— 137 —
كلمةٌ بالغةُ الأهمية
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أذكر لكم باختصارٍ حقيقةً سبق أن بَيَّنتُها مراتٍ عدة، وقد لَزِم الحديثُ عنها الآن لأمرين:
الأول: أن أحد إخواننا ممن يتحَلَّون بغايةِ الصدق والحذر، تلقَّى في هذه الأيام لطمةً صغيرةً من جرَّاء عدم احتياطه.
والثاني: أن بعض خواصِّ إخواني كی"فيضي" و"أمين"، لما رأوا أني لم أتابع طَوالَ هذه الشهور الأربعة شيئًا من أحوال العالم وأخبار السياسة والحرب، ولم أسأل عنها، بل لم أُعِرْها اهتمامًا رغم كوني مَعنيًّا بها أكثر من آلاف الناس، عَجِبوا لأمري وتساءلوا عنه؛ فلمناسبة هذين الأمرَين أقول:
بينما كان اللازم أن تكون الحقائقُ الإيمانيةُ المَقصَدَ الأولَ المقدَّمَ على كل شيءٍ في هذا الزمان، وتبقى سائرُ الأشياء في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثةٍ أو رابعة؛ وبينما كان اللازم أن تبقى خدمةُ هذه الحقائق برسائل النور الوظيفةَ الأُولى، وتكونَ محلَّ العناية والاهتمام والمقصودَ بالذات؛ إذا بالأولويات تتبدل في هذا العصر المشؤوم، وإذا
— 138 —
بأحوال العالَم والحياةِ الدنيويةِ اليوم، لا سيما الحياةِ الاجتماعية، وخصوصًا الحياةَ السياسية، وبالأخص الحربَ العالميةَ التي هي تَجَلٍّ من تجليات الغضبِ الإلٰهيِّ النازلِ جزاءً على ضلالة المدنيَّة ورذائلها.. قد استولت على الاهتمامات، وهيَّجتْ عِرْقَ التحزُّب وأثارت نوازعَه، حتى وَصَلَتْ إلى باطن القلب، فأقامتِ الرغباتِ الفانيةَ الضارَّةَ مقامَ الحقائقِ الإيمانيةِ النفيسةِ نفاسةَ الألماس.
أجل، لقد حَقَنَ هذا العصرُ المشؤومُ العروقَ بهذه الأمور وما يزال، لدرجةِ أن بعضَ العلماء بل بعضَ الأولياء خارجَ دائرة رسائل النور، جعلوا الأولويةَ لروابط الحياة الاجتماعية والسياسية، فتركوا حكمَ الحقائق الإيمانية في درجةٍ ثانيةٍ أو ثالثة، وتَبِعوا حُكمَ تلك التيارات، وراحوا يُوادُّون مَن شاكَلَهم في الفكر من المنافقين، ويعادون وينتقدون مَن خالفهم من أهل الحقيقة بل من أهل الولاية؛ حتى لقد جعلوا المشاعر الدينية تابعةً لتلك التيارات.
وإزاءَ هذا الخطر العجيب الذي يَحمله هذا العصر، فإن خدمةَ رسائل النور والاشتغالَ بها قد أسقطا السياسةَ الحاضرةَ وتياراتها من نظري، لدرجةِ أني لم أُعِرْ هذه الحربَ العالميةَ اهتمامًا ولم أَسأل عنها طَوالَ هذه الشهور الأربعة.
ثم إن خواصَّ طلابِ رسائل النور مشتغلون بوظيفة الحقائق الإيمانية، أَعظِمْ بها من وظيفةٍ هي بمثابة ألماسٍ باق، فما ينبغي لهم أن يَفْتُروا عن وظائفهم القدسية، أو يلوِّثوا أفكارهم بالتفرُّج على ألعابِ شَطرنجِ الظَّلَمة، فلقد أعطانا الحقُّ نورًا ووظيفةً نورانية، وأعطى أولئك ألعابًا ظالمةً مُظلِمة، وإنه لمن الخطأ التدني لمشاهدة ألعابهم المُظلِمة على حساب وظيفتنا، في الوقت الذي استغنَوا فيه عنا فلم يَمدُّوا لنا يدَ عَونٍ، ولم يرغبوا بما في أيدينا من أنوارٍ قدسية؛ وإن ما في دائرتنا من الأذواق المعنوية والأنوار الإيمانية يكفينا ويَفي بحاجتنا.
