— 130 —
(مسألةٌ مهمةٌ للغاية)
باسمه سبحانه.. وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
لقد آلَمني وهزَّ مشاعري ما حلَّ بالمساكين من بلايا ونكباتٍ وبؤسٍ ومجاعاتٍ جَرَّاءَ هذه المصيبة البشرية والبردِ المعنويِّ الشديد، فضلًا عن بردِ هذا الشتاء القارس، ولقد رَثَيتُ لحالهم لفرطِ الرِّقة والشَّفَقة؛ فلم ألبث أن أُخطِرتُ بأن هذا النوع من المصائب ينطوي على نوعِ رحمةٍ ومكافأةٍ یی حتى للكافر یی يُهَوِّن من وَقْعِها، وأن هذه المصيبةَ السماويةَ وأمثالَها هي للأبرياء نوعُ شهادة.
نعم، فمع أني لم أتلقَّ منذُ شهورٍ خَبَرًا عن أحوالِ العالَم وحربِه، إلا أني تذكرتُ الأطفالَ والضعفاءَ في أوروبا وروسيا فأشفقتُ عليهم، فبَيَّنَ هذا الإخطارُ المعنويُّ تقسيماتٍ صارت مَرهمًا يداوي آلامَ هذه الشَّفَقة المؤلمة؛ وأسرُدُ هذه التقسيمات فيما يلي:
أما الذين ماتوا أو شُرِّدوا بالمصيبةِ السماوية، أو بالنكبةِ الحاصلةِ بجنايةِ الظَّلَمة، فإنْ كانوا في سنِّ الخامسة عشرة فما دون فهم في عِداد الشهداء على أي دينٍ كانوا، ومكافآتُهم المعنويةُ الجليلةُ التي ينالونها كالمسلمين تُهَوِّن مصيبتَهم فتجعلها كالعدم.
وأما إن كانوا فوق سن الخامسة عشرة، وكانوا أبرياءَ مظلومين، فمكافأتهم كبيرةٌ كذلك، ولعلها تُنجيهم من جهنم؛ ذلك أنه ما دام الدين قد صار في آخر الزمان بدرجةِ الدين في زمان الفترة، وأُسدِل على الدين المحمديِّ ستارُ التهاون والإهمال، وما دام الدينُ الحقيقيُّ لسيدنا عيسى عليه السلام سيَحكُم في آخر الزمان ويتكاتف مع الإسلام، فإنه لا جَرَمَ يمكن القول: إنَّ النكبات التي حَلَّتْ بالنصارى المظلومين الباقين في ظلماتٍ كظلمات الفترة، هي بالنسبة لهم نوعُ شهادة؛ خصوصًا كبارَ السن وأهلَ المصائب والفقراءَ والضعفاءَ الذين يقاسون الويلات تحت شدائد المستبدِّين الطغاة وجبْرِهم، فإنَّ هذه المصيبة هي لهم ربحٌ مضاعَفٌ مئةَ ضعف، مثلما هي كفَّارةٌ لذنوبهم الناجمةِ عن رذائل المدنيِّة وكُفرانِها، وضلالِ الفلسفة وكُفرها.
— 131 —
هكذا تلقَّيتُ الخبر من الحقيقة، فشَكرتُ أرحمَ الراحمين بلا حد، ووجدتُ سُلوانًا من ألمِ الشَّفَقة الأليم.
أما إن كان الذين نزلتْ بهم هذه النكبةُ ظَلَمةً، أو كانوا من شياطين الإنس السَّفَلَة، والعُتاة المتوحشين صانعي مآسي البشر، والأنانيين الذين لا يُبالون بأن يُضرموا النيران في عالم الإنسان لأجل منفعتهم الشخصية، فقد استحقوها عدالةً ربانيةً محضة.
وأما إن كان الذين يُقاسون هذه النكبة ممن يسارعون لنجدة المظلومين، ويناضلون من أجل راحةِ البشرية، والمحافظةِ على الأسس الدينية والمقدسات السماوية والحقوق الإنسانية، فلا شك أن النتيجةَ المعنويةَ والأُخرويةَ المترتبةَ على تضحياتهم عظيمةٌ جدًّا، لدرجةِ أنها تجعل هذه المصيبةَ مبعثَ شرفٍ لهم وتُحبِّبُها إليهم.
