لاحقة قسطموني
— 155 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ كلمات القرآن وحروفاتها
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين..
أصحابي الأقوياءَ الفعَّالين الثابتين في الخدمة القرآنية..
لقد أصبحنا، نحن ستةَ أشخاص، أولُهم "أحمد النجار" وآخرُهم أنا.. أصبحنا مَناطًا لعدةِ مسائل في هذه الأيام بناءً على إخطارٍ معنوي..
الأول: وهو "أحمد النجار"، طالبُ رسائل النور الفعال، وأحدُ طلاب المدرسة النورية المُجدِّين؛ فقد بعث برسالةٍ يتحدث فيها عن طفلٍ بريءٍ في العاشرة من العمر يدعى "أشرف"، أتاه من مكانٍ يَبعد مسيرةَ يومين، تاركًا قريتَه وشؤونَه، ولم يكن يعرف الكتابة، فنجح في نَسْخ رسائل النور في غضون عشرة أيام!! فهذه یی كما يقول یی كرامةٌ لرسائل النور، وزهرةٌ خارقةٌ من زهرات مدرسة النور.
نعم، ونحن أيضًا نقول: مثلما يُعَدُّ تَفتُّح الأزهار الجميلة في الشتاء المادي خارقةً من خوارق القدرة، فكذلك الأمرُ في هذا الشتاء المعنويِّ الكئيب الذي تَفتَّحتْ فيه شجرةُ "صاوة" عن ألفِ زهرةٍ جميلة، وأثمرتْ ألفَ ثمرةٍ جِنانية، وأزهرتْ روضةُ "إسبارطة" آلافَ أزهارِ الوَرْدِ المحمديِّ الشَّذِيّ.. فهو بلا شكٍّ معجزةُ رحمةٍ خارقة، وهو كرامةُ عنايةٍ ربانيةٍ لهذا البلد، وإكرامٌ إلٰهيٌّ لطلاب رسائل النور خارقٌ للعادة، فلله الحمد والشكر بلا حد.
وفي رسالته نفسِها يحكي "أحمد النجار" من أحوال طلاب النور المضحِّين المتفانين ما يُذكِّر بحال طلاب العلم أربابِ الهِمَم في الماضي، وقد أثار في نفوسنا حنينًا إلى تلك المدارس العلمية، وأَدخل على طلاب النور بالغَ السرور.
وما أجمل العون المعنويَّ الذي تُقدِّمه سيداتُ المدرسة النورية وطالباتُها بأورادهن القرآنية وأذكارهن ودعواتهن لأصحاب الأقلام الجادة في النَّسخ!! وفي هذا
— 156 —
إرشادٌ رفيعٌ للسيدات الفاضلات ممن حولَنا، فجزاهن الله خيرًا، وجزى طلابَ تلك المدرسة وأساتذتَها خيرًا، ورضي عنهم دائمًا أبدًا.
أما الرؤيا التي رآها "أحمد" فحَسَنةٌ مباركة، وإن سماع الصدى المُجلجِل لسيدنا عيسى عليه السلام يمكن أن يكون إشارةً إلى التحاق إمدادٍ قويٍّ من العيسويين بحزب القرآن.
الشخص الثاني ومسألتُه: وهو شابٌّ من طلاب رسائل النور حافظٌ لكتاب الله، يَسأل كما يَسأل كثيرون غيرُه: يتزايد لديَّ مرضُ النسيان، فماذا أفعل؟
فقلتُ له: اجتنب النظر الحرام ما استطعت، فإنه يورث النسيان كما يُروَى عن الإمام الشافعي رضي الله عنه.
نعم، كلما ازداد النظر الحرام بين أهل الإسلام، هاجت بالمرء الهَوساتُ النفسية، فأسرف بسوءِ استعمالِ بدنه، واضطر إلى الاغتسال عدةَ مراتٍ في الأسبوع، فيَطرأ الضعفُ على ذاكرته طِبًّا.
وإن سوء استعمال النظر من جرَّاء انتشار التبَرُّج والتكشُّف في هذا العصر، لا سيما في هذه البلاد الحارة، قد أفضى إلى شيوعِ مرضِ النسيان، فكلُّ الناس يشكو منه إما كُليًّا أو جزئيًّا؛ وبتزايدِ مرضِ النسيان العموميِّ هذا يتبين طرفٌ من تأويلِ الحديث الذي يُنذِر برفع القرآن من الصدور في آخر الزمان، أي: إن هذا المرض سيَستفحِل من جرَّاء سوءِ النظر هذا، حتى يُحال بين المرء وبين حفظ القرآن، فبهذا يَتبين تأويل الحديث؛ ولا يَعلم الغيبَ إلا الله.
الشخص الثالث ومسألتُه: وهو شخصٌ على صلةٍ وثيقةٍ بنا، كَتَب يَطلب المدد إزاء شكوى مريرةٍ شكا منها مِرارًا، يقول: لا أستطيع أن أكون رجلًا.. وحالتي في تدهورٍ مطَّرد، ولا أستطيع رؤية نتائج خدماتي المعنوية!!
فنقول له: هذه الدنيا هي دار الخدمة، وليست محلَّ أخذ الأُجرة، أما أجورُ
— 157 —
الأعمال الصالحة وثمراتُها وأنوارُها ففي البرزخ والآخرة، وإنَّ استجلاب تلك الثمرات الباقية إلى هذه الدنيا وطلَبَها فيها معناه جَعْلُ الآخرة تابعةً للدنيا، وعندئذٍ يَختلُّ إخلاصُ العمل الصالح ويَذهب نورُه.
