— 15 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاءَ الثابتين، الصادقين الأوفياءَ المُضحِّين..
أولًا: أُهنِّئكم بالعيد المقبل، وأرجو من رحمة الرحمٰن أن تكون الدعواتُ المباركةُ من إخواني المباركين في الليالي والأسحار المباركة ذاتِ القدْرِ الجليلِ الثابتِ بالقسَم القرآني: وَالْفَجْرِ ٭ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، عظيمةَ البركةِ والنورِ لي ولأهل الإيمان.
ثانيًا: أرسلتُ إليكم النُكتةَ الغَيبيةَ الكبيرةَ للسهو الصغير، والحاشيةَ في الصحيفة المقابلة، ليُكتبا في موضعهما.
ثالثًا: أشعر أن لدى "خُلوصي" خَطْبًا شديدًا، فلا يَقلق، فإن طلاب رسائل النور في ظلِّ العناية والرحمة.. عنايةُ الله تعالى تَكلؤهم، ورحمتُه تَحميهم وتَحفظهم.
— 16 —
وما دامت مَشاقُّ الدنيا تُورِث الثواب، وكانت مُتقضِّيةً زائلة، فينبغي مقابلةُ هذه المصائب بالجَلَد والمتانة، شاكرين في طيِّ الصبر.
أنتم و"خُلوصي" معي في جميع دعواتي ومكاسبي.
رابعًا: إن رسائل النور تنتشر بنفسها تحت حماية القرآنِ والحفظِ الرباني، وإنَّ قول الإمام عليٍّ رضي الله عنه: "سِرًّا.. سِرًّا" مرتين يشير إلى أنها تُفيض في حالِ الاستتار مزيدًا من النور والمدد.
إنني على أملٍ بأن يَثبُت إخواني أمثالُكم أمام حوادث هذا الزمان المُزلزِلة، ويقاوموها كما هو دأبُهم، وليكنْ دستورنا:
مَن آمَن بالقَدَر أَمِنَ من الكَدَر.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاء..
وأنا كذلك أهنِّئكم بالعيد السعيد..
تسألون عن صِحَّتي.. إنني برغم ما أقاسي في هذه البلدة من شتاءٍ قارس، وغرفةٍ شديدةِ البرودة، وبرغم ما أعاني من تأثيرِ ثلاثِ غُرباتٍ حزينة، وضِيقِ ثلاثةِ أمراضٍ ثقيلة، ومع ما أواجه من مَشاقَّ كثيرةٍ لا تُحتمَل، وما أنا فيه من وَحدةٍ تامة، فإني أشكر خالقي بلا حدٍّ أن أغاثني بدواءٍ فيه الشفاء لكلِّ داء.. ألا وهو "الإيمان".. أعظِمْ به من دواءٍ قدسي!! وأمدَّني بعلاج "الرضا بالقضاء".. ساقه إليَّ من الإيمان بالقدَر؛ فجعلني أَشكُر في طَيِّ الصبر.
٭ ٭ ٭
— 17 —
إخواني الأعزاءَ الصادقين، الأوفياءَ الخالصين..
شكرًا بلا حدٍّ لربي الرحيم أن خلق أمثالَكم حَمَلةً لرسائل النور، ناشرين لها، حُماةً لها وحَفَظة، فخفَّف العبءَ الثقيلَ الذي أرهق كاهلي الضعيفَ أنا العاجز المسكين.
إخواني.. وجدتُ في رسائلكم الثلاثِ الأخيرةِ إخوةً أعزةً كلٌّ منهم يتحلَّى بروح "خُلوصي" و"صبري" و"حقي".. أما "حقي" الذي كان يَرْقَع ثيابي في السجن كما كان يفعل أخي، فقد تَرَقَّتْ أُخوَّتُه الجادةُ وتَلْمَذتُه الحقيقيةُ تَرَقيًا فاق توقعاتي، فسُرِرتُ كثيرًا.
أخي "صبري".. أنت لا تُلقي بالًا للقيود الثقيلة التي تُقَيِّدني وتُكبِّلني.. والحالُ أن أهلَ الدنيا المتوجِّسين هنا مشغولون بي ومتابِعون لشأني بشكلٍ لا يتسع المقامُ لبيانه.
أما إيلائي قيمةً ومقامًا بحُسْنِ ظنٍّ يَفوق حَدِّي ألفَ درجةٍ فلا يمكن قبولُه إلا باسمِ رسائل النور، وباعتبارِ خدمتِها للقرآن الكريم وكونِها دَلَّالةً لجواهره ونفائسِه؛ وإلا فلا يَحِقُّ لي قَبولُه باسمِ شخصي اللاشيء.
