بمناسبة رسائل النور التي هي عينُ الرحمة لأرض الأناضول، أورثتْنا قناعةً بأنَّ ما لَقِيَتْه رسائلُ النور في هذا الزمن العصيب مِن تعرُّضٍ عموميٍّ واسعِ النطاق، واضطرارٍ للتعطيلٍ في أماكن عدة، قد أدى إلى هذا القحطِ والغلاءِ والاحتكارِ العجيب والجوعِ وانعدامِ البركة؛ وهي عينُ القناعة التي تَوصَّل إليها سائر أصحابي من حولي هنا، كی"أمين" و"فيضي".
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