— 134 —
إلى إخواننا في "إسبارطة"..
نَقُصُّ عليكم رؤيا لطيفةً أورثتْنا يقينًا شهوديًّا بخصوص مسألةٍ تتعلق بالقدَر، كما زَفَّتْ إلينا في جزئها الثاني بشارةً معنوية.
فقبل يومين رأى أستاذنا في الرؤيا أنني یی أي: فيضي یی خرجتُ معه في رحلة، وبينما نحن في الطريق إذْ قلتُ للأستاذ: سأنْظُمُ هنا سُبحةً للدُّب، فنظر الأستاذ فرأى ما يشبه كُبَّةً من خيوطٍ بيضاء، فضحك بشدةٍ من كلامي العجيب المُضحِك، ومن نِسبتي السُّبحةَ للدُّب، واستيقظ على إثر ذلك وهو يضحك، فكان طَوالَ اليوم يلاطفني بذكرِ هذه الحادثة المنامية، حتى لقد ذكرها عشرين أو ثلاثين مرة وهو يَضحك كما لم نَرَه من قبل.
وبالرغم من محاولاتنا تعبيرَ الرؤيا ببعض المعاني، إلا أننا لم نجد لها مِصداقًا تنطبق عليه؛ ثم إنه بعد يومين، أتى إلى الأستاذ صديقٌ يُشبهني في الصورة، فسأل الأستاذَ قائلًا: ثمة مؤذِّنٌ يَجمع دُهن الدب ويَصنع السُّبحات، أوصى شخصًا مرموقًا
— 135 —
بتناول دُهن الدب للاستشفاء، فما تقولون في هذا؟ فضحك الأستاذ من ذلك، وقال له: حَذَارِ.. لا يفعلْ ذلك؛ ثم تذكَّرَ الرؤيا فجأةً، فعَجِبَ أشدَّ العَجَب من وقوع تأويلها بهذا القدر من التطابق حتى في هيئة السائل الذي يشبهني، إذ رآه في الرؤيا على صورتي.
وقد سَبق أنْ ذكر أستاذُنا في الرسالة الأولى من "المكتوب الثامن والعشرين"، وهي رسالةٌ تتحدث عن الرؤى، ذكر في النكتة السادسة فيها أن الرؤيا الصادقة هي حجةٌ قاطعةٌ على إحاطة القدَر الإلٰهي بكل شيء، وأنه قد عايَنَ ذلك في آلاف التجارِب؛ والحقيقةُ أن هذه الواقعة قدَّمتْ لنا أيضًا مثالًا لطيفًا وقطعيًّا لهذا الركن الإيماني، أعني الإيمانَ بالقَدَر، إذْ أثبتتْه لنا إثباتًا قاطعًا بدرجة الشهود، وبَرهنتْ لنا أن جميع الحوادث مقدَّرةٌ معلومةٌ مُعَيَّنةٌ قبل أن تأتي إلى الوجود، وأنها تأتي وَفقَ ميزانِ القدَر الإلٰهي.
هذا وقد رأى الأستاذ في الطبقة الثانية من الرؤيا نفسها، رأى مرسومًا يُوَجَّه إلى هيئةِ رسائل النور، ثم ما لبث هذا المرسومُ القدسيُّ أن وصل، فإذا هو القرآنُ الكريم؛ وقد شاهدنا تعبيرَ هذه الرؤيا في اليوم نفسه، إذ وصَلَنا على غير ميعادٍ "الحزبُ القرآنِيُّ الأكبر"، بعثتْ به السيدة الفاضلة "آسية" مزيَّنَ الحواشي، مغلفًا بغلافٍ فاخرٍ عتيقٍ عمرُه مئةُ عام، يَحزِمُه شريطٌ مذهَّبٌ على غِرار الشرائط التي تُحزَم بها مراسيمُ السلاطين والملوك وتُختَم؛ فقال الأستاذ: لقد تبين یی في الرؤيا یی أن المرسوم هو القرآن، وها قد جاء "الحزب الأكبر القرآنِيُّ" مختومًا بما تُختَم به المراسيم السلطانية، فنرجو من الرحمة الإلٰهية أن يكون ذلك بمثابةِ مرسومٍ ربانيٍّ لهيئةِ رسائل النور يَزُفُّ البشائر ويمنح الفيض والمَدد ويقضي بترقية الرتبة.
ثم بعد يومين على هذا التعبير وصلتْنا هديتكم الثمينة الغالية، فأظهرتِ التعبيرَ الحقيقيَّ للرؤيا كالشمس.
