— 142 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
لقد انقطع الطريق من هذه الجهة فليس يأتي بريد، ولقد كنت أنتظر رسالةً أو كتابًا يأتي من قِبَلكم، لكنني الآن یی لإخطارٍ وَرَد على روحي یی أُرسِل إليكم بدلًا من الانتظار ثلاثةَ أجزاءٍ كان لها أثرٌ طيبٌ في هذه البقعة هنا.
نُسَخُ البطل "طاهري" ونُسَخُ الأبرياء الصغار والأميين المباركين الكبار تقوم بفتوحاتٍ باهرةٍ دائمة؛ ولا أُخفيكم أني عانَيت مشقةً في تصحيح بعض الأجزاء الجزئية، لكنها مشقةٌ كانت تحلو لدي، بل صارت عينَ الرحمة، وأدخلتْني في قافلة هؤلاء الأبرياء والمباركين، فإن خطوطَهم تُشبِه خطي، حتى لكأني أنا كاتبُ هذه الأجزاء وصاحبُها، فلو أني كتبتُها لكانت كتابتي ككتابتهم بعينها.
٭ ٭ ٭
هذه حقيقةٌ كتبتُها خطابًا إلى إخواني في "قَسْطَموني"
أُرسِلها إليكم علَّها تفيدكم
رسائل النور تُحقِّق لتلاميذها الصادقين الثابتين أرباحًا ومكاسبَ عظيمة، وتؤَمِّن لهم نتائج مهمةً ثمينة، وإن الثمن الذي تطلبه منهم مقابلَ ذلك: وفاءٌ تامٌّ خالص، وثباتٌ دائمٌ راسخ.
نعم، فإنها تُنيل الإيمانَ التحقيقيَّ المتين، وتُحقِّقه في زمنٍ يسير، فإذا كان هذا الإيمانُ يُحصَّل في مدارسِ العلومِ الدينيةِ في خمسَ عشْرةَ سنة، فإن رسائل النور تُحقِّقه في خمسةَ عشَر أسبوعًا، بل تُحقِّقه للبعض في خمسةَ عشَر يومًا، وهذا أمرٌ يَشهَد به عشرون ألفًا من الأفاضل بتجارِبهم على مدى عشرين عامًا.
ثم إنها بدستور الاشتراك في الأعمال الأُخروية، تُشرِك كلَّ طالبٍ من طلابها في دعواتٍ مُجابةٍ مرفوعةٍ من آلافِ الألسنة المخلِصة كلَّ يوم، وتُشرِكه في الأعمال
— 143 —
الصالحة التي يعملها آلافٌ من أهل الصلاح كلَّ يوم، فتُنِيْلُه مثلَ أجورهم، وبذلك تجعل كلَّ طالبٍ حقيقيٍّ صادقٍ ثابتٍ بمثابةِ آلافِ الأشخاصِ من حيث العمل.
والدليلُ على هذا إخباراتٌ ثلاثةٌ من الإمام عليٍّ رضي الله عنه أَخبر بها على سبيل الكرامة والتقدير، وبشارةٌ من الغوث الأعظم بَشَّر بها في كرامةٍ غيبيةٍ على سبيل التشجيع والاستحسان، وإشاراتٌ قويةٌ من القرآن المعجزِ البيان، تشير إلى أن طلابَها المخلصين سيكونون من أهل السعادة وأهل الجنة بإذن الله؛ وكفى بهذا دليلًا وإثباتًا قاطعًا، ولا شك أن هذا المَغنَم يتطلب ثمنًا كهذا.
وما دامت هذه هي الحقيقة، فينبغي على مَنْ كان قريبًا من دائرة رسائل النور من أهلِ العلم وأهلِ الطريقة وأصحابِ المشارب الصوفية أن يَدخلوا في تيارها، ويُقَوُّوه برأسِمالِهم المتحصِّلِ من العلم والطريقة، ويجتهدوا في توسيعه، ويشجعوا طلابَها، ويَلزمهم أن يُلقوا جَليدَ أنانيتهم في حوضِ ماءِ الحياةِ الذي في دائرة رسائل النور، لتذوب أنانيتُهم فيه فيَغنموا الحوضَ كاملًا، وإلا فإنهم بشَقِّهم طريقًا آخَر دونَها منافَسةً لها يُلحِقون الضرر بأنفسهم، ويُلحقونه من حيث لا يشعرون بهذه الجادة القرآنية المتينة المستقيمة، ويقدمون بذلك نوعًا من العون للزندقة.