نعم، وإنَّ تلك الثمرات لا تُطلَب ولا تُنوى، فإن وُهِبَت للمرء اعتقد أنها وُهِبتْ ترغيبًا وتشويقًا، فشَكَر.
نعم، وكما سَبق أن بيَّنا في مكتوبٍ أو مكتوبَين، فقد استُفِزَّ عِرْقُ الحياةِ الدنيويةِ في هذا الزمان وهُيِّج حتى جُرِح، حتى صرتَ تجدُ الرجلَ الهَرِم المبارك من أهل العلم والصلاح يَطلب في الدنيا شيئًا من لذائذ الحياة الأخروية، وما ذاك إلا لأَولويةِ لذائذ الحياة الدنيوية عنده وهَيمنتِها عليه.
الرابع: شخصٌ على صلةٍ بنا، يشكو آسفًا یی كما يشكو كثيرون یی من أنه فَقَدَ الأذواق والأشواق التي كان يجدها في قراءةِ أورادِ طريقةٍ صارمةٍ كان منتسبًا إليها، وأنه الآن يَغلِب عليه الضيق والنعاس، فقلنا له:
كما أن الجو المادي عندما يَفسُد يورِث الضِّيق، وتَظهر حالة انقباضٍ لدى مَن يعاني حساسيةً في الصدر، فكذلك الجو المعنويُّ يَفسُد أحيانًا، لا سيما في هذا العصر الذي ابتعد عن المعنويات؛ وبالخاصة في البلاد التي عمَّتْ فيها الهَوسات والمشتَهَيات النفسانية؛ وخصوصًا بعد انقضاء الأشهرِ الحُرُم والشهورِ المباركة التي يَصفو فيها الجو المعنويُّ، ويَشهَد فيها العالَم الإسلاميُّ يقظةً وإقبالًا، فإنَّ بانقضاء هذه المواسم المباركة تَسْنَح الفرصةُ للضلالة فتُفسِد الأجواءَ بتأثيراتها.
يضاف إلى هذا أيضًا أن الشدة التي في فصل الشتاء تُقلِّل شيئًا من تسلُّط الحياة الدنيوية والهَوسات النفسانية، فيجد أهلُ الإيمان وأهل الإسلام من أنفسهم سعيًا ورغبةً للحياة الأخروية، حتى إذا ما حَلَّ فصلُ الربيع نَشِطت الحياةُ الدنيويةُ والهَوساتُ النفسانية واختفى ذلك الشوق الأخروي.. فلا غرابة بعد هذا أن يعانيَ المرءُ عند قراءة هذه الأوراد القدسية تثاؤبًا وفتورًا بدلًا من الذوق والشوق.
— 158 —
على أن الأعمالَ الصالحةَ وأمورَ الخير إذا لابَسَتْها المشقةُ والكُلفة والمضايقة، وخلَتْ من الأذواق واللذائذ، كانت أرفعَ قيمةً وأعظمَ أجرًا، بسرِّ "خيرُ الأمور أَحْمَزُها"، ولهذا ينبغي للمرء أن يتصور مزيدَ الثواب والقَبول الذي يَغنمُه في تلك المشقة والضيق، فيَشكرَ مسرورًا في طَيِّ الصبر.
الخامس: أحدُ طلاب رسائل النور، يُعلِّل عدمَ عمله لرسائل النور بازدياد هموم المعيشة؛ فقلنا له: إنما اشتدت عليك هموم المعيشة لأنك لا تعمل لرسائل النور؛ فإنَّ كلَّ طالبٍ هنا يعترف، وأنا كذلك أعترف، بأننا كلما عمِلنا لرسائل النور، وجدنا التيسير في شؤون الحياة، والفرحَ في القلب، والسهولةَ في المعيشة.
السادس: وهو هذا السعيد المسكين؛ والمسألة هي أن الاحترامَ والمحبةَ والمُجالسةَ التي يَرغب فيها كلُّ الناس ويطلبونها ويتقبَّلونها بكلِّ فرح، تَثقُل عليَّ وتضايقني وتَغُمُّني، إلا ما يتعلق منها برسائل النور؛ ومَرَدُّ ذلك فيما أحسَب هو أن الخصائص العاليةَ لرسائل النور، والمزايا الجليلةَ للشخصِ المعنويِّ لطلابها، هي معانٍ عظيمةٌ كالجبل، فإنْ حُمِّلتْ على كاهلِ شخصٍ ضعيفٍ مسكينٍ عاجزٍ مُتمادٍ في مسلكِ العجز مثلي، ناءَ بحِملها وانسحق.
هذا وقد أَجبَرَنا الورقُ على الاختصار في هاتين المسألتَين الأخيرتَين، فنبعث بعاطر التحية والسلام إلى كلِّ فردٍ من أفراد "النور" و"الوَرْد" و"هيئة المباركين" والمدرسة النورية ووُرَّاث "لطفي" الأبطال، وإلى كلِّ فردٍ من أفراد الأبرياء الصغار والأُميين الكبار.
المحتاجُ إلى دعواتكم، والمشتاقُ إليكم أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