٭ ٭ ٭
إخواني..
أَرسلتُ في هذه الأيام رسالتَين حول "الرموزات الثمانية" إلى بعض الطلبة المهمِّين في مكانٍ ما، غير أن الطريق سُدَّ فلم تُرسَلا، فأعدتُ قراءتَهما بتمعُّن، وتساءلتُ بفكري: إنَّ مَسلك التوافقاتِ هذا يؤدي إلى مَقصَدٍ جميلٍ لطيفٍ ممتعٍيُثير الاهتمام، فلماذا أُسدِل الحجاب دونَ المُضيِّ فيه، ووُجِّهنا إلى طريقٍ آخَرَ غيرِه فاستُعمِلنا فيه؟
فأُخطِرتُ من فوري: إنما كان هذا لئلا تتضرر خدمةُ خزينةِ الحقائقِ الإيمانية أو يتضرر الانتفاعُ بها، لأن هذه الحقائق هي أُسسُ الإسلام ودعائمُه، وهي الحاجةُ العامةُ التي يحتاجها الجميعُ بشدةٍ في هذا الزمان، وهي أهمُّ وأثمنُ مئةَ درجةٍ من ذاك المسلك الذي يَفتح مغاليقَ الأسرار الغيبية، ويُفضي الاشتغالُ به إلى جعل الحقائق الإيمانية في الدرجة الثانية، مع أنها هي المَقصَد الأعظم والأسمى؛ فلأجل هذا أُسدِل دونه الحجاب.
— 132 —
ولأجل هذا لم تَلبثِ الأسرارُ الغيبية التي أُبرِزتْ في رمز أنْ طُويَتْ وحُجِبتْ.
ولأجل هذا السِّرِّ أيضًا لم نُستخدَم في هذا الطريق كثيرًا، وإنما بَرَزَ من ترشُّحاتِ هذا المسلكِ التوافُقي توقيعٌ على حَقَّانية رسائل النور، وزينةٌ لجزالتها، وظَهَر من أوضاع الحروف القرآنية وانتظامِها نوعُ إعجاز، ولم نُستخدَم في هذا الطريق أكثر من ذلك.
نُسلِّم على جميع إخواننا، وعلى أصحابي في درس رسائل النور، وندعو لهم فردًا فردًا، ونطلب منهم الدعاء.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ المباركين الأبرياء..
تلقَّينا هديتَكم المباركةَ التي خَطَّتْها أقلامكم، فما أغلاها من هديةٍ وما أثمنها!! بل لَكأنَّها عندي هديةٌ فِردوسيةٌ أبديةٌ من الجنة قدَّمَها وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ، فهي حَلوى جِنانيةٌ تُحلِّي عيدَنا السابقَ واللاحق، وهي زينةُ مجلسِنا المعنويِّ تَكسوه حُسنًا وبهاءً كأنها حُلَل الحور العِين بنقوشها وزينتها اللامتناهية.. أجل، ولكم أن تدركوا الأهمية البالغة لهذه الهدية في خدمة رسائل النور من خلال حادثةٍ جرتْ لي ودخلتْ في رؤياي في هذه الأيام.
فإنه حين كانت هديتُكم المعنويةُ القَيِّمةُ هذه في طريقها إلى "قَسْطَموني" قبل ثلاثة أيام، رأيتُ في الرؤيا أنه يأتينا من جانبٍ معنويٍّ مرسومٌ سلطانِيٌّ، يُحمَلُ إلينا بكلِّ احترام، ويقضي برفعِ الرتبة والمقام، فنظرنا إلى هذا المرسوم السامي فإذا به القرآنُ العظيمُ الشأن؛ وحينذاك وَرَد على القلب معنًى، وهو أننا نحن تلاميذَ رسائل النور وشخصَها المعنويَّ سنتلقى بلاغَ ترفيعٍ وترقيةٍ من عالَم الغيب، كرامةً للقرآن الكريم.
— 133 —
أما تعبيره الآن فهو ما تلقَّيناه بأقلام الأبرياء من تفسيرٍ معنويٍّ للقرآن يُمثِّل ذلك البلاغ؛ كما أن التعبير الذي بَيَّنه "فيضي" و"أمين" قُبَيل ذلك حقٌّ ومهمٌّ أيضًا.
