— 234 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إنني نتيجةَ تجارِبي التي تُقارب الألْف، بِتُّ مقتنعًا قناعةً تامةً بصورةٍ قطعيةٍ أنني في اليوم الذي أخدُم فيه رسائلَ النور، أجِد یی على قَدْر خدمتي یی جِلاءً في القلب، وراحةً في البدن، وصفاءً في الذهن، وبركةً في المعيشة.. هذا ما أشعر به في أكثر الأيام، وهو ما وجدتُه وما زلتُ أجده لدى كثيرٍ من إخواني هنا وهناك، ويعترف كثيرٌ منهم بأنهم
— 235 —
يشعرون بهذا الشعور أيضًا؛ حتى إن سِرَّ معيشتي بأقلِّ القليل من القُوت كما كتبتُ لكم في السنة الماضية إنما هو تلك البركة.
ثم إنه يروى عن الإمام الشافعي أنه قال: "أنا ضامنٌ رزقَ طالبِ العلمِ الخالص"، لأن في أرزاقه سعةً وبركة.
فما دامت هذه هي الحقيقة، وما دام طلابُ رسائل النور قد أظهروا في هذا الزمان الأهليةَ التامةَ لنَيلِ وصفِ "طالب العلم الخالص"، فلا شك أن أنجع حلٍّ إزاءَ القحط والجوع في هذه الأيام هو الشكرُ والقناعةُ والتمسكُ بالتَّلْمذة لرسائل النور، بدلًا من تركِ خدمتها والجرْيِ خلفَ المعيشة بعُذرِ ضرورةِ المعيشة.
نعم، إنَّ هَمَّ المعيشة هذا يَعصِف بالناس من كلِّ جهة، وأهلُ الضلالة يستغلون هذا الوضع، وأهلُ الدين يَعُدُّون أنفسهم معذورين فيقولون: إنها الضرورة، فماذا نفعل؟ ولهذا فينبغي لطلاب رسائل النور أن يواجهوا مصيبةَ الجوع والضرورةِ هذه بالنور أيضًا، فوظيفةُ طالب النور لا تقتصر على إنقاذِ إيمانه فحسب، بل هو مكلَّفٌ بالحفاظِ على إيمانِ الآخَرين، ولا يكون هذا إلا بالاستمرارِ الجادِّ في الخدمة.
سَبَق أن كتبنا إليكم ألَّا تقابلوا المعارضين بالعداوة، بل قابِلوا أهلَ التقوى وأهلَ العلم بالمصادقة ما أمكن؛ لكنْ ثمةَ نقطةٌ تنبَّهوا إليها جيدًا، وهي ألَّا تَضُمُّوهم إلى دائرتكم بطريقةٍ تَعودُ على رسائل النور بالضرر، أو تَنالُ من صلابةِ طلابها ومتانتهم، لأن أمثال أولئك إن لم يَدخلوا دائرةَ النور بنيَّةٍ خالصةٍ فربما أَورَثوا الفتور، فإن كانوا أصحابَ أنانيةٍ ومراءاةٍ فإنهم يُوهِنون متانةَ طلابِ النور ويَلفِتون أنظارهم إلى خارج رسائل النور فيُشتِّتون انتباهَهم، واللازمُ في هذه الآونة مزيدُ تَيَقُّظٍ ومتانةٍ واحتياط.
ثمة اثنان من أبطالِ طلابِ رسائل النور في هذه النواحي نَبَغا نبوغًا فوقَ ما كنتُ أؤمِّل، هما أبٌ وابنه: "أحمد نظيف" و"صلاح الدين"، فنحن نرى هذَين الشخصَين الفاضلَين يعملان في نشر رسائل النور ما يضاهي عمل مئتَين، فمن ذلك أن أحدهما،
— 236 —
وهو الابن، يقيم في مدينة "قارْص"، ويعمل على نحوٍ فعالٍ ومؤثِّرٍ بالمراسلة إلى كلٍّ من "وان" و"أرضروم" و"قونية" وإلينا هنا كما في الرسالة المرفَقة، فهو أنموذجٌ تامٌّ لی"عبد الرحمن".
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