حَذارِ حَذارِ من تيارات الدنيا، لا سيما تياراتِ السياسة، خصوصًا التياراتِ الناظرةِ إلى الخارج.. لا تُلْقِيَنْ بكم في مهاوي التفرقة.. لا تُشتِّتَنْ شَملَكم في مواجهة فِرق الضلالة التي اتحدت عليكم.
ألا وإن الدستور الرحماني يقول: «الحبُّ في الله والبغضُ في الله» ، وإن الدستور الشيطاني يقول: «الحبُّ في السياسة والبغضُ للسياسة» ، فإياكم أن يَحكُمَكم الدستورُ الشيطانِيُّ بدلًا من الدستور الرحماني، فإنكم حينئذٍ تُعادون أخا حقيقةٍ هو كالمَلَك، وتُوالون رفيقَ سياسةٍ هو كالخنَّاس، تُحِبونه وتُظهِرون الرضا عن ظلمه، فتشاركونه في جريمته معنًى، والعياذ بالله.
نعم، فالسياسة في هذا الزمان تُفسِد القلوب، وتُلقي الأرواح المُرهَفةَ في العذاب، فمن أراد سلامةَ القلب وراحةَ الروح فليترك السياسة.
— 144 —
نعم، وإنه ما من أحدٍ على وجه الكرة الأرضية اليوم إلا وهو يعاني نصيبًا من هذه المصيبة النازلة، فهو منها في بؤسٍ وشَتاتٍ يقاسي العذابَ قلبًا أو روحًا أو عقلًا أو بدنًا، لا سيما أهلُ الضلالة وأهلُ الغفلة الذين لا عِلم لهم بالرحمة الإلٰهية العامة، والحكمة السُّبحانية التامة، فإنهم يقاسون آلامًا فوقَ آلامهم بسبب الرِّقة الفطرية على بني جنسهم، فيَجْزعون لمُصابِ النوعِ البشريِّ ويألَمون لآلامه الشديدة الرهيبة، ويعانون منها العذاب؛ وما ذاك إلا أنهم تركوا وظائفَهم الحقيقية وألزَمَ أعمالهم، واشتغلوا بما لا يَعنيهم ولا يَلزمهم، فأرعَوا اهتمامَهم للصراعاتِ السياسية وحوادثِ العالَم الآفاقية، وخاضوا فيها على وجه الفضول والاشتغال بما لا يعني، حتى أصبحت أرواحُهم حائرة، وعقولُهم هاذِرة، وبفعلهم هذا رَضُوا لأنفسهم الضرر، فسَلبوا أنفسَهم حقَّ الشَّفَقة ولَياقةَ الرحمة بموجَب القاعدة الأساسية التي تقول: «الراضي بالضرر لا يُنظَر له» ، أي: مَن رَضيَ لنفسه الضرر لا يُشفَق عليه؛ فلا يُرثَى لهؤلاء ولا يُشفَق عليهم، إذْ هم مَن جلبوا لأنفسِهم البلاءَ من غير داعٍ لذلك.
وإني أُخمِّن أنه لا أحدَ يستطيع الحفاظَ على سلامةِ قلبه وراحةِ روحه، في خِضَمِّ هذا الحريق والعواصف التي عَمَّتِ الكرةَ الأرضية، إلا أهلُ الإيمان وأهلُ التوكل والرضا الحقيقيون، ومنهم الذين دخلوا إلى دائرة رسائل النور بصدقٍ وثبات، فإنهم أكثرُ مَن ينقذ نفسَه من تلك الأهوال، لأنهم يَنظرون بنورِ ومنظارِ الإيمان التحقيقي الذي تعلَّموه من رسائل النور، فيَرَون في كلِّ شيءٍ وجهَ الرحمة الإلٰهية وأثرَها وخلاصتَها، ويشاهدون في كلِّ شيءٍ كمالَ حكمةِ المولى تعالى وجمالَ عدالتِه، فيقابِلون المصائبَ الآتيةَ من إجراءات الربوبية الإلٰهية بالتسليم مبتسمين، يُبدون الرضا، ولا يُقدِّمون شَفَقَتَهم على الرحمة الإلٰهية فيقاسوا العذاب والألم.
وبناءً على هذه الحقيقة، فمن أراد السعادة واللَّذة لا في الحياة الأُخروية فحسب، بل حتى في الحياة الدنيوية، أمكنه أن يجدها، بل يجدها في دروس رسائل النور الإيمانية والقرآنية، كما برهَنَتْ على هذا تجارِبُ لا تُحَد.
٭ ٭ ٭