ثم إن روحي كانت قد شعرتْ مُسبقًا بهذه الهديةِ النورانيةِ مَبعَثِ الفرح والسرور، لكنها لم تُخبِر العقلَ بذلك، وكان من هذا أني قَبْل وصول الهدية بيومين، وفي صبيحةِ الرؤيا المُبَيَّنةِ في رسالة "فيضي" و"أمين"، شعرتُ بفرحٍ وسرورٍ على نحوٍ لم أعهده من قبل، واستمر حتى المساء، بل إلى شطرٍ من اليوم التالي، وتبسَّمتُ ضاحكًا ثلاثين أو أربعين مرةً مُبديًا فرحي لأدنى سبب!! ولقد عجبنا أنا و"فيضي" من هذا أشد العجب، وحِرْنا في الأمر، (حاشية): نعم، فلم يسبق أن رأينا الأستاذ في مثل هذا الفرح والسرور، غير أنا لم نعرف سبب ذلك، فعجِبْنا للأمر؛ "أمين"، "فيضي". إذ كيف لمن لم يضحك مرةً في ثلاثين يومًا أن يضحك ثلاثين مرةً في يوم؟!
ولقد تَبيَّن الآن أن مَبعثَ هذا الفرح والسرور كان تلك الهديةَ التي لم تكن وَصَلتْ، أعني كتاباتِ الأُميين والأطفال الأبرياء، فهي التي تُمثِّل ذلك المرسومَ المعنويَّ المذكور، وهي تُخبر أن رسائل النور ستَنشُر الأنوارَ في صحائف حياة الجيل القادم، وفي صحيفةِ مقَدَّراتِ العالَم الإسلامي، وفي صحائفِ أهلِ الإيمان المستقبلية؛ كما تُخبر أن حسناتِ هؤلاء الأبرياءِ المترشِّحةَ من أعمالهم الخالصة وخدماتهم الصافية، ستُكتَب وتُسجَّل في صحائف أعمالنا، وتنبئ عن إدامةِ مُقَدَّراتِ طلاب رسائل النور بسعادة.
وكنت قد شعرتُ روحًا بجزءٍ من ألفٍ من حصتي في ذلك المجموع العظيم، فأثار ذلك فِيَّ مشاعرَ البهجة والسرور؛ ولا عَجَب في ذلك، فالأعمال المقبولة والأدعية المجابة الصادرة عن مئاتٍ من أمثال هؤلاء الأبرياء، حين تَدخل صحيفةَ أعمالِ خَطّاءٍ مثلي، وصحائفَ أعمالِ سائر إخواني، تَبعث آلافَ الأفراح والمسرَّات.
إننا نهنِّئ هؤلاء الأبرياء والأُميين ومُعلِّميهم على جهودهم البطولية وبراعتهم الفائقة تحت وطأة هذه الظروف الصعبة والزمان الحالك، كما نهنِّئ آباءَهم وأمهاتِهم، ونهنئ قراهم ومُدنَهم وأمتَهم، ونهنِّئ الأناضول كذلك؛ ولو كنت أَقدِر أن أكتب لكلِّ
— 134 —
واحدٍ من هؤلاء المباركين بطاقةَ تهنئةٍ وشكرٍ مخصوصةً لفعلت، فليقبلوا رغبتي هذه كما لو أنها مكتوبةٌ فعلًا.
سأكتب أسماءهم على هيئةِ دائرةٍ وأنظر إليها وقتَ الدعاء، كما سأُدخلهم في دائرة الخواصِّ من طلاب رسائل النور، وسيشاركونني في مكاسبي المعنوية.
بلِّغوا سلامي نيابةً عني لآبائهم وأمهاتهم، ولأقربائهم وأساتذتهم، وأسأل الله سبحانه أن يُسعِدهم ويُسعِد أبناءهم في الدنيا والآخرة؛ آمين.
نسلِّم على جميع إخواننا فردًا فردًا، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء في هذه الليالي العشر مَظهَرِ الثناء والمدح في القرآن؛ ونُرفِق بالرسالة كلمةً لی"أمين" و"فيضي" بخصوص الرؤيا.
٭ ٭ ٭