— 224 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ حروف رسائل النور المقروءة والمكتوبة
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
قامت في القلب حاجةٌ لأن أُبيِّن لكم ثلاثَ نِقاط:
أُولاها: قاعدةٌ أساسيةٌ من قواعد رسائل النور، وهي أن في كلِّ حادثةٍ جهتَين: يدُ الإنسان ومُداخلةُ القَدَر، وأن الإنسان ينظر إلى السببِ الظاهريِّ للحادثة، فيَحكُم بغير حقٍّ أحيانًا فيَظلم، أما القَدَر فيَعدِل، لأنه ينظر إلى السبب الخفيِّ للمصيبة.
وقد ثبت بالتجارِب أنه ما من حادثةٍ نَزلتْ برسائل النور حتى الآن إلا كان فيها يدُ عنايةٍ ووجهُ رحمة.
وبخصوص هاتين الجهتَين فقد برز من القلب سؤالٌ يقول: ما وجهُ العدالة والرحمة للنور في هذه الحادثة الأخيرة التي وقعتْ في إسطنبول؟
فوَرَدَ على الخاطر جوابٌ يقول: إن هذه الحادثة دَفعتْ أهلَ العلم وأهلَ النباهة للنظر والتدقيق بجِدِّيةٍ في رسائل النور، ولا شكَّ أن أيَّ عالِمٍ يُدقِّق في رسائل النور سيُناصرُها إنْ كان ذا إنصاف؛ هذا وسيكون لرسائل النور ظهورٌ وانتشارٌ في أوساط العلماء وفي آفاق إسطنبول بإذن الله؛ فهذا وجهُ الرحمة والعناية.
— 225 —
أما وجهُ عدالةِ القَدَرِ الإلٰهيِّ فهو أنه كان ثمةَ احتمالٌ قويٌّ جدًّا أن يُعْزى الشطرُ الأهمُّ من الخدمات الإيمانية الفائقة التي تحقَّقتْ بواسطةِ حقيقةِ رسائل النور والشخصِ المعنويِّ لطلابها.. أن يُعْزى ذلك كلُّه إلى تَرجُمانِها الذي لا حول له ولا قوة، وأن يثير فرطُ حُسْنِ ظنِّ أصحابِه به مخاوفَ أهلِ السياسة، فيتوجَّسوا منه فكرةَ سياسةٍ إسلاميةٍ ثورية؛ ذلك أن أهلَ الدنيا وأهلَ السياسة وعامَّةَ الناس إنما يَرَون مِن خدمةِ رسائل النور ما يتعلق بالسياسةِ الإسلاميةِ والحياةِ الاجتماعيةِ للأمة، فهذا ما يتبوأ عندهم الدرجة الأولى في الأهمِّية، ويَرْجَحُ عندهم على ما سواه، مع أنه في نظر الحقيقة يقع في الدرجة العاشرة مقارَنةً بقضيةِ الإيمان، ومع أن العمل للحقائق الإيمانية هو أعظمُ قضيةٍ ووظيفةٍ وخدمةٍ في الوجود.
فلأجل هذه المخاوف يمكن أن تُحارَب رسائلُ النور في مجال الحياة الاجتماعية ويُحالَ دون فتوحاتها؛ ولا ريب أن ذلك یی لو حصل یی خطأٌ جسيمٌ وضررٌ عظيمٌ، فتدخَّلَ القَدَرُ الإلٰهيُّ لإصلاحِ هذا الخطأ، وإزالةِ ذلك الاحتمال، وتعديلِ آمالِ مَن كانوا يؤمِّلون مثلَ تلك الآمال، فأَخرجَ لنا معارِضًا من أبناء بلدنا وجِلدتنا، ومن الأحباب والمشايخ والسادات والعلماء الذين هم أَولى مَن ينبغي أن يسارعَ لعوننا وينضمَّ إلينا، فعَدَّل به ذلك الإفراط، فعَدَل، وحَكَم علينا برحمته بهذه الحادثة قائلًا: حَسبُكم خدمةُ الإيمان فإنها أعظمُ قضيةٍ في الوجود؛ ثم أَسكتَ ذلك المعارضَ، وأطفأ تلك النار، ولله الحمد، غير أن المنافقين يَسعَون لإيقادها.
