لاحقة قسطموني
— 227 —
فهذا ما حَكَم به هذا العالِم المُدقِّق صاحبُ الكلِمة المسموعة في علوم الدين والشريعة والقرآن؛ فينبغي لطلاب النور ألَّا يصرحوا باسمه احتياطًا وحذَرًا من المُغرِضين، وعليهم أن يُشرِكوه في دعائهم.
والسلام على عموم إخواننا..
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أبدًا دائمًا
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المستقيمين..
ثمةَ حقيقةٌ لا بدَّ من بيانِها بتنبيهٍ في غايةِ الجِدِّيَّة، وهي أن أهل الولاية لا يَعلمون شيئًا من الأمور الغيبية إلا إذا أُعلِموا بها، إذْ لا يَعلم الغيبَ إلا الله؛ وإنَّ المحاربة التي وقعتْ بين العشَرةِ المبشَّرين بالجنة تُبيِّن أنه يمكن حتى لأكبیرِ وليٍّ أن يُبارز خصمَه بغير حقٍّ، لعدمِ علمه بحقيقةِ حاله.
وهذا يعني أنه لو وقع بين اثنين من الأولياء أو من أهل الحقيقة إنكارٌ من أحدهما على الآخَر، فإنَّ هذا الإنكار لا يُسقِطهما من مقامهما، إلا أن تكون مخالفةٌ لظاهر الشريعة بالكُلِّية، أو عملٌ باجتهادٍ ظاهرِ الخطأ.
— 228 —
فبناءً على هذا السر..
واتباعًا لمبدأ عُلوِّ الجَنابِ في قوله تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ.
وبناءً على ضرورةِ حفظِ إيمانِ عوامِّ المؤمنين من التزعزع، باجتنابِ التعرُّض لحُسْنِ ظنِّهم بشيوخهم؛ وحفظِ أركانِ رسائل النور عن حِدَّةِ الغضب یی وإن كانت مُحِقَّة یی إزاءَ الاعتراضات الباطلة.
ودَرْءًا لأهلِ الإلحاد أن يستفيدوا من الخصومة بين طائفتين من أهل الحق، إذْ يَجرحون إحداهما بسلاح الأخرى واعتراضِها، ويدحضون الأخرى بدلائل الأُولى، ثم يُجْهِزون عليهما معًا فيَهزمونهما..
أقول بناءً على هذه الأسس الأربعة: يجب على طلاب رسائل النور ألَّا يقابِلوا المعارضين بالحِدَّة والتهوُّر، ولا بالمِثْل، بل عليهم أن يقدِّموا الإجابةَ والإيضاحَ عن نقاطِ الاعتراض متحلِّين بروحِ المسالمة، دفاعًا عن النفس لا غير، فإن الأنانية قد طَغَتْ في هذا الزمان حتى بات كلُّ امرئٍ يأنَف أن يُذيب أنانيتَه التي تُشبِه قطعةَ جليدٍ بطولِ قامته، بل يرى نفسه معذورًا، ومن هنا ينشأ النزاع، فيتضرر أهلُ الحق، ويستفيد أهلُ الضلالة.
وإنَّ حادثة الاعتراض التي جَرَتْ تومِئ إلى أن رسائلَ النور وطلابَها سيَعتَرِضُ عليهم في المستقبل بعضُ المعجَبين بمشربهم ممن لهم منزلةٌ بين الناس، وبعضُ الأنانيِّين في المشارب الصوفية، وبعضُ أهلِ الحق وأهلِ الإرشاد ممن لم يُميتوا نفوسَهم الأمَّارة ولم يتخلصوا من ورطةِ حُبِّ الجاه، حفاظًا على رَواجِ مسلكهم ومَشربهم وحُسْنِ توجُّه أتبَاعهم إليهم، بل قد يواجهون رسائلَ النور وطلابَها مواجهةً تثير الدهشة، والواجبُ علينا في مثل هذه الحوادث أن نتحلى بالثباتِ وضبطِ النفس، وألا ننجرَّ إلى العداوة أو نوجِّهَ لرؤساء تلك الفئاتِ المعارِضةِ سهامَ الرد والتفنيد.
اضطررتُ لإفشاء سِرٍّ لم يكن يَخطُر ببالي إفشاؤه، وهو أن الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور، والشخصَ المعنويَّ لخواصِّ طلابِها الذين يمثِّلون ذلك الشخصَ
— 229 —
المعنوي، مَظهرٌ لمقام "الفريد"، ولهذا فهو خارجَ تصرُّفِ قُطبِ البلد، بل خارجَ تصرُّف القطب الأعظم الذي يكون یی بالأكثرية المطلقة یی في الحجاز، وليس مضطرًّا للدخول تحت حكمه، ولا للاعترافِ به، كالإمامَين الموجودَين في كل زمان.
ولقد كنت في السابق أظن أن الشخصَ المعنويَّ لرسائل النور هو أحد أولئك الأئمة، ثم تبين لي الآن أنه لما اجتمع في الغوث الأعظم "الفرديةُ" مع "القطبية" و"الغوثية"، كانت رسائل النور التي يرتبط بها تلاميذ الغوث الأعظم في آخر الزمان مظهرَ "مقام الفردية" هذا.
وبناءً على هذا السِّرِّ العظيمِ الجديرِ بالكتمان، فلو فرضنا مُحالًا وُرودَ اعتراضٍ على رسائل النور حتى من القطب الأعظم بمكة المكرمة، فإن طلاب رسائل النور لا يضطربون للأمر، بل يتلقَّون اعتراضَ هذا القطبِ الأعظمِ المباركِ في صورةِ تحيةٍ وثناءٍ منه، ويوضحون لأستاذهم الجليل هذا نقاطَ الاعتراض ويُقبِّلون يدَيه لينالوا إقباله.
فيا إخوتي.. إن هذا الزمان الذي يَعُجُّ بالتيارات الرهيبة والحوادث الهائلة التي تضطرب منها الدنيا وتتزعزع بها حياةُ الناس، يحتاج إلى ما لا يُحَدُّ من الثبات وضبط النفس والتحلي بروح التضحية.
أجل، إن حُبَّ الدنيا وتفضيلَها على الآخرة رغم العِلم بها والإيمانِ بها، وترجيحَ زجاجٍ منكسرٍ على ألماسٍ باقٍ بعلمٍ ومحبةٍ ورضًا، وإيثارَ درهمِ لَذَّةٍ عاجلةٍ مسمومةٍ على قنطارِ لَذَّةٍ آجلةٍ صافيةٍ خضوعًا للحِسِّيات العمياء التي لا ترى العواقب، لَهُوَ داءٌ وبيلٌ ومصيبةٌ رهيبةٌ لهذا العصرِ بسِرِّ إشارةِ آيةِ: يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ.. وإنه من جَرَّاء هذه المصيبة يقع أحيانًا بعضُ المؤمنين الحقيقيِّين في أخطاء جسيمةٍ كموالاةِ أهل الضلالة، نسأل الله تعالى أن يحفظ أهلَ الإيمان وطلابَ رسائل النور من شرِّ هذه المصائب، آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