لاحقة قسطموني
— 215 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الخالصين المخلِصين.. أصحابي في الخدمة القرآنية الجادِّين الحقيقيين..
وَرَدَ إلى القلب إخطارٌ قويٌّ بمناسبة بَدء انتشار "لَمعة الإخلاص" في "إسبارطة" وفيما حولَنا، وبجهةِ وقوع حادثتَين طفيفتَين مؤخَّرًا، فستُكتَب ثلاثُ نقاطٍ بخصوص الرياء.
الأولى: أن الرياء لا يَدخل على الفروضِ والواجبات، ولا على الشعائر الإسلامية، أو اتباعِ السُّنَّة السَّنِية، أو تركِ المحرمات، فلا رياء في إظهار شيءٍ من ذلك، إلا أن يكون المرء مُرائيًا بطبعه مع ضعفٍ شديدٍ في إيمانه؛ بل لقد بَيَّن الأكابرُ كحجةِ الإسلام الإمامِ الغزاليِّ رضي الله عنه أن إظهار العبادات المتعلقةِ بالشعائر الإسلامية أعظمُ أجرًا من إخفائها؛ فإذا كان إخفاءُ سائرِ النوافل له أجرٌ عظيم، فإن إظهارَ ما يتعلق منها بالشعائر، لا سيما ما يُظهِر شرفَ اتباع السُّنَّة في زمان البِدَع هذا، وكذا إظهارُ التقوى باجتناب المحرَّمات وسط انتشار الكبائر هذا: ليس من الرياء في شيء، بل هو أعظم من الإخفاء أجرًا وإخلاصًا بدرجاتٍ كثيرة.
النقطة الثانية: حول الأسباب التي تَسوق الناس إلى الرياء.
فالسبب الأول: ضَعف الإيمان؛ فالغافل عن الله يَأْلَهُ الأسباب، ويتخذ تجاه الخلق وضعية المُراءاة بالدعاية للنفس وتسويقِها.
ولما كان طلاب رسائل النور يتلقَّون من رسائل النور درسَ الإيمانِ التحقيقيِّ المتين، لم يكونوا في مقامِ العبودية لِيُولوا الأسبابَ والخلقَ قيمةً أو أهميةً حتى يراؤوهم ويتظاهروا لهم في عبوديتهم.
السبب الثاني: الحرص والطمع؛ فإنهما يَسوقان المرءَ إلى اتخاذِ وضعيةِ المراءاةِ لِلَفْتِ أنظارِ الناس وتَوَجُّهِهم من جهةِ الضعف والفقر.
وإن العزة الإيمانية التي يتلقاها طلاب النور من دروس رسائل النور، كالاقتصاد،
— 216 —
والقناعة، والتوكل، والرضا بقِسمة الله، تمنعهم بإذن الله من الرياء ومن التصنع لأجل منفعة الدنيا.
السبب الثالث: مشاعرُ مثلُ الحرصِ على الشهرة، وحبِّ الجاه، والرغبةِ في تَبوُّءِ المنزلة، والتفوقِ على الأقران، فيتراءى المرءُ للناس بما هو حَسَن، أو يتصنعُ ليَحوزَ أهميةً فوق حدِّه، أو يتكلَّفَ تَقَلُّدَ هيئةٍ يبدو فيها صاحبَ مقامٍ رفيعٍ لا يليق به.
لكنَّ طلاب رسائل النور يستبدلون بی"الأنا" "نحن"، فيتركون الأنانية ليعمَلوا باسم الشخص المعنوي في دائرة رسائل النور، فيقولون: "نحن"، بدلًا من "أنا".
وكما سلك أهلُ الطريقة منهجَ "الفناء في الشيخ" و"الفناء في الرسول" و"إماتة النفس" للخَلاص من الرياء، فإن إحدى وسائل الخَلاص من الرياء في هذا الزمان هي: «الفناء في الإخوان» ، وهي أن يُذيب المرء شخصيتَه في الشخصِ المعنويِّ لإخوانه ويتصرَّفَ وَفقًا لذلك، فبهذا السِّرِّ ينجو طلاب النور من الرياء بإذن الله كما نجا منه أهلُ الحقيقة.
النقطة الثالثة: وهي أن حَمْلَ الناس على حُسن القبول باعتبار الوظيفة الدينية، واتخاذَ الأطوارِ والأوضاعِ الرفيعة التي يقتضيها هذا المقام، ليس رياءً ولا ينبغي أن يُعدَّ رياءً، إلا أن يَجعل المرءُ هذه الوظيفةَ تابعةً لأنانيته ويستعملَها بحسَب ذلك.
أجل، فإمام المسجد يَجهر بالأذكار والتسبيحات ويُسمِعها الآخَرين بمقتضى قيامه بوظيفة الإمامة، وهذا لا يمكن أن يكون رياءً بأيةِ جهة، وإنما يمكن أن يُداخلَه الرياءُ إنْ جَهَر بها وأسمعَها للناس خارجَ نطاق وظيفته، ولهذا كان إسرارُه بها خارجَ وظيفته أعظمَ أجرًا.
وإن طلاب رسائل النور الحقيقيين يُعَدُّون موظَّفين لدى القرآن في نشر الدين، وفي عبادتهم باتِّباع السنة، وفي تقواهم باجتناب الكبائر، فليس في هذا رياءٌ إن شاء الله؛ إلا مَن دخل إلى دائرة رسائل النور لمَقصَدٍ آخَر دنيوي.
كان سيُكتَب المزيد، لكنْ قَطَعَ ذلك حالةُ تَوَقُّف.
٭ ٭ ٭