— 164 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء.. وُرَّاثي الحقيقيِّين أهلَ الثبات..
أُخطِر على قلبي في هذه الأيام سؤالٌ معنويٌّ مُقلِقٌ ومهمٌّ للغاية.. أُخطِرتُه لأجل طلاب رسائل النور، ثم تَبيَّن لي أن لسانَ حالِ مُعظمِهم يَسأله وسيَسأله، فإذا بجوابٍ وَرَدَ على الخاطر، فذكرتُه لی"فيضي"، فقال: يَحسُن أن يُقيَّد ولو بالإجمال.
— 165 —
والسؤال المُقلِق هو أنه يُفهَم من الروايات أن الجوع سيَلعبُ دورًا مهمًّا في فتنةِ آخر الزمان هذه، بحيث إن أهل الضلالة سيستعملونه وسيلةً يُمسِكون بها أهلَ الإيمان المساكين الجَوعى من خِناقهم، ويُغرقونهم به في همِّ المعيشة، حتى يُنْسوهم المشاعرَ الدينيةَ أو يجعلوها في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثة.. وبما أنه ما مِن شيءٍ یی حتى لو كان عذابَ القهر یی إلا فيه لأهل الإيمان والأبرياء وجهُ رحمةٍ وعدالةٍ من جهة القدَر الإلٰهي، فما وجهُ الرحمة والعدالة في هذا الجوع؟ ثم كيف لأهل الإيمان، خصوصًا طلابَ رسائل النور، كيف لهم أن يستفيدوا من هذه المصيبة إيمانيًّا وأُخرويًّا؟ وكيف يتصرفون حِيالَها ويقاومونها؟
الجواب: إن أهمَّ سببٍ لهذه المصيبة هو العصيانُ الناتجُ من كُفران النعمة، وعدمِ الشكر، وعدمِ تقديرِ قيمةِ النعمةِ الإلٰهية؛ ولهذا أَنزل العادلُ الحكيمُ هذه المصيبةَ بأُناسٍ لا يشكرون النعمة، ولا يراعون الرياضة الدينية كصوم رمضان، ليُبيِّن لهم اللَّذةَ الحقيقية للنعمة، وقيمتَها البالغة، ودرجةَ الإنعام الفائقة، لا سيما في الغذاء، ولا سيما في الخبز الذي هو نعمةٌ كبرى من نِعَم الحياة؛ والحكمةُ من ذلك أن يَسوقهم إلى الشكر الحقيقي، فكان عدلُه سبحانَه عينَ الحكمة.
وإن وظيفة أهلِ الإيمان وأهلِ الحقيقة، خصوصًا طلابَ رسائل النور، إزاءَ مصيبة الجوع هذه، هي أن يَحذوا بها حَذْوَ الجوع الذي يصيب الإنسان في رياضته الدينية في رمضان، فيجعلوها وسيلةً للالتجاء إلى الله والندم بين يديه والتسليم له سبحانه، وأن يَحولوا دون التسوُّل والسرقة والفوضى بدعوى الضرورة.
وأن يستمع إلى رسائل النور فريقٌ من الأغنياء وأهل المعاشات الذين لا يَرْثُون للفقراء الجَوعى، كي يشعروا بهذه المجاعة الاضطرارية، فيَرأفوا بحال الجائعين ويسارعوا إلى مساعدتهم بالزكاة.
وأن يتنبَّه الشباب الذين دلَّلوا أنفسَهم بلذيذ المآكل حتى أبطروها، وساقوها إلى الهَوسات الرذيلة والطغيان حتى أسكروها، فلْيسترشدوا برسائل النور حتى
— 166 —
يتصرفوا في هذه الحادثة تصرُّف أهلِ النخوة والمروءة، فيَقصُروا أيديَهم عن الفواحش والمعاصي ولو قليلًا، ويَكبَحوا جِماحَ نفوسهم عن المَلاذِّ والخبائث، ويسلكوا سبيل الطاعات والخيرات، فبهذا يستفيدون من هذه الحادثة فتكونُ لهم لا عليهم.
وأن ينظر أهلُ العبادة والصلاح إلى هذا البلاء على أنه رياضةٌ شرعيةٌ في هذا الزمان الذي غَلب فيه الجوعُ على أكثر الناس، ولْيتحرَّزوا في أمر المال، إذْ قد اختلط الحلالُ بالحرام اختلاطًا لا يتميَّز فيه أحدُهما عن الآخَر، حتى صار بمثابة المال المشبوه، ولْيَقنعوا بمقدارِ الضرورة ليَسلَم لهم الحلالُ من الأرزاق العمومية المشتركة معنًى، ولْيقابلوا القدَر الإلٰهي بالرضا بدلًا من الشكوى.
