— 208 —
﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾
﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾
والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين
برهانان عظيمان للتوحيد
هذا الكون بتمامه برهانٌ عظيم.. ولسانُ الغيب في عالم الشهادة يُسبِّح ويُوحِّد، نعم، يَهدِر ذاكرًا بتوحيد الرحمٰن أنْ: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
كلُّ ذرةٍ من ذرَّات الكون، وكلُّ خليةٍ من خلاياه.. كلُّ عضوٍ وكلُّ ركنٍ في جنباته وزواياه.. لسانٌ ذاكرٌ يقول بذلك الصوت الهادر: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
في تلك الألسنة تنوُّع.. في تلك الأصوات مراتب.. لكنها تجتمع في نقطةٍ واحدة.. ذِكرُها فيها وصوتُها: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
هذا الكون إنسانٌ أكبرُ يردِّد الذكرَ بصوتٍ عظيم.. وجميعُ أجزائه وذرَّاته تَلهَج ذاكرةً بصوتٍ رقيق.. تُرَدِّد مع ذلك الصوت المديد: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
هذا العالَم يَقرأ عُشْرًا في حَلْقة الذكر.. وهذا القرآن المُشرِق المنير يدعو كلَّ ذي روح للتفكُّر أنْ: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
هذا الفرقان الجليلُ الشان، هو لذاك التوحيد ناطقُ البرهان.. والآياتُ جميعُها هي لذاك الإيمان ألسنةٌ صادقة، وشعاعاتٌ بارقة.. تُردِّد معًا: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
إذا ما ألصقتَ سمعَك بصدر هذا الفرقان، سمعتَ من أعمق الأعماق صدًى سماويًّا يقول صريحًا: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
ذلك الصوتُ العُلْويُّ الجليل، الجادُّ المَهيب، الفيَّاضُ بالصدق والإخلاص، المُفعَم بالإقناع والإيناس، المُجهَّز بالبرهان، يقول مُكرَّرًا: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
— 209 —
وهذا البرهان المنوَّر.. جهاتُه السِّتُّ شفافة.. فعلى ظاهره تتراءى سِكَّة الإعجاز مُنَقَّشةً مُزَهَّرة.. وفي باطنه نور الهداية يتلألأ قائلًا: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
مِن تحته نُسِجَ المنطقُ والبرهانُ المُهَفْهَف.. وفي يمينه استنطاق العقل.. وكلُّ طرفٍ مُرَفرَفٌ.. والأذهانُ تقول: صَدَقتَ.. لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
وعن شماله یی وهو يمينٌ یی يَشهَد الوجدان.. وأمامَه الخير والحُسْن، وهدفُه السعادة، ومفتاحُه في كلِّ وقت: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
ومن ورائه یی وهو أمام یی السَّنَدُ السماويّ، إذْ هو محضُ وحيٍ ربانيّ.. فهذه الجهاتُ السِّتُّ وَضَّاءةٌ يتجلى في بروجها: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
فأنى تَصِلُ لهذا القصر البارق الشارق، وسوسةُ شيطانٍ سارقٍ مارق، أو يَطرُق بابَه من الشبهة والوهم طارق، وكلُّ سورةٍ من سُوَرِه سُوْرٌ شاهق، وكلُّ كلمةٍ من كلماته ملَكٌ ناطق، يردِّد: لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ.
أجل.. فهذا القرآن العظيمُ الشأن بحرُ توحيدٍ مَهيب.. فإن شئتَ من هذا البحر قطرةً مثالًا، فإليك سورةَ الإخلاص، نتناول من رموزها التي لا نهاية لها رمزًا قصيرًا واحدًا، فإنها تَرُدُّ جميعَ أنواع الشرك، وتُثبِت سبعةَ أنواعٍ من التوحيد، في ستِّ جُمَلٍ فحسب، ثلاثٌ منها مَنفيَّة، وثلاثٌ أخرى مُثبَتة.
فالجملة الأولى: قُلْ هُوَ، إشارةٌ بلا قرينة، أي هي تعيينٌ بالإطلاق، وفي ذلك التعيين تَعَيُّن، أي: لا هو إلا هو.
وهذا إشارةٌ إلى توحيدِ الشهود، فإن النظر المُشاهِدَ للحقيقة، إنْ كان مستغرقًا في التوحيد يقول: لا مشهود إلا هو.
الجملة الثانية: اللَّهُ أَحَدٌ، تصريحٌ بتوحيد الألوهية، إذِ الحقيقةُ تقول بلسان الحق: لا معبود إلا هو.
الجملة الثالثة: اللَّهُ الصَّمَدُ، صَدَفٌ لدُرَّتَين من دُرر التوحيد:
الدُّرَّة الأولى: توحيد الربوبية، إذْ لسانُ نظامِ الكون يقول: لا خالق إلا هو.
— 210 —
والدُّرة الثانية: توحيد القَيُّومية، إذْ لسانُ الاحتياج إلى المؤثِّر یی وجودًا وبقاءً یی في الكون برُمَّتِه يقول: لا قَيُّوم إلا هو.
الرابعة: لَمْ يَلِدْ، وفيها توحيدٌ جلاليٌّ مستترٌ يَرُدُّ جميعَ أنواع الشرك، ويقطع دابر الكفر؛ أي إن الذي يتغير أو يتناسل أو يتجزأ فليس بخالقٍ ولا قيومٍ ولا إلٰهٍ البتة.
وإنَّ لَمْ تَرُدُّ فكرةَ الولد وكُفريَّةَ التولُّد وتجتثُّها من أصلها؛ إذْ مِن هذا الشِّرك ضلَّ أكثرُ الناس، وشاع بينهم بين حينٍ وآخر شِركُ التولُّد مزعومًا في "عيسى" أو "عُزيرٍ" عليهما السلام، أو في الملائكة، أو العقول.
الخامسة: وَلَمْ يُولَدْ، توحيدٌ سرمديٌّ يشير إلى أن مَن لم يكن واجبًا قديمًا أزليًّا فليس بإلٰه.
أي: مَن كان حادثًا في مدة، أو متولِّدًا عن مادة، أو منفصلًا عن أصل، لا يكون إلٰهًا البتة.
فعبادةُ الأسباب، وتقديسُ النجوم، واتخاذُ الأصنام، وتأليهُ الطبيعة، كلُّها أنواعُ شركٍ ومَهاوي ضلالة.
السادسة: وَلَمْ يَكُنْ...، توحيدٌ جامع، فلا نظيرَ له في ذاته، ولا شريكَ له في أفعاله، ولا شبيهَ له في صفاته.. هذا مؤدَّى لفظِ لَمْ.
فهذه الجُمَل السِّتُّ بعضُها لبعضٍ نتيجةٌ وبرهانٌ معنًى، وهي براهين مُسلسَلة، ونتائج مرتَّبة، قد اجتمعت في هذه السورة.
أي: إنه قد اندرج في سورة الإخلاص هذه ثلاثون سورةً مُسلسَلةً مرتَّبةً على قدر قامتها، وهي لهنَّ مَطلِع الفجر.
لا يَعلم الغيبَ إلا الله
٭ ٭ ٭