لاحقة قسطموني
— 170 —

جوابٌ عن سؤالٍ سأله طلابُ رسائل النور الملازمون للأستاذ

القائمون بخدمته
السؤال: لقد قضينا في خدمتكم زمنًا طويلًا، فلَم نَرَ لكم علاقةً ولا اهتمامًا بأمور الدنيا والحياة الاجتماعية والسياسة، بل لم نجد لكم مَشغلةً على الدوام سوى درسِ الإيمان والآخرة، وقد تَبَيَّنا من ذلك أن هذه هي حالُكم منذ ثماني عشرة سنة، فلماذا قدَّموكم إلى المحكمة في أجواءٍ من التوتر أشاعوها في البلاد مع أنه لم يكن في "إسبارطة" شيءٌ يدعو للقلق؟
ولقد أَجرَوا تحقيقاتٍ مع مئةٍ من أصحابكم في المحكمة طَوالَ أربعةِ أشهر، فلم يجدوا لأحدٍ منهم علاقةً بشؤون الدنيا والسياسة، فتذرَّعوا بذريعةٍ واهيةٍ تُخجِلهم وتُخجِل مَحاكمَهم إلى الأبد، عاقَبوا بها خمسةً أو عشَرةً من هؤلاء المئة بالسجن ستة أشهر.
وها أنت في هذه المدينة منذ أكثر من ست سنين، تقيم في غرفةٍ تقع تحت نظر المخفر ومراقبته، وتنكشف بنوافذها عليه، فلا يَخفى على المخفر شيءٍ من أوضاعك، وهم مع هذا لا يزالون يراقبونك سرًّا وجهرًا، ويفتشون غرفتك بين الحين والآخَر، ويُجرون معك التحقيقات لينفِّروا عنك الأصحاب، فلماذا يَنظرون إليك كأنك سياسيٌّ خطيرٌ ملتبِسٌ أمرُه؟!
— 171 —
إن هذا يثير فينا أسًى وحَيرةً في آنٍ معًا، ولقد كنا لا نستطيع المجيء إليكم إلا خُفيةً خائفين، ولم يُتَح لنا المجيء بِحُرِّيةٍ إلا قبل شهرين أو ثلاثةٍ، فهلا وضَّحتم لنا هذه المسألة؟
الجواب: وأنا كذلك كنت أَحارُ وأَعجَب من هذا مثلَكم بل أكثرَ منكم، والجواب الشافي لسؤالكم هذا موجودٌ في "اللَّمعة السابعة والعشرين"، لَمعةِ الدفاع أمام المحكمة، بالإضافة إلى رسالة "المكتوب السادس عشر"؛ غير أني أُبيِّن الآن أساسَين باختصار.
الأول: إن وظيفة مسؤولي الأمن والإدارة وضباط الشرطة تقتضي منهم دعمَنا وتشجيعَنا وحمايتَنا بدلًا من التوجُّس منا والتعرُّض لنا بدافعِ الخوف والرِّيبة، ذلك أن الحياة الاجتماعية لا يمكن أن تمضي في أمنٍ وأمانٍ إلا بمبدأ الطاعة في ظل التراحم والاحترام، ومعرفةِ الحلال والحرام، وهذه هي حجرُ الأساس لوظيفة هؤلاء المسؤولين، وهي نفسُها الأُسسُ التي تُحقِّقها رسائل النور حين تَنظر إلى الحياة الاجتماعية، وقد شوهدتْ نتائجُ ذلك فعلًا في أهم مراكز رسائل النور، في "إسبارطة" و"قَسْطَموني"، فلو نَظَر رجالُ الأمن والشرطة إلى أحوال هاتَين الولايتَين، ودقَّقوا فيها بعين الإنصاف، لوجدوا أن رسائل النور أَسْدتْ إليهم فيهما عونًا باهرًا قياسًا بسائر الولايات.
ثم إن طلابَ رسائل النور برغم كثرتهم، وبرغم ما بأيديهم من الحق والقوة، لم يَمَسُّوا الأمنَ والاستقرارَ يومًا بضرر، بل لا يَضُرُّ الحياةَ الاجتماعيةَ ألفٌ منهم ضررَ عشَرةٍ، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ لكل مَن له قلبٌ سليم.
