— 230 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لقد أخذَتْ تَلوحُ جَلْوةُ عنايةٍ إلٰهيةٍ أخرى في مواجهةِ مصيبتَين تُعيقان انتشار رسائل النور وفتوحاتِها؛ أما المصيبة الأولى، وهي أرضيةٌ بشَرية، فهي التعرُّض الذي نَلقاه من أهل الضلالة وَفق خُطةٍ شاملةٍ وبأساليب مختلفةٍ للحيلولة دون انتشار رسائل النور، ولتفتير هِمَمِ خواصِّ طلابها والجادِّين من أصحابها وثَنْيِ عزائمهم وإطفاءِ رغبتهم، سواءٌ في "إسبارطة" أو في "إسطنبول" أو في "قَسْطَموني" وما حولَها، حتى إن القوم لمَّا عَجَزوا عن تثبيطِ هِمَم الطلاب الخُلَّص أخذوا يَشغلونهم بمشاغل جديدةٍ بغيةَ الإضرار بجهودهم.
وأما المصيبة الثانية، وهي مصيبةٌ سماوية، فهي أن هذا الاحتكار قد أدى إلى غَلَبةِ شؤونِ الحياةِ والمعيشةِ على المشاعر الدينية، فأصبح أكثرُ الناس لا يفكِّرون إلا في مَعِدتهم ومعيشتهم، حتى صار طلابُ رسائل النور یی وأكثرُهم فقراء یی يُضطرون إلى ترك وظيفتهم الحقيقية، أعني خدمةَ نشرِ رسائلِ النور التي هي أهمُّ وظيفةٍ لهم، لاضطرارهم إلى الكدح والعَناء إزاء هذه المصيبة.
فكان مِن آثارِ ذلك كلِّه أنِ استولتْ على أذهان الناس وأفكارِهم حالةٌ من التهاون واللامبالاة تُجاه الحقائق الإيمانية تحديدًا، وحَلَّتْ فترةُ توقُّفٍ وركود، لكنَّ الحقَّ جلَّ شأنُه يَسَّرَ بعنايتِه ورحمتِه سبيلًا جديدًا لانتشار رسائل النور وفتوحاتها؛ فمِن ذلك أن ثُلَّةً من أهل العلم والفضل في إسطنبول شرعوا يعقِدون أواصرَ الصلةِ برسائل النور بجِدِّيةٍ وتقدير، منهم "علي رضا" أمين الفتوى السابق، و"أحمد شيراني"، وكِلاهما من أجِلَّة العلماء في إسطنبول، وكالواعظ "شمسي" أحدِ أبرزِ الوُعَّاظ فيها.
ومن ذلك أننا أرسلنا مع الحافظ "مصطفى" سبعةَ أجزاءٍ من رسائل النور لتُطبَع معًا في مجموعٍ واحدٍ بالحرف المُستحدَث، وأولُ هذه الأجزاء وأهمُّها: "الآيةُ
— 231 —
الكبرى"، وأرسلْنا كذلك أربعةَ مقتطفاتٍ أخرى فيها تذكرةٌ للشباب وتنبيهٌ لهم لتُطبَع في رسالةٍ واحدة، ولم يكن هذا الأمر يَخطُر في بالنا من قبل.
ومن ذلك أن أحد الفضلاء ينوي طباعةَ أجزاءَ مهمةٍ من رسائل النور بمساعدةِ شخصٍ ذي رتبةٍ عاليةٍ في أنقرة، غير أني لم أوافق على ذلك الآن.
والحاصل أنه كلما أُغلِق بابٌ فَتَحتِ العنايةُ الإلٰهيةُ أبوابًا أَرحب، ويَسَّرتْ سبيلًا أقرب، إكرامًا لرسائل النور، وهذا من فضل ربي أرحمِ الراحمين، فله الحمد والشكر والثناء بعددِ حروفِ رسائلِ النور المكتوبة والمنطوقة.
وبناءً على هذا فلا تقلقوا ولا تحزنوا لهذا التوقف والفتور المؤقَّت، فإن الجهود التي بُذِلتْ حتى اليوم هي أشبه بالبذور التي يمكن أن تُخرِج في المستقبل سنابلَ كافية، بل لو فرضنا جدلًا أنه لن تستمر الجهود بعدُ، فإنها بحدِّ ذاتها كافية؛ ثم إنه قد تَقَرَّر بشكلٍ قاطعٍ أن الحاجة إلى حقائق رسائل النور في هذا الزمان هي كالحاجة إلى الطعام والشراب، وهذه الحاجة لن تُبقي على حالةِ الركود هذه، بل ستَدفع إلى العمل من جديدٍ بإذن الله.
التقينا بالحافظ "مصطفى" نيابةً عنكم جميعًا، لكنْ كانت مدة اللقاء محدودة، نسأل الله تعالى أن يوفقه و"طاهري" في مسألة الطباعة، آمين.
سَرَّنا كثيرًا ما أخبر عنه الحافظ "علي" في رسالته من لقائه وتشاوُرِه الأَخَويِّ الصادق مع "حاجي حافظ" أستاذِ المدرسة النورية.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