— 161 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين.. أصحابي الثابتين الراسخين الدائبين في خدمة الإيمان والقرآن.. رفاقي المشفقين أهلَ الفداء والوفاء في نُزُل الدنيا..
وصلتْنا الرسائلُ المبشِّرة التي بعث بها صاحبُ "مصنع النور" ومعاونُه البطل "طاهر"، وبَلغتْنا الرؤى التي رآها البطل النوري "أحمد النجار"، والتي شاهَد في إحداها أخانا "محمدًا" الحافظَ الفعالَ الذي لم تهزه المصيبة يقرأ دعاء خَتم القرآن،
— 162 —
ويُقرئ رسائلَ النور للصبيان، فأزاحت هذه البشائرُ عنا أثقالًا معنويةً كالجبال، أسأل الله تعالى أن يحفظكم وإياهم من الآفات المادية والمعنوية، آمين.
على أن الرؤيا الثانية التي رآها "أحمد النجار" تشير إلى أنها رؤيا صادقةٌ، لعلاقتها بالنبي (ص) ولكونها سارَّة، كما تشير إلى أن الخدمات المادية المبذولة من إخوتنا وأخواتنا في تلك المدرسة النورية قد اتخذتْ صورةً حيةً ذاتَ روح، وستكون عِمادًا لإحياء السُّنة النبوية السَّنِيَّة.
وبهذه المناسبة أذكر لكم رؤيا رأيتُها قبل يومين من وصول رسالتكم، فقد رأيتُ رؤيا فَهِمْتُ فيها أن الرئيس الحالي أو الرؤساء الحاليين أحالوا إلى شيخٍ أو شيخين معتبَرَين أعرفُهما تطبيقَ رتبةِ الخلافة ومسائلِها، وأن الخلافة ستُفوَّض إلى أحدهما أو إلى أحدٍ من الرؤساء، ورأيتهم جاؤوا إليَّ ليَعرِضوا عليَّ نتيجةَ قراراتهم؛ ثم استيقظتُ فقصصتُها على إخواني صباحًا، وقلت: يبدو، والله أعلم، أنه قد حصل لرسائل النور في طيِّ هزيمتها المادية انتصارٌ معنويٌّ في نواحي "إسبارطة"، بحيث ستكون أهمُّ القضايا الإسلامية موضوعَ بحثٍ ونقاشٍ لدى الجهات الرسمية العليا.
وثمة أمارةٌ تدل على أن هذه الرؤيا صادقة، وهي أني بينما كنت عاجزًا عن معرفةِ ما آلت إليه تلك المصيبةُ في "إسبارطة"، وكنتُ قد مضى عليَّ زمنٌ طويل لم أدرِ فيه شيئًا عن أحوالِ العالَم ولا عن الشأن الرسمي في هذا البلد، إذا بهذه الرؤيا تُحوِّل نظري إلى هذه الشؤون فجأة، فيأتيني أحدُ طلاب رسائل النور المعتبَرين من أنقرة، ويقول لي من غير أن أسأله: إن الرئيسَ أمَرَ بكتابة تفسيرٍ جديدٍ للقرآن، وإن ذلك الشيخ كان يكتبه!!
وقال لي أيضًا: إن وزير الداخلية، وعلى خلافِ العادة الجارية منذ عشرين سنة، أصدر بيانًا يؤيد فيه الدين، وصرَّح بأنه لا يمكن لشعبٍ أن يعيش بدون دين؛ كما أصدر وزير المعارف بياناتٍ تؤيد الآداب الإسلامية، مخالفًا بذلك مبادئه القديمة!! فهذه الأخبار وأمثالُها تُشعِر بتغييراتٍ مهمة، وقد تناهتْ إليَّ لأجل هذه الرؤيا بعد أن سَدَدْتُ أُذُنَيَّ عن الأخبار ثمانيةَ أشهر.
— 163 —
وقد رغبتُ كثيرًا في معرفةِ سببِ ما جرى، فأُخطِرتُ أن أهل الضلالة حرَّضوا المسؤولين السياسيين بالباطل، فتعرَّضوا لرسائل النور على نطاقٍ واسع، وأرادوا معرفةَ مدى قوتها، فلما وجدوها قوةً راسخةً لا يمكن اقتلاعُها ولا التغلب عليها، انصرفوا إلى دراستها وتحليلها، فصارت محلَّ بحثٍ وتدقيقٍ لدى الجهات الرسمية العليا نفسِها، وكانت النتيجةُ أنْ وجدوا أنفسهم مضطرين لأن يسلكوا معنا سبيلَ التفاهم والمصالحة بدلَ المجابهة، فسعَوا لإيجاد وسيلةٍ يُنقِذون بها أنفسَهم من الخطايا الشنيعة المرتَكَبة، فلم يجدوا سوى أن يَنسُبوا المساوئ إلى ذلك الرئيس الميت، وكانوا مِن قبلُ يَنسُبون إليه المحاسن وينسُبون للشعب والجيش المساوئ.
