لاحقة قسطموني
— 238 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزاء.. هذه المرة نُرسِل إليكم هذه الثمرة بدلًا من المكتوب.
ثمرةٌ من ثمراتِ "قَرَه داغ"
إن الحقبة ما بين عهد الحرية إلى الآن هي فردٌ من كُلِّيةِ المعنى الإشاريِّ لإحدى آيات القرآن الكريم؛ وبيانُ ذلك أنني بينما كنت ذاتَ مرةٍ أصعد إلى قمة "قَرَه داغ" في الثلاثين من تشرين الثاني سنة ألفٍ وثلاثِمئةٍ وثمانيةٍ وخمسين إذْ خطر ببالي السؤال التالي:
هذه الهلاكاتُ والخساراتُ المتسلسلةُ التي حلَّت بالناس خصوصًا المسلمين.. منذ متى بدأتْ؟ وإلى متى ستدوم؟ وإذا بالقرآن المُعجِزِ البيان الذي يَحُلُّ جميع مشكلاتي يُبرِزُ أمامي سورةَ العصر قائلًا: اُنظُر.
نظرتُ، فإذا بآيةِ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ التي تُخاطب كلَّ عصر، وتتوجه إلى عصرنا هذا مزيدَ توجُّه، تَكشِف عن لَمعةٍ من لَمعاتِ إعجازها، وتُظهِر حقيقةً ماديةً من حقائقها في هذا العصر، إذْ إن مقامَها الجِفْرِيَّ يساوي یی بحُسبان الشَّدة والتنوين یی ألفًا وثلاثَمئةٍ وأربعةً وعشرين، وهو ما يوافق تاريخَ الخسارةِ الإنسانية الناجمةِ عن المصائبِ السماوية والأرضية، كتبدُّل السَّلْطنة الذي بدأ بثورة الحرية، وما تلا ذلك من حروبِ البَلْقان والطِّليان، وهزائمِ الحربِ العالمية الأولى ومعاهداتِها، واضطرابِ الشعائر الإسلامية، والزلازلِ والحرائقِ التي أصابتْ هذه البلاد، وعواصفِ الحرب العالمية الثانية على وجه الأرض.
ثم إن التاء التي في آخر: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ تُحسَبُ هاءً، فإذا حُسِبَتْ معها الشَّدَّةُ أَظهَر المقامُ الجِفْرِيُّ تاريخَ هذه السنةِ والسنةِ التي تليها، أي (١٣٥٨) و(١٣٥٩)، وبهذا فكما بَيَّنتِ الآيةُ بمنطوقها أن الإيمان والعمل الصالح هو السبيلُ الوحيدُ للنجاة من هذه الخسارات، لا سيما الخسارات المعنوية، فإنها
— 239 —
تُبيِّن بمفهوم المخالفة أن السبب الوحيد لهذه الخسارة هو الكفر والكُفران، أي: عدمُ الإيمان وعدمُ الشكر والفِسقُ والفجور.
فشَكَرنا الله تعالى موقنين بعَظَمة سورة العصر وقدسيتها، وبأنها مع قِصَرِها خزينةُ حقائقَ بغاية السَّعة والامتداد.
نعم، فكما أن الإيمان والعمل الصالح الآتيان من القرآن هما سببُ نجاة العالَم الإسلامي من الحرب العالمية الثانية الرهيبة التي هي الخسارةُ الكبرى لهذا العصر؛ فإن سببَ ما نزل بالفقراء من جوعٍ وقحطٍ هو عدم تذوُّقهم ما في الصيام من جوعٍ لذيذ؛ وسببَ ما أصاب الأغنياءَ من خسارةٍ وفَقْدِ أموالٍ هو قيامُهم بالاحتكار بدلًا من أداء الزكاة؛ وإن السبب الذي حال دون وقوع الأناضول ميدانًا للحرب هو رسائلُ النور التي لقَّنَتْ حقيقةَ الكلمةِ القدسية: إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا درسًا تحقيقيًّا في قلوبِ مئاتِ الآلاف من الناس بصورةٍ فائقة، وهذا ما تُثبِتُه أماراتٌ كثيرةٌ جدًّا، كما تُثبِتُه قناعاتٌ تَوَصَّلَ إليها آلافٌ من أهل الحقيقة والنباهة من طلاب رسائل النور.
فمن تلك الأماراتِ الصفعاتُ التي تَلقَّاها كثيرٌ ممن ضَيَّقوا على رسائل النور أو تَخلَّوا عن خدمتها، ومن ذلك أيضًا أن التضييق العام على انتشار رسائل النور في عموم البلد، والذي أصاب رسائلَ النور بحالةِ توقُّفٍ في هذه الآونة، كان سببًا في الضائقة العامة التي تشهدها البلاد حاليًّا.
٭ ٭ ٭