أرسِلوا إليَّ متى أمكن رسالةَ "الآية الكبرى" بخط "الحافظ توفيق".. لقد تَوَطَّن هذا الطالبُ في ذكرياتي وذكرياتِ رسائل النور، وتبوَّأ فيها موقعًا مرموقًا بقلمه الدَّؤوب المُشْرِق، وإن عيوني التي أَلِفَتْ كتاباتِه وأَنِسَتْ بها مسرورةً طَوالَ تسعِ سنين، تشتاق اليوم إلى رؤية هذه الكتابات بكلِّ حنين.
إخواني الأكارم "خُلوصي" و"حقي".. رسائلُ "صبري" نابتْ عنكم كما قال "حقي"، فالتواصلُ مع "خُلوصي" في تلك الجهة مستمرٌّ لم ينقطع.
لله الحمدُ والشكرُ والثناءُ بلا حدٍّ أن رسائل النور تَمضي باطِّرادٍ في فتوحاتٍ إيمانيةٍ بديعةٍ ساطعة، فتَتَوَطَّن في قلوبِ قارئيها، وتُسكِت مُعانديها.. لقد أَربكتْ أعداءَها مِن خلفِ ستارِ الحفظِ الغيبي، فليستْ تراها أعينُهم العمياء، ولا هم يَرَون أثرَها رغم مشاهدتهم فعاليتَها الباهرة.. فلا بد من مزيدِ احتياطٍ وحذَرٍ في هذا الوقت.
٭ ٭ ٭
— 18 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ أُولي القَدْرِ والقيمة.. أصحابي الجادِّين المجتهدين أُولي المَتانةِ في الخدمة القرآنية..
تلقَّيتُ مكتوبَكم الذي كان مَبعثَ سرورٍ ومَناطَ كرامةٍ وعنايةٍ جديدَين، أجل، فلقد أَظهر إكرامًا ربانيًّا وعنايةً إلٰهيةً بحقِّ رسائل النور، ذلك أنه قبل بضعةِ أيام جرى تفتيش منزلي بِتَحرٍّ شديد، ودَقَّق القومُ كلَّ شبْرٍ فيه، لكنهم یی والفضلُ للحفظ الإلٰهي یی لم يعثروا فيه على شيءٍ يَحزُننا، وإنما وجدوا بِضعَ رسائل لا ضرر منها، كی"الاقتصاد" و"المرضى" و"الاستعاذة"، فأخذوها، ثم أعادوها كلَّها غيرَ منقوصةٍ خلافًا لعادتهم في المصادرة.
على أن ما جرى أثار قلقي بشأنكم، وبينما كنت عائدًا من الجبل تساءلتُ في نفسي: تُرى هل وقع لإخواني "عبد المجيد" و"صبري" و"خسرو" والحافظ "علي" تعرُّضٌ ما؟ فما إن دخلتُ المنزل حتى جاء "أمين" فسلَّمني مكتوبَكم، وشاهدْنا كِلانا هذا الإكرامَ والكرامةَ الحِفظيةَ في عملية التفتيش، وما وافقَها في الوقت نفسِه من عنايةٍ ربانيةٍ ظهرتْ في عريضة "خسرو" ونتيجتِها، فشكرنا الله تعالى أنَّ رسائل النور مَظهرُ عنايةٍ في كل حين.
إخواني الأعزاء.. سبق أن أُحيلَ عليكم تأليفُ بقية "الفِهْرِس"، ويَحسُن أن تقوموا بذلك وفق أسلوب تقسيم الأعمال.
ما شاء الله.. بارك الله بأقلامكم التي تؤدي عملًا متقَنًا بثباتٍ واستقامة، وبازديادٍ مُطَّردٍ خصوصًا في "صاوة".
سَرَّنا الحاج "حافظ" سرورًا بالغًا، بارك الله به وبقريته كثيرًا.
كتاباتُ "خسرو" ذاتُ التوافقات، خصوصًا نُسخةَ "المعجزات الأحمدية" المُذهَّبة، وكذا رسائلُ العَلِيِّين الصغار والكبار، لها فتوحاتٌ طيبةٌ كثيرةٌ هنا، وما تزال لهذه الأقلام المباركة فتوحاتٌ كثيرةٌ سنشهدها في قادم الأيام إن شاء الله.
٭ ٭ ٭
— 19 —
إخواني الأعزاءَ الصادقين الثابتين أُولي القدر والقيمة..
أحسنتم صنعًا إذْ عَهِدتم بی"الفهرس" إلى الشخص المعنوي لهيئتكم المتساندةِ وفقَ أسلوب تقسيم الأعمال.. لقد وجدتم أستاذًا كاملًا دائمًا، وإن هذا الأستاذ المعنويَّ أرفعُ بكثيرٍ من أخيكم العاجز هذا، وهو لا يَدَعُ حاجةً إليَّ بعد ذلك.