من طلاب رسائل النور وخَدَمِها الدائمين
أمين وفيضي "خسرو الصغير"
٭ ٭ ٭
— 136 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أهنئكم بالعيد من صميم قلبي وروحي.. إن الرسائل القيِّمة التي أَرسلها الأبرياءُ الصغار المبارَكون، والأُمِّيون الكبارُ الموقَّرون، وأساتذتُهم المحترمون، قد باركتْ عيدَنا هذا أيَّما بركة، ولقد نظَّمناها وجلَّدناها بشكلٍ جيدٍ في خمسةِ مجلدات، وستكون فائدتها عميمةً بإذن الله عز وجل.
إننا نشعر أن هذه الرسائل التي خطَّتْها أيدي الصغار المباركين ببراءة، وكتَبَها الأُميُّون الموقَّرون بإخلاص، قد أضافت كتابتُها كرامةً إلى كرامات رسائل النور، وفاقتْ في أثرها أجملَ الكتابات تأثيرًا، حتى إني حين أتاني "فيضي" بالمجموعة ذاتِ التوافقات التي كَتَبها الصِّغار، وكان قد جلَّدها تجليدًا حسنًا، كنتُ أعاني وقتئذٍ من ألمٍ شديدٍ في كتفي، فقلتُ له: حَنانَيك أخي.. اُدلُك كتفي فإنها تؤلمني بشدة، ثم فتحنا المجموعة وطالعناها، فحصل لكتفي شفاءٌ عجيبٌ أنساني أمرَها، ثم تذكَّرناها بعد ذلك وعَجِبْنا للأمر.
سنُدرِج أسماءَ الذين كتبوا الرسائل وأعمارَهم في صدر المجموعات الخمس، ليكون ذلك تذكرةً ووسيلةً للدعاء لهم.. أهنِّئهم فردًا فردًا، لا سيما أساتذتَهم وآباءَهم وأمهاتِهم، فهنِّئوهم نيابةً عني على خدماتهم، وهنِّئوهم بالعيد السعيد، وبلِّغوا عرفاني بالجميل لهم ولی"هيئة المباركين" وللمدرسة النورية ولأصحاب "مَصنعَي النور والوَرْد".. فلقد حَقَّق هؤلاء أملي الكبيرَ الذي عقدتُه على "إسبارطة"، ومنحوني سُلوانًا عظيمًا، فأنا مَدينٌ لهم بالفضل ما حَييت.
وكما أنه بسرِّ أذكار الصلاة، تُعقَد بعد الصلاة خَتمةٌ مُعظَّمةٌ محمدية، وحَلْقةُ تحميداتٍ أحمدية، عامرةٌ بالتسبيح والذكر والتهليل، واسعةٌ سَعةَ سطح الأرض، فيكونُ الدخولُ فيها بالتصوُّر والنية مدارَ فيوضاتٍ وإمداداتٍ جمَّة؛ فإن لرسائل النور دائرةَ درسٍ وحَلْقةَ أنوارٍ واسعة، فيها آلافُ الأبرياء الصغار والمباركين الكبار، ينهلون من دروس الأنوار، ويَجِدُّون في خدمة الإيمان، ويرفعون دعواتٍ صادقة، فما أسعدنا حين نطوي المكان خيالًا، فنجتمع بهم في هذه الدائرة بالنية والتصور والخيال، لنشاركهم صالحَ أعمالهم، ونؤمِّن على خالص أدعيتهم!! وإنني إذْ حظيتُ
— 137 —
في آخر عمري بهؤلاء الأبناء المعنويين الأبرياء البررة، وبمئاتِ الصغار من أمثال "عبد الرحمن"، لأَعُدُّ ذلك نفحةً من حياة الجنة في الدنيا.
إنني حين أصابني المرض في شهر رمضان الماضي، جَدَّ كلُّ أخٍ من إخواني ساعةً في العبادةِ لحسابي، فوجدتُ لسعيهم هذا نتائجَ عظيمةً شاهدتُها عينَ اليقين وحقَّ اليقين، وعلى غِرار ذلك جَدَّ هؤلاء الأبرياءُ الصغار، والمبارَكون الكبار، والأساتذة الأبرار، واجتهدوا لحسابي، وأعانوني بأقلامهم، ودَعَوا لي بألسنتهم وقلوبهم دعواتٍ صادقةً لا تُرَدّ، فشاهدتُ في الدنيا نتيجةً أخرويةً باقيةً من نتائج خدمتي لرسائل النور؛ فالحمد لله، هذا من فضل ربي.
٭ ٭ ٭