— 21 —
إخواني.. أُخطِرتْ في هذه الأيام مسألتان، إحداهما تتعلق بطلابِ رسائل النور، والأخرى تتعلق بي؛ أكتبُهما لكم لأهميتهما.
المسألة الأولى: سَبَق أنْ بُيِّن أنَّ في إشاراتِ آيتَين أو ثلاثٍ في "الشعاع الأول" بشرى قدسيةً وبشارةً قويةً بأن طلبة رسائل النور الصادقين يَدخلون القبر بالإيمان، وأنهم من أهل الجنة، غير أني كنت أتريَّث في الأمر، إذْ إن هذه المسألةَ الجليلةَ والإشارةَ القَيِّمةَ تتطلب دليلًا يمنحها القوة التامة، فكنت منتظرًا لهذا منذ زمن، وإذا بأمارتَين وَرَدَتا على قلبي، ولله الحمد:
الأَمارة الأولى: أن أهل الكشف والتحقيق حكموا بأن الإيمانَ التحقيقيَّ كلَّما ارتقى من علم اليقين إلى حقِّ اليقين حُفِظَ من السَّلْب، فلا يُسلَب أبدًا؛ وقالوا: كلُّ ما يمكن للشيطان فعلُه بالمرء عند سكرات الموت هو إيقاعُه في التردد بإلقاءِ الشبهات إلى عقله فحسب.
لكنَّ هذا النوع من الإيمان التحقيقيِّ لا يتوقف عند العقل وحدَه، بل يَسري إلى القلب والروح والسِّرِّ وغيرِها من اللطائف، فيتأصَّل فيها ويترسَّخ إلى حيثُ لا يمكن أن تصل إليه يدُ الشيطان، وإيمانُ أمثالِ هؤلاء محفوظٌ من الزوال.
وأحدُ طُرُق الوصول إلى هذا الإيمان التحقيقي هو بلوغُ الحقيقة بالكشف والشهود، وذلك بالولاية الكاملة، وهذا الطريق مخصوصٌ بأخصِّ الخواص، وهو إيمانٌ شهودي.
أما الطريق الثاني فهو التصديقُ بالحقائق الإيمانية، بعِلمِ يقينٍ يَبلغ درجةَ الضرورةِ والبداهة، وبقوةٍ في درجةِ حقِّ اليقين، بامتزاجِ العقل والقلب على نحوٍ برهانيٍّ قرآنيٍّ، بفيضِ سرِّ الوحي في جهة الإيمان بالغيب.
وهذا الطريق الثاني يجده خواصُّ طلابِ رسائل النور أساسَ رسائل النور وخميرتَها وعُمدتَها وروحَها وحقيقتَها؛ والآخَرون أيضًا إنْ نظروا بإنصاف، فسيجدون
— 22 —
أن رسائل النور تُبيِّن استحالةَ الطُّرُق المخالفة للحقائق الإيمانية، وأنها ممتنعةٌ غيرُ ممكنة.
الأمارة الثانية: هي الدعواتُ المرفوعةُ التي تَسأل اللهَ تعالى أن يرزق طلابَ النور الصادقين الإيمانَ الكاملَ وحُسنَ العاقبة؛ وهذه الدعوات هي من الصِّدق والخُلوص والكثرة وتَحَرِّي القَبول بحيثُ لا يجد العقل إمكانًا لعدمِ قَبولِ أيٍّ منها.
فمِن ذلك أن أحد تلاميذِ رسائل النور وخَدَمِها، يدعو لطلاب رسائل النور مئةَ مرةٍ في اليوم والليلة أن يكونوا مَظهرًا لحُسْنِ العاقبة والسعادة الأبدية، ويدعو لهم ما لا يقل عن عشرين أو ثلاثين مرةً ضمن هذه الدعوات، يدعو لهم بسلامة الإيمان، خصوصًا حُسْنَ الختام ودخولَ القبر بالإيمان، متحرِّيًا في دعائه أَوفَقَ شرائط القبول.