أخي "صبري".. رؤياك مباركةٌ ذاتُ مَغزًى، وستُعبَّر مع الزمنِ إن شاء الله.
إخواني.. نظرتُ إلى حوادث الزمان مراعاةً لخاطركم، وقَلَقًا من استدعائكم للخدمة العسكرية، فورد على قلبي هذا الخاطر:
إن هذه المدنيَّة الأوروبية قد قامت على أسسٍ سلبية، وجَحدت الإحسانَ الربانیيَّ الذي نالها، وأبَتِ الشكر، وقالتْ كما قال قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ، وسقطتْ بفكر الماديين في الشِّرْك، وغلَبتْ سيئاتُها على حسناتها، فتلقَّتْ صفعةً سماويةً مُدوِّيةً أبادتْ ما حَصَّلتْه من تقدمٍ عبر القرون، ودمَّرتْه وجعلتْه طُعمةً للنيران.
وإن الحكوماتِ الأوروبيةَ الظالمةَ كانت وَجَّهتْ إهانةً إلى العالم الإسلامي بما ارتكبتْ بحقِّه من مظالم، وإلى مركز الخلافة بما أَمْلتْ عليه من معاهدة "سِيفر"، فتلقَّتْ على هذا صفعةَ هزيمةٍ قاسيةٍ دخلتْ بها جهنمَ دنيويةً، فهي تتقلَّب منها في عذابٍ مقيمٍ لا تجد منه مَخرجًا.. أجل، فهذه الهزيمة هي عقوبةُ الإهانة؛ ومثلُها الزلزلةُ التي وقعت من قبل.
ويَجزِم كثيرٌ من الأفاضل هنا بأن سبب بقاء ولايتَي "إسبارطة" و"قَسْطَموني" یی وهما مركزا انتشار رسائل النور یی محفوظتَين من الآفات السماوية مقارنةً بسائر الولايات، هو الإيمانُ التحقيقيُّ والقوةُ الاعتقاديةُ اللذان تورثهما رسائلُ النور، لأن هذه الآفات نتيجةٌ للأخطاء والخطايا الناشئةِ عن ضَعف الإيمان؛ فكما أن "الصدقة تدفع البلاء" كما في الحديث، فكذلك هذه القوة الإيمانية تدفع تلك الآفات بحسَبها.
٭ ٭ ٭
— 20 —
إخواني الأعزاءَ الصادقين، الأوفياءَ المضحِّين..
هديتُكم المعنوية النورية التي أرسلتموها مؤخرًا هي عندي جَرَّةُ ماءِ حياةٍ مهداةٌ من كوثرِ جنةِ الفردوس.. وهي هديةٌ كأنما جاءتنا من عالم البقاء، فملأتْ روحي انشراحًا، وأَنطقتْ حواسِّي بالشكر فرِحةً مسرورة.
أَوَدُّ أن أكتب إليكم رسالةً مُسهَبة، لكنَّ الوقت والحال لا يسمحان بذلك ولا يُعينان عليه، ولهذا اضطررتُ للاختصار، لكنْ أقول لأصحاب هذه الهدية خصوصًا: ما شاء الله، بارك الله، وفقكم الله، أسعدكم الله.
لقد عَرَّجْتُ على الماضي فالتقيتُ بإخواني من جديدٍ، هاجَني إليهم شوقٌ وحنين، ولا زلت ألتقي بهم بين الحين والآخَر في مدرسةِ "المكتوب السابع والعشرين" خاصةً.
المقدمة الأولى للآية الحاديةِ والثلاثين، أعني جملةَ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى يساوي مَقامُها الجِفْرِيُّ ألفًا وخمسَمئةٍ ونَيِّفًا، وهي تشير إلى أن معظم الأمراض المعنوية التي بَثَّها أهلُ الضلالة، يمكن إزالتُها بأدويةِ رسائل النور القرآنية؛ وتومئ إلى أنه إنِ امتد عمر الدنيا مئتي سنةٍ فإن ثمة فِرقةً ضالةً ستكون موجودةً مع الأسف.
أما ما ورد بخصوص المعنى الإشاري لجملة: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، فإن لظهورِ حرف الصاد واستتارِ حرف السين تحتَه سببان:
أحدهما: اشتراطُ أن يكون "سعيدٌ" كالصَّعيد.. في فناءٍ عن الذات وتركٍ للأنانية وتواضعٍ مطلَق، لكيلا يُعكِّر صفوَ رسائل النور أو يَحُدَّ من تأثيرها.
الثاني: بيانُ أن سبب السقوط في الوحل والطاعون المعنويِّ اليومَ ناشئٌ من فكر الترقي؛ وإشارةٌ إلى أن صعود المسلم ورُقيَّه إنما هو في الإسلام، وفي كونه رُقيًّا إيمانيًّا.
٭ ٭ ٭