لاحقة قسطموني
— 152 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لا تتأثروا لهذه الحادثة التعرضية الجديدة، لأن رسائل النور في ظل العناية كما ثبت بتجارِب كثيرة، ولم توجد إلى اليوم طائفةٌ قامت بمثل هذه الخدمة الجليلة، ونَجَتْ بأقلِّ المشاقِّ مثلَنا.
ثم إنه قد سبق لرسائل النور أنْ شهِدتْ فتوحاتٍ بالغةَ التأثير، وازدهاراتٍ عظيمةَ النفع، من وقائعَ كانت في ظاهرها شاقةً مريرة، كمرضي في رمضان الماضي، وكمصيبتنا في "إسكي شَهِر"، ومثلُ هذا كثير، وستكون هذه الحادثةُ الشاقةُ أيضًا
— 153 —
وسيلةً تُسهِّل لرسائل النور فتوحاتٍ في مسارٍ جديد، وستعود على المنافقين بعكس مقصودهم بإذن الله.
إنه لَأمرٌ خطيرٌ أن يقع بأيديهم "الشعاع الخامس" الذي كُتِب قبل خمسٍ وعشرين سنة، وأُلحِقتْ به فيما بعدُ صحيفةٌ أو صحيفتان كتطبيقات، لكنْ في ذلك حكمةٌ أيضًا، وقد وقع الأمرُ بقضاءٍ إلٰهيٍّ فوقَ العادة وخارجَ اقتدارنا، ليَعرفوا مسلكهم الذي هم عليه، وليَعرفوا حقيقة ذلك الراحلِ إلى جهنم؛ فاعتمِدوا على حكمة الله وعنايته وحفظه، ولا تقلقوا.
واعلموا، وليعلموا هم أيضًا، أنه كما تَدفع الصدقةُ البلاء، فإن رسائل النور وسيلةٌ لدفعِ ورفعِ الآفات السماوية والأرضية عن عموم الأناضول، خصوصًا "إسبارطة" و"قَسْطَموني".. نعم، وإن المعنى الذي استنبطه "صبري" من آية: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ.. وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ، هو معنًى حقٌّ ومطابق.
نعم، إن رسائل النور أشبه بسفينة نوح عليه السلام، وقد جَعلتِ الأناضولَ كجبل الجُوديّ، إذْ كانت سببًا لنجاته من الحريقِ والطُّوفانِ اللذَين عَمَّا الكرة الأرضية؛ فكما أن الطغيان الناشئ عن ضعف الإيمان يَستجلب المصيبةَ العامةَ في الغالب، فإن رسائل النور التي تُقوي الإيمانَ تقويةً فوق العادة كانت وسيلةً من الرحمة الإلٰهية للبقاء بمنأًى عن دائرة المصيبة العامة، فإذا كان أهل الدنيا وأبناء الأناضول لم يدخلوا في دائرة رسائل النور، فعليهم كذلك أن يتركوها وشأنَها فلا يَمَسُّوها بسوء، وإلا فليأخذوا في حُسبانهم یی إنْ تعرضوا لها یی أن يواجهوا عما قريبٍ الحرائقَ والطوفانَ واستيلاءَ الزلازل والأوبئة.. فليعودوا إلى رشدهم، إذْ ما دمنا لا نتعرض لدنياهم، فلا يتعرضوا لآخرتنا، وإلا كانوا عُرضةً للكوارث والمِحَن.
هذا وإني منذ ثمانية أشهر، وبرغم هذه الحادثة المستفِزَّة، لم أستفسر مرةً عن الحرب العالمية الجارية ولا عن السياسة، ويَشهد لهذا "فيضي" و"أمين" اللذان يلازمانِني، وجميعُ مَن لهم صلةٌ بي، ولم أستمع منذ ثلاثِ سنينَ إلى المذياع الذي
— 154 —
يتناهى صوتُه إلى غرفتي، مع أن لي من دواعي الالتفات إلى الدنيا ما لألفِ شخص؛ إذًا، فالذين يتعرضون لنا إنما يعتدون على الإيمان مباشرةً، فنُحيلهم إلى الله عز وجل.
وليَعلَم أهلُ السياسة قطعًا، برغم أنا لا علاقة لنا بهم.. ليَعلموا أنه لا سبيل لإنقاذ هذا البلد وأهلِه من الفوضوية المتمرِّدة الهَدَّامة، ومن الانحطاط والتردي المطلق في هذا العصر، إلا بأُسُسِ رسائل النور.
وليَعلَم أولئك الأبرياءُ الصغارُ وأساتذتُهم الذين عانَوا من هذه الحادثة، أنه كما أن رباط ساعةٍ في ظروفٍ صعبةٍ يَعدِل عبادةَ سنة، وأن ساعةً من التفكُّر الإيمانيِّ الحقيقيِّ تَعدِل طاعةَ سنة، فكذلك هذه الشدة التي عانَوها هي وسيلةٌ لنَيل ثوابٍ عظيم، فينبغي أن يقابلوها بالفرح والسرور لا بالحزن والتأثُّر؛ على أننا مكلَّفون في كل وقتٍ بالاحتياط التام، والبعدِ عن الأضواء، امتثالًا لوصية سيدنا عليٍّ رضي الله عنه إذ كرَّر قولَه: "سِرًّا بَيانةً" و"سِرًّا تَنوَّرتْ".
هذا وقد شاهدنا في هذه الأيام دليلًا على أن المنتسبين إلى رسائل النور مترابطون فيما بينهم بغير شعورهم ولا اختيارهم، وأنهم بإزاء ما يَعرِض لهم من حوادثِ كالجسد الواحد؛ وذلك أنه منذ أن وقعت الحادثة هناك، حدث تبدُّلٌ في أوضاع طلبة النور هنا كأنما أصابهم أمرٌ ما، وسادت حالةٌ من الحذر والتوقُّف تجنُّبًا لِلَفتِ أنظارِ المنافقين، فكنتُ أَعجَب لذلك؛ وتَبَيَّنَ أيضًا أن تعبير رؤى بعض الأشخاص كی"نظيف" كان يشير إلى حادثتكم.
نُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا، خصوصًا مَن قاسَوا المصيبة، وندعو لهم، ونسأل الله تعالى أن يَمُنَّ عليهم بالنجاة سريعًا ليعودوا إلى وظائفهم من جديد، آمين.
٭ ٭ ٭