أُسلِّم على جميع إخواني وأدعو لهم بالسلامة خصوصًا أهلَ المصيبة.
أخي صبري.. أوكِّلك أن تبلِّغ سلامي لمن وكَّلوك تبليغَ سلامهم، فأُسلِّم عليهم فردًا فردًا؛ أما رسالتك، فإنها وإنْ جاءت متأخرة، إلا أنها سرَّتْني في نِقاطٍ كثيرة، وقد أظهرتْ ما يتحلى به "صبري" من متانةٍ وإصابةِ فكرٍ كالألماس والفولاذ.
إذا كنت أنت والحافظ "علي" قد ارتأيتما إجراء المراسلات عن طريق قرية "أتابك" فأعلِموني بعنوان "عبد الله چاويش" فيها، أو عنوانِ مَن تَرَونه مناسبًا لذلك.
وقد استنسخنا المجلد الثاني من "الفِهْرِس" المسمى "الشعاع العاشر" الذي طلبه "عبد الله چاويش" باسمكم، كما نَسَخ "فيضي" "الحزبَ الأكبر النوري"، وسنرسلهما عما قريبٍ إن شاء الله.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
رسائل "صبري" والحافظ "علي" هذه المرة كَشفتْ عن كرامةٍ بديعةٍ لرسائل النور، وأظهرت قوتَها الخارقة.
أما صنيعُ طلاب المدرسة النورية إذ تعهَّدوا للحافظ "محمد" بنَسْخِ جميع كتبه
— 167 —
المفقودة وتأمينِها له في غضون أيام فشأنُ أصحابِ الهِمَّة والنخوة، وقد سُرَّ بذلك طلاب النور هنا سرورًا بالغًا.
وأما قول المحققين للحافظ "علي": "لقد نَفِد الورق من المتاجر.. استنفده طلابُ رسائل النور"، فأمرٌ يُحفِّز طلابَ النور ويشجعهم بكلِّ فخر، وكذا حادثةُ إعادةِ كتب "محمد زهدي" إليه.
يَسأل "صبري" في رسالته فيقول: إن تأليف رسائل النور يَشهد حالةً من التوقُّف منذ سنتين أوثلاث، فما حكمة ذلك؟
والجواب عن هذا طويل، فضلًا عن أن التأليف ليس باختيارنا، ثم إنه قد حالت دون التأليف أسبابٌ وعوارضُ مهمة، ليكون لطلاب رسائل النور نصيبٌ في التأليف أيضًا.
طالباتُ النور الفاضلاتُ الدَّؤوباتُ هنا، وفي مقدِّمتهن "آسية"، وكذا "عُلْوية" و"لُطفية"، يبلِّغن أَخَواتِهنَّ في المدرسة النورية المَودةَّ والسلام، خصوصًا زوجةَ "صبري" وأخواتِه، ويدعون لهن بظهر الغيب.
نسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا وندعو لهم.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
إن رسائل البطل "طاهري" والكاتب "عثمان" كانت لي بمثابة الدواء حقيقةً، وكانت لِمرضِ القلق بِشَطْرَيه الماديِّ والمعنويِّ بمثابةِ التِّرياق، فجزاهم الله وإياكم خيرًا، ورضي عنهم وعنكم دائمًا أبدًا.
وإن عزمكم وثباتَكم وإخلاصَكم وجِدِّيتَكم قد هَزم أهلَ الدنيا وما يزال يهزمهم، وإلا فإن الذين قاموا بتوقيف مئةٍ وعشرين شخصًا لأجل "رسالة الحجاب"، لا يستطيعون توقيف شخصٍ واحدٍ لأجل مئةٍ وثلاثين رسالة!! وما ذلك إلا لإخلاصكم ومتانتكم، فهو الذي يُهيمن ويَحكُم.
— 168 —
نهنِّئ "طاهري" من صميم قلوبنا على ذهابه إلى إسطنبول لطباعة "الحزب الأكبر والوِرد الأعظم"، وندعو له بالتوفيق؛ ونُذكِّره بأن في إسطنبول كثيرًا من أصحاب العلاقة الجادة برسائل النور سوى أخينا "شفيق"، غير أني لا أعرف عناوينهم، لكنْ بإمكانه الاستعانةُ بی"شفيق" للقاء الحاج "بكر" من "بارلا"، والحافظ "أمين" من "إينه بولو"، و"محمد أفندي الكوراني".
وبمناسبة الأصحاب في إسطنبول فقد أتى واعظٌ مشهورٌ لزيارتي، لكنه عاد من غير أن يتمكن من الزيارة؛ ونُرفِق لكم فيما يلي صورةً من رسالةٍ أرسلناها إليه، فلعل ثمة أشخاصًا محتاجين إلى هذا الخطاب مثلَه:
٭ ٭ ٭