فهذا ما تُخبِر به الرؤيا، وهو ما جاءت به الأخبار.
الرسائل المشتركة لی"خُلوصي الأول" و"خُلوصي الثاني" تَدُلُّ على هِمَّةِ هذين الركنَين المهمَّين وقوةِ صدقهما ووفائهما، وهو ما يَظهر عند كل حادثة.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ الثابتين.. وُرَّاثي الحقيقيِّين..
ثارت حفيظتي على الذين يضايقونكم ويُبيِّتون لرسائل النور السوءَ في هذه الأيام، فهَمَمْتُ أن أدعو عليهم، لكني أشفقتُ على "إسبارطة" فأحجمتُ، فصِرْتُ كلما هَمَمْتُ بالدعاء عليهم حَجَزني أخيارُ "إسبارطة"، فصرتُ أدعو لهم بدلَ الدعاء عليهم، فأقول: اللهم إن "إسبارطة" مدرسةٌ زهراءُ من مدارس رسائل النور، فأصلِح مَن فيها حتى المسؤولين السيِّئين، واكتب لهم حُسن الخاتمة.
ثانيًا: اطلعتُ على الرسائل العربية التي أتى بها "صلاح الدين" من إسطنبول، كرسالة "حبة" و"قطرة" و"شَمَّة" و"حَباب" وغيرِها، فوجدتُ أن الحقائق التي شاهدَها "سعيدٌ الجديد" في سيره القلبي مباشرةً كانت بمثابة نُوًى لرسائل النور؛ بل إن
— 164 —
هذه الرسائل، بالإضافة إلى رسالتَي "شُعلة" و"زُهرة"، ليست سوى أجزاءٍ عربيةٍ من رسائل النور، لكنها لما كانت درسًا مباشِرًا لنفسي، صِيغتْ بعباراتٍ عربيةٍ مختصرة، ولم يُلتَفَت فيها إلى الآخَرين؛ وقد اطلع عليها في ذلك الحين شيخُ الإسلام وأعضاءُ "دار الحكمة" وكبارُ علماء إسطنبول، فتلقَّوها بالتقدير والاستحسان.
فهذه الرسائل هي من أجزاءُ رسائل النور، إذْ هي من آثارِ "سعيدٍ الجديد"، أما آثارُ "سعيدٍ القديم" العربية، فليس منها في رسائل النور سوى "إشارات الإعجاز"، وهو يتبوأ فيها موقعًا هامًّا.
وثمة رسالةٌ اشترك "السعيدان" في تأليفها، وهي رسالة "لمعات" التي أُلِّفتْ بالتركية بين هلالَي شهر رمضان، واتَّخذتْ بدرجةٍ ما شكلَ النظم بغير اختياري، وبلغتْ قرابةَ ستين صحيفةً من قَطْعِ "إشارات الإعجاز"، فيمكن لهذه الرسالة أيضًا أن تدخل ضمن رسائل النور، غير أني مع الأسف لم أستطع الحصول على نسخةٍ منها، فقد نَفِدتْ نُسَخُها المطبوعة لكثرة الإقبال عليها.
ولی"سعيدٍ القديم" رسالةٌ منطقيةٌ تُسمى "قِزِل إيجاز"، وهي رسالةٌ وجيزةٌ بديعةٌ في علم المنطق، تَرشَّحتْ من رسالةِ "تعليقات" غيرِ المطبوعة، وقد أثارتْ إعجابَ العلماء المدقِّقين واستحسانَهم؛ وقد رأيتُ من المناسب ربطَها برسائل النور وعرضَها على أنظار العلماء من طلاب رسائل النور، غير أنها بعيدةُ الغَور، وقد درَّستُ "فيضي" منها بعضَ الدروس في هذه الأيام، فعسى أن يُدوِّن ما تعلَّمه منها بالتركية كي ينتفع به الآخَرون.
٭ ٭ ٭