ومثلُها الدعواتُ التي يَلْهَجُ بها طلابُ رسائل النور بألسنةٍ طاهرةٍ صادقة، إذْ يدعو بعضُهم لبعضٍ بسلامةِ الإيمانِ الذي يتعرَّض للهجمات من جميع الجهات في هذا الزمان، فإن دعواتهم هي بمجموعها من القوة بحيث لا تَقبل الرحمةُ ولا الحكمةُ ردَّها، فلو فُرِضَ ردُّها باعتبار مجموعها، فإنه إنْ قُبِلتْ واحدةٌ منها كان ذلك كافيًا لأن يَدخل كلُّ واحدٍ منهم القبْرَ بسلامةِ الإيمان، لأن كلَّ دعوةٍ منها متوجِّهةٌ إلى العموم.
المسألة الثانية: ظهر الآن جزءٌ من جوابِ "سعيدٍ القديم" عن سؤالِ مجلسٍ روحانيٍّ عُقِد للتشاور بشأن مُقدَّرات العالَم الإسلامي، وذلك في رؤيا ذاتِ حقيقةٍ، وَرَدَ خبَرُها في رسالة "سنوحات" المطبوعةِ قبل عشرين سنة.
فقد سأل هذا المجلسُ المعنويُّ "سعيدًا القديم" بوصفه ممثِّلًا عن هذا العصر فقال: ما حكمةُ هزيمة الدولة العثمانية في هذه الحرب التي انتهتْ بهزيمة الألمان؟
فأجابهم: لو كنا منتصرين لضحَّينا بمقدَّساتٍ كثيرةٍ فداءً للمدنيَّة كما وقع فعلًا بعد سبعِ سنين، وإذًا لَعُمِّم النظامُ المطبَّقُ في الأناضول باسم المدنيَّة، ولَفُرِضَ بسهولةٍ على العالَم الإسلامي، لا سيما البقاعِ المباركةِ كالحرمين الشريفين؛ فلأجل الحفاظ عليها بالعناية الإلٰهية أفتى القدَر بهزيمتنا.
— 23 —
وبعد مرور عشرين سنةٍ على هذا الجواب سُئِلتُ ذاتَ ليلةٍ أيضًا:
لقد كان ممكنًا تحقيقُ أعظمِ نصرٍ على مستوى السياسة العالمية، بالبقاء على الحياد، مع استردادِ ما فات من المُلك، وإنقاذِ مصر والهند وضمِّهما إلينا، فإذا بالقادة يختارون سلوكَ الطريقِ الأشدِّ خطرًا وضررًا، بالانحياز إلى عدوٍّ مشبوهٍ لا يؤمَن له جانب، ولا تُرجى منه فائدة، أي الإنكليز؛ فما حكمةُ خَفاءِ هذا الأمر على أنظارهم وهم الأذكياء الدُّهاة؟
فوَرَدَ الجوابُ من جانبٍ معنويٍّ فقيل لي: جوابُك عن السؤال المعنويِّ قبل عشرين سنة هو نفسُه الجوابُ عن هذا السؤال؛ أي: لو كنا منحازين إلى الطرف الغالب لَعُمِّم هذا النظامُ على العالَم الإسلامي والبقاعِ المباركة، ولطُبِّق فيها باسم المدنية الدَّنيَّة دون ممانعة؛ فلأجل سلامةِ إسلامِ ثلاثِمئةٍ وخمسين مليونًا لم يَرَ أولئك الدُّهاة ذلك الخطأَ الظاهر، بل تصرَّفوا تصرُّف العُمْيان.
٭ ٭ ٭
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
وصلتْني هداياكم المعنوية لهذا العيد، فهنَّأتْني به تهنئةً لو كنتُ في آلافِ الهموم والأكدار لانجلتْ، فبارك الله بكم كثيرًا وزادكم من فضله.