النقطة الثانية: إن ما نَجَمَ عن هذا الاحتكار الفظيع من قحطٍ وغلاءٍ وجوعٍ وضرورةٍ لَيَجرَحُ عِرْقَ الحياةِ في الإنسان جُرحًا بليغًا، وهذا الجُرح يَصير وسيلةً لإسكاتِ المشاعر الدينية العُلْوية بعضَ الشيء، وبذلك يُقدِّم عونًا لأهل الضلالة، إذْ يَشْرَع كلُّ شخصٍ بالتفكير في مَعِدته، وينشغل القلبُ بالخبز أكثر من انشغاله بالحقيقة، فيُسارع المرء إلى شؤون الحياة والمعيشة تاركًا وظيفتَه الحقيقية في درجةٍ ثانية.
وإزاءَ هذا يمكن لطلاب رسائل النور أن يَنظروا إلى هذه الوضع على أنه رمضانٌ طويلٌ فيُحوِّلوه إلى رياضةٍ شرعيةٍ وكفَّارةٍ للذنوب.. إن هذه المصيبةَ التي نَزَلتْ
— 226 —
بأشقياءَ انتهكوا حرمةَ رمضان بالإفطار فيه جَهرًا هي مصيبةٌ تؤلم الأبرياء أيضًا، لكنَّ طلابَ رسائل النور وأولادَهم الأبرياء يُحوِّلون هذه المصيبةَ لصالحهم، ويَقْلِبونها إلى رياضةٍ تعود عليهم بالخير والنفع، ويقابلونها بالقناعة والاقتصاد.
النقطة الثالثة: مسألتان:
الأُولى: أن الرسالة التي كتبها الشيخ المدقِّق "صبري" بخصوص ما استنبطه "فيضي" هي رسالةٌ حسنةٌ لطيفة، وقد عُدِّلت بعضُ كلماتها بعد إدراجها في "المَلاحق" لئلا يقول المشايخ عنها: "فيه نَظَر".
المسألة الثانية: أن الشيخ "علي رضا"، وهو أكبر علماء إسطنبول وأكثرهم تدقيقًا، والذي شَغَل لمدةٍ طويلةٍ منصبَ أمين الفتوى المعروف بی"مفتي الأنام"، بعد أن طالع رسالة "الآية الكبرى"، والإشارات القرآنية الواردة في رسالة "الشعاع الأول" ونحوَها من الرسائل، قال للحافظ "أمين" أحدِ طلاب رسائل النور البارزين ما نصُّه:
"إن بديع الزمان قد أسدى أعظمَ خدمةٍ للإسلام في هذا الزمان، ومؤلفاتُه قيِّمةٌ في غاية الصِّحَّة.. لقد تخلى عن الدنيا ووَقَفَ نفسَه لهذه المُهمِّة في أحلك الظروف وأشدِّها حاجةً، فأخرج هذه المؤلَّفاتِ البديعةَ "رسائلَ النور" التي لم يتيسر مثلُها لأحد، إنها مُجدِّدٌ للدين، وهي حَرِيَّةٌ بكلِّ تهنئةٍ وتقدير؛ أسأل الله تعالى أن يوفقه بالخير، آمين".
ودافع عنه إزاءَ اعتراض بعضهم على عدم إعفائه لحيَته، واستشهد بقصة "سلطانِ العلماء" والدِ مولانا "جلال الدين الرومي"، وقال: "لا بد أنَّ لبديع الزمان اجتهادَه في المسألة، والمعترضون عليه متعسِّفون"، وأملى على الشيخ "مصطفى" ما نصُّه:
أُبلِّغ بديعَ الزمان سلامي بكلِّ احترام.. وأرجو من الله أن يعينكم على إكمال مؤلَّفاتكم، فاستمروا في جهادكم، ولا تتأثروا من تعرضكم لانتقادات بعض علماء
— 227 —
السوء، فإنما يُرمى بالحجر مُثْمِرُ الشجر كما هو معلوم؛ (حاشية): أي: لو كان لهؤلاء الذين يَرمون الأشجارَ المثمرةَ بالحجارة عقلٌ، لأكلوا منها وتذوَّقوا ثمراتِها الطيبةَ المباركةَ بدلًا من الإضرار بها؛ فيضي. أسأل الله الفياضَ المطلقَ سبحانه أن يوفقكم للخيرات، ويبلِّغَكم مرادَكم ومطلوبَكم عاجلًا.
دمتم في عناية الحقِّ الباقي
أمين الفتوى السابق
علي رضا
٭ ٭ ٭