وسرُّ حكمةِ هذه المسألة أن أعظم القضايا في عالَم الإنسان وعالَم الإسلام ثلاثٌ، هي الإيمان، والشريعةُ، والحياة، وأعظمُ هذه الثلاث حقائقُ الإيمان؛ وهذا يَستلزم أن تكون هذه الحقائق الإيمانية القرآنية أسمى من جميع القوى والتيارات، فلا تَقبل أن تكون تابعًا لها أو أداةً بيدها؛ ويَستلزم أيضًا أن تبقى هذه الحقائق القرآنية مصونةً كالألماس، فلا تنحطَّ إلى مرتبةِ حطامِ زجاج في نظر مَن يبيعون الدين بالدنيا أو
— 172 —
يستخدمونه أداةً لها؛ ويَستلزم أن تؤدى خدمةُ إنقاذِ الإيمان على الوجه الأتم الأَوفى، إذْ هي أقدسُ وظيفةٍ وأعظمُ وظيفة؛ فلأجل هذا كان الخواصُّ الصادقون من طلاب رسائل النور يَفِرُّون من السياسة أشدَّ الفِرار، وينفِرون منها غايةَ النفور.
حتى إن أخاكم هذا یی كما تعلمون یی لم يراجع الحكومةَ ولو مرةً طَوالَ هذه السنين الثماني عشْرة رغمَ شدة حاجته، وما ذاك إلا تحرُّزًا من التَّماسِّ بالسياسة والحياة الاجتماعية؛ وتعلمون أني خلال هذه الشهور التِّسعة التي خَلَتْ لم أَسأل مرةً عن هذا الهَرْج والمَرْج الذي تَشهده الكرةُ الأرضية، ولم أُعِرْهُ اهتمامًا، ولم أرغب في معرفته، ولم أجعله موضوعًا للحديث، بل لا أدري هل انتهتِ الحربُ أم لا؟ ومَن المتحاربون سوى الإنكليز والألمان؟
وتعلمون أنتم الذين تلازمونني أني لم أستمع سوى مرتين إلى هذا المذياع الذي يتناهى صوتُه إلى غرفتي منذ ثلاث سنين، والذي حوَّل الناس إلى ثرثارين مخبولين.
فما أشدَّ تَجنِّي مَن يَعمِدون إلى رجلٍ لا يَهتمُّ بشيءٍ من أوضاع العالَم ولا يرتبط به، فيتعرَّضون لمسلكه، ويثيرون حولَه الهواجس، ويضيقون عليه بالمراقبة!! ألا إن أبعد الناس عن الإنصاف لَيُصدِّقُ بُعدَهم عن الإنصاف.
الأساس الثاني: تعلمون يا إخواني أننا في مسلكنا نَفِرُّ من الأنانية وحبِّ الذات وطلبِ المقام خلفَ ستار الشُّهرة والسُّمعة فِرارَنا من السُّمِّ الزُّعاف، ونَجتنب بشدةٍ كلَّ حالةٍ تُشعِر بهذا.
ولا بد أنكم شاهدتم بأعينكم خلال هذه السنين السبع، وتَبَيَّن لكم بالتحقيق في هذه العشرين سنةً، أنني لا أبتغي لشخصي حرمةً أو مقامًا، وقد نبَّهتُكم على هذا الأمر بشدَّة، ويسوءُني أن ترفعوني فوق حدي، وإنما أقبل شاكرًا التسليمَ لرسائل النور والارتباطَ بها على وجه التصديق، لكونها إحدى معجزاتِ القرآن الحكيم المعنويةِ في هذا الزمان.. أقبل ذلك لأجل رسائل النور، وباعتباري واحدًا من تلاميذها.
فما أتفهَ وأسخفَ الهواجسَ التي تُساوِرُ أهلَ الحكومة والإدارة والشرطة تجاه
— 173 —
رجالٍ جعلوا الفرارَ من الأنانيةِ وحبِّ الذات والرياءِ المستتر خلف الشهرة والمنزلة دستورَ عمَلِهم!! ألا إنه حتى المجانين لَيَفهمون ذلك.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الثابتين..