نُسلِّم على عموم إخواننا فردًا فردًا، ونهنئهم بالعيد السعيد.
الباقي هو الباقي
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭
— 139 —
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بعددِ قطراتِ الثلج
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
نهنِّئكم مجدَّدًا، نحن ومَن معنا مِن إخواننا في هذه الأماكن، بالعيد السعيد.. ولقد كان حقُّكم أن أجيب عن رسائلكم الخمسِ أو السِّتِّ برسائلَ مثلِها، لكني لأُمِّيتي أكتفي برسالةٍ واحدةٍ مختصرة، فاعذُروني.
أولًا: بخصوص رسالة "خسرو" التي يأسَف فيها على عدمِ تُمكِّنه من خدمة رسائل النور، بلِّغوه أن كتاباته الجذَّابة ونُسخَه الجميلة تؤدِّي الخدمةَ بأبهى صورةٍ نيابةً عنه.
وكذا رسائلُ "خُلوصي" التي أُدرِجت في "المكتوب السابع والعشرين"، فإنها هي الأخرى تعمل نيابةً عنه وتؤدي بعضَ وظيفته، وسنَخُصُّ والدتَه رحمها الله بالدعاء.
أما الفقرة الغريبة التي أدرجها "حسن عاطف الآيدِني" حاشيةً في رسالة الحافظ "علي"، ودعا فيها دعاءً غيرَ مسبوق قال فيه: (يا رب.. أَضحِك "سعيدًا"، حتى تتفتح من ابتساماته الورود)، فإنها كرامةٌ عجيبةٌ لصدقِه وإخلاصِه لرسائل النور، إذْ تَوافقتْ تمامًا مع زمانِ رسالتِنا التي تُخبِر أن هذا "السعيد" المسكين الذي لم يَضحك مرةً في ثلاثين يومًا، قد ضحك في يومٍ ثلاثين مرة.
وأما رسالة "أحمد النجَّار" فقد أبكَتْني من الفرح، وبدَّدتْ همومي، للكرامة التي نالت طلابَ رسائل النور المباركين، إذْ نسخوا الرسائل المطلوبة كلَّها في ليلةٍ واحدةٍ لتُرسَل إلى الأماكن المحتاجة.. لقد أَدخلتْ رسالتُه هذه عليَّ السرور، وجعلتْني ألهَج بالشكر، كما لو أنه نَسَخَ كتابًا وعشرَ رسائل؛ لقد أحسن الله إلينا من رحمته بالبطل "أحمد النجار" بعد رحيل أخينا "مصطفى چاويش النجار" الذي خدمني ثماني سنين، رَحِمه الله من أخٍ كريمٍ وفِيٍّ متفانٍ.
— 140 —
أما رسائل الحافظ "علي" صاحبِ "مصنع النور"، فتستحق جوابًا طويلًا مُسهَبًا، لِمَا عَبَّرتْ عنه من مشاعره المرهَفة السامية، وما أظهرتْ من درجاتِ إخلاصه ذي الكرامة، غير أنا في هذه العُجالة نقول: إنه يهنئنا بالعيد نيابةً عن الجميع، ونحن نوكِّله أن يبلِّغ التهاني باسمنا جميعًا لكلِّ أخٍ من إخواننا.
وأما ما خَطَّه "طاهرٌ" بقلمه الثمين، من كتابةٍ حلوةٍ كلَذائذِ الجِنان، جميلةٍ كحُلَل الحور العين، فقد دَفَعتْ كلَّ شخصٍ هنا لمطالعتها بمتعةٍ ولذة؛ لكنْ لم تَصِلنا بعدُ "الكلمات" التي نَسَخَها؛ أما النُّسَخ التي خَطَّتْها ابنتاه الصغيرتان المباركتان فإنها تَجول هنا في عالَم النساء والفتيات، وتجذب مَن يشاهدْنها إلى رسائل النور.. إن الهدايا الكثيرة التي بعث بها هذا "الطاهر" الجادُّ النشيط المتفاني قد جعلتْنا مَدينين له بالكثير.
