— 128 —
هذه تتمةٌ لما كُتِبَ في كلمتَين سابقتَين
عن ترجيح الحياة الدنيوية على الأُخروية
إن هذا العصر العجيب قد صعَّب الحياةَ الدنيويةَ وثَقَّل أعباءها، وكثَّر شروطَ العيش وشدَّدها، وصَيَّر الحاجاتِ غيرَ الضروريةِ ضروريةً بالعُرف والتقليد، وبالإلف والعادة المستحكِمة، حتى جَعل هذه الحياةَ والمعيشةَ أعظمَ غايةٍ ومَقصَدٍ لكلِّ شخصٍ في كل وقت، وبذلك أقام سَدًّا أمامَ الحياة الدينية والأبدية والأُخروية، أو أَخَّرها إلى الدرجة الثانية أو الثالثة؛ ولقد تلقى الإنسان على خطيئته هذه صفعةً شديدةً مروِّعة، إذِ استحالت دنياه جحيمًا.
وفي خِضَمِّ هذه المصيبة المروِّعة يقع أهل الدين أيضًا في ورطةٍ كبيرةٍ من غير أن يَدْريَ بعضُهم الأمرَ على وجهه؛ فمن ذلك أني رأيت بعضَ الأفاضل من أهل الدين، بل من أهل التقوى، قد عقدوا معنا أوثق الصِّلات، يرغب أحدهم في الدين ويحب العملَ به رجاءَ أن يُوَفَّق في حياته الدنيوية ويَلقى التيسير في أموره؛ بل يرغب في الطريقة طلبًا للكشف والكرامات!! أي إنه يجعل رغبتَه في الآخرة والثمراتِ الأخرويةَ المتحصِّلةَ من الوظائف الدينية تُكَأةً وسُلَّمًا للحياة الدنيوية، ولا يدري أن الفوائد الدنيوية التي تترتب على الحقائق الدينية یی وهي حقائقُ عليها مدارُ السعادتين الدنيوية والأخروية یی إنما شأنُها أن تكون بمنزلةِ المرجِّح والمشوِّق لا غير، فإنْ هي بلغتْ درجةَ العلةِ أو كانت السببَ لعمل الخير، أبطَلَتِ العمل، أو اختلَّ إخلاصُه على الأقل فيَفوتُ ثوابُه.
هذا وإنه بإزاء هذا العصر المريض المتوحش المشؤوم، فإن أوثق مُنقِذٍ من وبائه وبلائه، وخيرَ مُخَلِّصٍ مُجرَّبٍ من ظُلمه وظلماته، هو النور الذي تنشره رسائل النور بموازينها وموازناتها؛ ويَشهد لهذا أربعون ألفِ شاهد، فمن كان قريبًا من دائرة رسائل النور فلم يَدخلها فهو في خطرٍ مُحدِق.
نعم، فبحسَب إشارة قوله تعالى: يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ
— 129 —
جَعل هذا العصرُ أهلَ الإسلام يُرجِّحون الحياةَ الدنيويةَ على الأخروية بعلمٍ ورغبة؛ وفُرِض على أهل الإسلام نظامُ حكمٍ خبيثٌ بدأ العملُ به في العام (١٣٣٤).
نعم، وإن جملة عَلَى الْآَخِرَةِ تساوي بحساب الجِفْر والأبجد (١٣٣٣) أو (١٣٣٤)، وهذا يتوافق مع بدايةِ هذا النظام السياسي الذي يُرجِّح الدنيا على الدين، وقد كان هذا النظامُ أحدَ شروط المعاهدة التي أملاها أعداء الإسلام بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى، وقد ظهرتْ نتائج ذلك فعليًّا بعد سنتَين أو ثلاث.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
يساورني قلقٌ بشأنكم إذْ لا تَصِلُني أخبارُكم في هذا البرد القارس، فأُرسِل إليكم هذه المسألةَ المرفَقةَ الصادرةَ من قلقٍ مُشفِقٍ أثاره هذا البردُ في نفسي، فلعل فيها ما يفيدكم.
كما أودُّ التنبيه إلى أن الأجزاء التي تتحدث عن الحشر، والتي كان لها نفعٌ ظاهرٌ هنا، قد جُمِعتْ بآخر "الكلمة العاشرة" وأصبحتْ بمثابة مُلحَقٍ لها، وإليكم ترتيبَها:
فالجزء الأول، وهو المقدمةُ الحَشْريةُ المسماةُ "الشعاع التاسع" يُكتَب عَقِبَ "الكلمة العاشرة"؛ يتلوه "الرمز الرابع" من "اللمعة الثلاثين" المتعلق باسم "الحي"، فيَحِلُّ محلَّ المقام الأول من المقدمة الحشرية المذكورة؛ يتلوه "الشعاع الثاني" أي "رسالة التوحيد"، فتُكتَب خاتمتُها من بدايتها إلى جملة: "فحَسْبُنا هذه المسائل الأربعُ من الحشر، ونعود إلى ما نحن بصدده"؛ ثم يُكتَب جزءٌ من "الرجاء الخامس" من "لَمعة الشيوخ"، وهو من جملة: "نعم، لقد أَخبرتْ بذلك شخصياتٌ هي صفوةُ النوع البشري، وهم مئةٌ وأربعةٌ وعشرون ألفَ نبيٍّ بنص الحديث الشريف.." حتى "الرجاء السادس".
فإن وُجد في باقي الرسائل أجزاءٌ تتحدَّث عن الحشر كهذه فأضيفوها إن رأيتم ذلك مناسبًا، فإن تأثير مجموعِ هيئتِها عظيم.
٭ ٭ ٭