إن براءةَ إخوتنا بعد مِحنتِهم، والانتصارَ المعنوي الذي تحقق على أيديهم، لَأمرٌ يُدخِل الفرح والسرور لا علينا وعليكم فحسب، بل على جميعِ أهل الإيمان في هذا البلد، لأنه فتَحَ المجالَ لرسائلِ النور كي تنال حُرِّيتَها؛ فلقد كنا حتى هذه الآونة مُجبَرين على الأخذ ببالغِ الاحتياط والحذر خوفًا من المصادرة، وكنتُ خلال هذه السنين الثماني عشرة، لا سيما السنواتِ الستِّ الأخيرة في هذه المدينة، أعاني مشقةً شديدةً في إخفاء الرسائل، وكنا في عذابٍ من جراء القلق الدائم، فلله الحمدُ والشكرُ والثناءُ بعددِ حروفِ رسائل النور على هذا النصر المعنويِّ الذي مَزَّق غاشيةَ الظُّلْم والظلام، ويَسَّر بيَسيرِ المشقةِ سبيلًا لأجرٍ عظيم وفتحٍ عميم.
لقد كان توقُّفُ الخدمة خلال هذين الشهرَين وسيلةً لانتشار رسائل النور بأسلوبٍ آخَر في دائرةٍ أوسع، تمامًا كما جرى في حادثة سَجننا، فنهنِّئكم، ونهنِّئ بشكلٍ خاصٍّ أهلَ المِحنة لا سيما الحافظ "محمدًا"، ونقول لهم: حمدًا لله على السلامة.
إن المحكمة التي اعتَقلتْ بنسخةٍ من "رسالة الحجاب" مئةَ شخصٍ مئةَ يوم، قد عجَزتْ عن أن تعتقل بمئاتِ الرسائل من أمثالها شخصًا واحدًا ليومٍ واحد، ونحن على يقينٍ قاطعٍ لا يخالجه شكٌّ أن الذي حَكَم على هذه المحكمة وانتصر عليها إنما هو وفاؤكم الخارق، وإخلاصُكم الفائق، وثباتُكم المتين، وتساندُكم المنيع.. فجزاكم الله خيرًا، ورضي عنكم دائمًا أبدًا، آمين.
٭ ٭ ٭
— 174 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أولًا: نهنِّئكم بالشهور الثلاثة المباركة التي تُنيلكم عمرًا معنويًّا يَنوف على ثمانين سنة، ونهنِّئكم خصوصًا بليلةِ الرغائب هذه.
إن براءتكم وانتصارَكم المعنويَّ قد فاجأ الظالمين وأوقعهم في حَيرة، ودفعهم إلى تغيير جبهة المواجهة، فتخلَّوا عن التعرُّض العِدائي، وتحوَّلوا إلى التسلُّل بين الصفوف بِزِيِّ الصداقة، ومرادُهم تعويقُ خواصِّ طلاب النور عن الخدمة، فهم يوجِدون لهم مشاغلَ كالوظائف الحكومية، أو ينقلونهم بالترقية إلى وظيفةٍ أخرى كثيرةِ المشاغل، أو يَشغَلونهم بمشاغلَ أخرى؛ وثمةَ وقائعُ كثيرةٌ من هذا النوع هنا، وهذا التعرُّض يبدو بجهةٍ ما أشدَّ ضررًا.
ثانيًا: ثمة نورٌ مؤثِّرٌ دخل إلى المدرسة الثانوية هنا، فقد أَذِنَّا یی بإخطارٍ معنويٍّ یی بالكتابة بالحروف المستحدَثة، فنَسَخَ الطلابُ لأنفسهم بالآلة الكاتبة الموقفَ الأول من "الكلمة الثانية والثلاثين"، واسمَي "العدل والحَكَم" من "اللمعة الثلاثين"، و"رسالة الطبيعة" حتى خاتمتِها، و"رسالة الآية الكبرى" من المقام الأول حتى المرتبة الثامنة عشرة باستثناء مرتبتَي الوحي والإلهام؛ فاجعلوا هذه القِطَع الأربع في مجلدٍ واحد بالحرف المستحدَث، واقذِفوا به قنبلةً مُدَوِّيةً على رؤوس أهل الإنكار.
إنني في هذا العام في حالةٍ بالغةٍ من الضَّعف والعجز والشيخوخة، فأرجو من إخواني الشباب عونَهم المعنويَّ في هذه الشهور الثلاثة المباركة؛ نُسلِّم على كلِّ واحدٍ منهم فردًا فردًا، وندعو لهم بالسلامة في الدارَين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