وكنت أودُّ السؤال عن حال "عبد الله" المبارك ساعي بريدِ رسائل النور، فإذا برسالةِ الحافظ "علي" تجيبني عن حاله من غير أن أسأل، بارك الله بهما وجزاهما خيرًا، فقد كتب بآخرها فقرةً جميلةً للغاية حول هدايا الأبرياء الصغار، والأُميين المباركين الكبار، والتي يُسَرُّ بها الماضي والمستقبل، ويُسَرُّ بها حتى أهلُ السماوات.
وفي الرسالة الخصوصية لی"صبري" بصيرِ البصيرة، وناظرِ مرفأ النور الذي عزَّ نظيرُه، كَتَب يُخبر عن أختٍ من أخواتي المبارَكات حفظت "الجوشن الكبير" عن ظهر قلب، وهذا يُبيِّن استحقاقَها الانضمامَ إلى طلبة رسائل النور منذ القديم، ونحن ندعو لها بالاسم مع السيدة "آسية" التي حافظت على جُبَّةِ "مولانا خالد" حتى أوصلتْها إلينا، وسنرسل إليكم فقرةً وردتْ على لسان السيدة "آسية" عفوَ الخاطر.
خطيب "قوزجه" المذكور إن كان وثيقَ الصلة برسائل النور فلْيبلِّغه "صبري" السلام نيابةً عني.
رتَّبْنا ما وصَلَنا من الصغار والأميين وأساتذتهم فجعلناه في سبعةِ مجلداتٍ لطيفة، فأجزاءُ الصغار الجميلةُ ذاتُ التوافقات في مجلد، وأجزاءُ الشيوخ اللطيفةُ في مجلدٍ ثانٍ
— 141 —
يتضمن أيضًا نسخةً جميلةً من "المعجزات الأحمدية" بخط البطل "شكري"؛ وقد صَدَّرْنا كلَّ مجلَّدٍ بالكلمةِ التاليةِ تذكرةً وعبرة:
"كان جمعٌ من طلبةِ رسائلِ النور یی هم زُهاء ستين من الفتية الصغار الأبرياء، وخمسين من الشيوخ الأميين المباركين مع أساتذتهم الكرام الفضلاء یی قد نسخوا من رسائل النور نُسَخًا جميلةً لطيفةً ذاتِ توافقات، وبعثوا بها إلينا، فجمعناها في سبعةِ مجلداتٍ هذا أحدُها.
لقد نَسَخَ الأبرياءُ الصغارُ أجزاءً من رسائل النور قرؤوها ودَرَسوها؛ وإن هذا العملَ الجادَّ منهم في هذا الزمان لَيُبيِّن أن في رسائل النور من اللذائذ المعنوية والأنوار الجذابة ما منحَ هؤلاء لَذَّةً وسرورًا وحماسًا يَفوق جميعَ المُحفِّزاتِ والمُغرِياتِ ووسائلِ الترغيب المستخدَمةِ في المدارس لحثِّ الأطفال على القراءة بحماس، فذلك هو سرُّ اشتغالهم بها.
كما تؤكد هذه الحالُ أن رسائل النور تترسخ وتضرب بجذورها عميقًا، لا يقدر شيءٌ على اقتلاعها بإذن الله، بل هي مستمرةٌ في الأجيال القادمة إن شاء الله.
ومثلما كان الأمر مع هؤلاء الأبرياء الصغار، كان كذلك مع الشيوخ المسنِّين الأُميِّين الداخلين في دائرة رسائل النور المباركة، فقد باشروا نَسْخَها رغم أُميَّتهم وتجاوزِهم سنَّ الأربعين، بل كان منهم رعاةٌ وأبناءُ بادية، فقدَّموا العملَ لها على كلِّ ما سواها رغم الظروف الصعبة، وهذا لا شكَّ يُظهِر أن في هذا الزمان حاجةً إلى رسائل النور أشدَّ من الحاجة إلى الطعام والشراب، بحيث رأى هؤلاء الفلاحون والرعاةُ وأبناءُ البوادي (حاشية): إشارةٌ إلى جهود أبطالٍ لرسائل النور، خصوصًا البطل النوريِّ "شكري أفه"، والراعي "ولي" زعيم الجبل، والبطل "سليمان" من أبناء العشائر الجبلية، وأمثالِهم. حقائقَها حاجةً ضروريةً أَولى من سائر الحاجات الضرورية الأخرى".
والسلام على العموم.
٭ ٭ ٭