إن هذا الوفاءَ الخالصَ لله، والتآخيَ لوجه الله، والتعاونَ في سبيل الله، في هذا الزمان، لَمِمَّا لا وجود له إلا عند الصِّدِّيقين أربابِ الهِمَم العالية، فحمدًا للخالق ذي الجلال، وشكرًا له بلا حدٍّ أن جعلكم خُدَّامًا للقرآن الحكيم، وطلابًا لرسائل النور.
٭ ٭ ٭
— 24 —
أيها الأخ "خسرو".. الأجزاءُ القرآنية الجميلةُ اللطيفةُ التي أرسلتَها تهنئةً بالعيد باسم إخوانك كانت بمثابةِ ألفِ تهنئةٍ وتبريك، فبارك الله بكم كثيرًا وزادكم من فضله.
أخي "علي الصغير".. هديتُك المعنويةُ الكبيرةُ أدهشتْني وحَيَّرتْني فلم أَدْرِ مَن صاحبُ هذه الكتابة الرائعة.. "عليٌّ الكبير" أم "عليٌّ الصغير"؟! إن الأمر بالنسبة إليَّ هو كأن "عبد الرحمن" و"لُطفي" قد بُعِثا من جديدٍ في شخص "عليٍّ الصغير" الذي هبَّ لمساعدةِ عاجزٍ مثلي، فكان معاونًا بطلًا على غِرار الحافظ "عليٍّ الكبير"، وكان سيفًا ألماسيًّا بيد أخوَينا "المصطفَيَين" المباركَين الخالصَين العزيزَين.. ما شاء الله!! لقد أظهرتَ ذاتَ الكتابةِ والأسلوبِ والمهارةِ التي عَهِدناها لدى الحافظ "عليٍّ الكبير" في مصنعه النورانِيِّ الكبير "قُولَه أونو"؛ ولقد كَسَوتُم رسائلَ النور حُلَّةً مرصَّعةً تُناسب قامتَها أيَّما مناسبة.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أُهنِّئكم بالعيد المبارك، وأُقدِّر خدماتكم القيِّمة، وأدعو لكم بالتوفيق، وأشكر خالقي الرحيمَ شكرًا بلا حدٍّ أن قَيَّضَ لرسائل النور إخوانًا أربابَ ثباتٍ وتضحيةٍ أمثالَكم، فجعلهم أصحابَها وناشريها.
إنني كلما ذكرتكم امتلأتْ روحي انشراحًا وقلبي فرحًا، فلم تَعُد مغادرةُ الدنيا تثير أسفي، بل أنتظر أجلي راضيًا بلا وَجَل، وأنظر إلى الموت نظرة مودة، فأنا حيٌّ ما بقيتُم، جزاكم الله خيرًا، ورضي عنكم أبدًا؛ آمين، آمين، آمين.
.........
إخواني.. أسرد لكم حادثةً لطيفةً جَرَت لي، وهي أنه ذات مرةٍ أرسل إليَّ شخصٌ فاضلٌ بی"بارلا" صندوقَ حلوى بالجوز وزنُها قرابةُ الكيلو ونصف، قابلتُه
— 25 —
بقيمتها، فكنت آكل منها كلَّ يومٍ ستَّ حباتٍ وأُطعِم الآخرين مثلَ ذلك أو أكثر تبرُّكًا، ولعل "سليمان الصِّدِّيق" يَذكر ذلك، ودام هذا أكثرَ من شهر، ثم حسَبناه مع المرحوم "غالب بك" فتبيَّن لنا أنه كان في الحلوى من البركة خمسةُ أو ستةُ أضعافها، فقلتُ آنَئذٍ: هذا الرجل الفاضل على قدرٍ كبيرٍ من البركة والإخلاص؛ أظُنُّ ويَخطر ببالي الآن أنه "حاجي حافظ"، وقد ظهر اليوم سِرُّ هذه البركة العجيبة، فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
انضمتْ قريةُ "صاوة" إلى القرى التي أدعو لها، فهي في سِلك قرى "المباركين" والحافظِ "علي" صاحبِ مصنع النور، ومنذ عامٍ وللأموات نصيبٌ من الدعاء بفضل الأحياء.
٭ ٭ ٭